شخصيات الإصلاح
| بقلم |
![]() |
| التحرير الإصلاح |
| الدكتور فوزي بدوي |
يبرز اسم الدّكتور فوزي بدوي في المشهد الثّقافيّ والأكاديميّ التّونسيّ والعربيّ، كأحد القلائل الّذين اختطّوا لأنفسهم مساراً بحثيّاً وعراً، يتطلّب زاداً معرفيّاً استثنائيّاً وجرأةً فكريّةً نادرة. فهو ليس مجرّد أستاذ جامعيّ أو مترجم محترف، بل هو مفكّر يمارس «الحفر المعرفيّ» في طبقات الذّاكرة الدّينيّة، ويسعى لتفكيك بنية الفكر التّوحيديّ عبر أدوات الحداثة الغربيّة، ليعيد تقديمها للقارئ العربيّ برؤية نقديّة راهنة.
وُلد الدّكتور فوزي بدوي في 27 فيفري 1961 بتونس العاصمة. ونشأ في عائلة زيتونيّة، حيث كان والده خرّيج جامعة الزّيتونة، ممّا أتاح له تكويناً تقليديّاً أوليّاً في اللّغة والدّين قبل التحاقه بالتّعليم النّظامي(الابتدائي و الثانوي) ليحصل على شهادة الباكالوريا (تخصص آداب) سنة 1980.
بعد دراسته الجامعية الأولى في تونس، وبسبب غياب تخصصات دقيقة في الدراسات العبرية واليهودية آنذاك، انتقل إلى فرنسا لتعميق تكوينه. فدرس في معهد اللغات والحضارات الشرقية بباريس (INALCO)، وتخصص في اللغة العبرية والدراسات اليهودية. وختم دراسته الجامعيّة بنيله شهادة دكتوراه الدّولة سنة 2008 بملاحظة «مشرف جداً» بعد مناقشة أطروحته«الجدل الإسلامي اليهودي باللّغتين العربيّة والعبريّة إلى حدود القرن العاشر للهجرة / السّادس عشر للميلاد». وقد استغرقت هذه الأطروحة منه أكثر من عشر سنوات من البحث والتّنقيب في المخطوطات والنّصوص الأصلية.
يشغل الدّكتور فوزي بدوي منصب أستاذ التّعليم العالي في كلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات بجامعة منّوبة التّونسيّة، إلّا أنّ تميّز بدوي لا ينبع فقط من موقعه الوظيفيّ، بل من تكوينه الأكاديميّ الرّصين والمتشعّب.
ينتمي بدوي إلى نخبة نادرة من الباحثين العرب الّذين يمتلكون ناصية اللّغات القديمة والحديثة معاً؛ فهو يتقن العبريّة واليونانيّة واللّاتينيّة، إلى جانب اللّغات الأوروبّيّة الحيّة (الألمانيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة). الأمر الذي أهّله ليكون مرجعاً أساسيّاً في «تاريخ الأديان المقارن»، وتحديداً في الدّراسات اليهوديّة (Judaic Studies)، وهو تخصّص يكاد يكون غائباً أو مغيّباً في الجامعات العربيّة لأسباب سياسيّة وأيديولوجيّة. هذا التّخصّص مكّنه من قراءة النّصوص المؤسّسة للدّيانتين اليهوديّة والمسيحيّة (التّوراة، التّلمود، الأناجيل) في لغاتها الأصليّة، بعيداً عن الوساطات التّقليديّة أو التّرجمات التّبشيريّة.
تتمحور اهتمامات الدّكتور فوزي بدوي البحثيّة حول الظّاهرة الدّينيّة في شموليّتها، مع تركيز خاصّ على نشأة التّوحيد (Monotheism). وهو لا يدرس الدّين بصفته لاهوتيّاً مؤمناً يدافع عن عقيدة، ولا بصفته ملحداً يسعى لنقضها، بل بصفته مؤرّخاً للأفكار وعالم أنثروبولوجيا يبحث في:
* الأصول المشتركة: يركّز بدوي على التّداخل العميق بين الدّيانات التّوحيديّة الثّلاث (اليهوديّة، المسيحيّة، الإسلام)، وكيفيّة استعارة كلّ ديانة لمفاهيم وطقوس سابقتها وإعادة إنتاجها.
* الذّاكرة والهُويّة: مستفيداً من نظريّات «الذّاكرة الجمعيّة»، يبحث بدوي في كيفيّة تشكّل هُويّة الجماعات الدّينيّة عبر سرديّات «الخروج» و«الميثاق» و«الوحي»، وكيف تتحوّل هذه السّرديّات إلى «حقائق تاريخيّة» في وعي المؤمنين.
* العنف والمقدّس: يهتمّ بدوي بجذور العنف في الفكر التّوحيديّ، طارحاً أسئلة مقلقة حول العلاقة بين «الحقيقة المطلقة» الّتي يدّعيها التّوحيد وبين إقصاء «الآخر» (الوثنيّ، المهرطق، الكافر).
لعلّ أبرز ما يميّز مشروع فوزي بدوي هو إيمانه بأنّ التّرجمة ليست نقلاً ميكانيكيّاً للنّصوص، بل هي «مثاقفة» واشتباك حضاريّ. لقد اختار بدوي أن يكون جسراً بين الفكر الألمانيّ الرّصين في «علم الأديان» وبين القارئ العربيّ، وذلك من خلال ترجماته التّأسيسيّة لأعمال عالم المصريّات الألمانيّ الشّهير «يان أسمان» (Jan Assmann).
من خلال ترجمته لكتب «أسمان» مثل «موسى المصريّ»، و«الذّاكرة الحضاريّة»، و«ثمن التّوحيد»، و«العنف والتّوحيد»، أدخل بدوي إلى المكتبة العربيّة مفاهيم ثوريّة مثل «التّمييز الموسويّ» (The Mosaic Distinction). هذا المفهوم يشرح كيف أنّ الدّيانة الموسويّة (ومن بعدها المسيحيّة والإسلام) أدخلت للعالم فكرة التّمييز الحادّ بين «الدّين الحقّ» و«الدّين الباطل»، ممّا ولّد نوعاً جديداً من العنف لم تكن تعرفه الدّيانات الوثنيّة القديمة الّتي كانت تؤمن بـ «التّرجمة المتبادلة للآلهة».
كما ترجم بدوي لإدوارد سعيد كتابه المهمّ «فرويد وغير الأوروبّيّين»، وهو نصّ يفكّك العلاقة المعقّدة بين مؤسّس التّحليل النّفسيّ (فرويد) وبين هُويّته اليهوديّة، وعلاقة ذلك بالقضيّة الفلسطينيّة. إنّ اختيارات بدوي للنّصوص الّتي يترجمها توحي بمشروع فكريّ متكامل يهدف إلى زحزحة المسلّمات وكسر التّابوهات المعرفيّة عبر استيراد أدوات النّقد الغربيّ وتبييئها في التّربة العربيّة.
يعتمد الدّكتور فوزي بدوي منهجاً «تركيبيّاً نقديّاً» لفهم الظّاهرة الدّينيّة بعيداً عن التّبجيل أو التّحامل؛ إذ يجمع ببراعة بين ثلاثة مستويات: أولاً، الصّرامة الفيلولوجيّة التي تتتبّع جينالوجيا المفاهيم في لغاتها الأصليّة، لإيمانه بأنّ «الكلمة» في النّصّ المقدّس كائن حيّ يحمل تاريخاً من الصّراعات. وثانياً، المنهج التّاريخيّ الذي يقرأ النّصوص المقدّسة ضمن سياقاتها الزّمنيّة بوصفها وثائق بشريّة لا نصوصاً متعالية فوق التّاريخ، وهو ما يجعله ابناً بارّاً لـ «المدرسة التّونسيّة» (عبد المجيد الشّرفي وهشام جعيط). ويدعّم كلّ ذلك أخيراً بأدوات التّحليل النّفسيّ والأنثروبولوجيّ (فرويد، يونغ، أسمان) لاستكشاف اللاّوعي الجمعيّ وفهم سطوة الأسطورة.
يمثّل الدّكتور فوزي بدوي نموذجاً للأكاديميّ «المثقّف» الّذي لا يسكن في برجه العاجيّ، بل ينخرط عبر كتبه وترجماته ومحاضراته في أهمّ قضايا عصره: قضايا الدّين، والعنف، والهُويّة، والتّسامح. إنّه مشروع فكريّ يهدف إلى تحرير العقل العربيّ من سجن «الذّاكرة المغلقة»، وفتحه على أفق إنسانيّ أرحب، حيث يُدرس الدّين كجزء من التّراث البشريّ العامّ، لا كحقيقة مطلقة تغلق باب الاجتهاد والسّؤال.
بفضل جهوده، أصبح القارئ العربيّ اليوم قادراً على الاطّلاع على أحدث نظريّات «علم الأديان» الغربيّة، ممّا يجعل من فوزي بدوي اسماً لا غنى عنه لكلّ باحث جادّ في تاريخ الأديان وحوار الحضارات، وصوتاً عقلانيّاً يدافع عن التّعدّديّة في زمن التّعصّب. |




