تمتمات

بقلم
م.رفيق الشاهد
الموت في صيغة الجمع
 نوقّر الموت ونبجّله حتّى جعلناه واحدا لا جمع له تعظيما وتشريفا.
على عكس الحياة الّتي تجمع في حالات على «الحيوان»، الموت في صيغة الجمع بحثت عنه في المعاجم كلّها ولم أجد له مرادفا يناسبه لا في شكل جمع مذكّر أو مؤنّث سالم ولا جمع التّكسير. كذلك اللّغة الفرنسيّة لم تختلف كثيرا حتّى وإن جمعت الموت رمزيّا فالجمع يشير دائما إلى أشكاله أو إلى الموتى بذاتهم.
لماذا أردت أن يكون للموت جمع؟ الجواب بسيط لا يجعله إلّا أن يكون كذلك، وهو أنّ العديد من النّاس سبق أن ماتوا وهم بيننا أحياء ولا نعلم كما لا يعلمون متى موتهم الثّاني ولا الأخير. وينطبق هذا على بعض الحيوانات أيضا. أيّ أنّ الموت متعدّد ولابدّ أن يكون له جمع. وقد يبدو غريبا على من يميّز بين الحياة بصفتها وجودا والعيش كتبرير لهما ألّا يتوقّف عند وحدانيّة الموت. ألا تمثّل نهاية العيش موتا مختلفا عن الموت بصفته توقّفا للحياة؟ أيْ لمّا يحدث الموت الأوّل للنّاس خاصّة باعتبارهم يحيون الحياة ويعيشون العيش والفرق واضح، يشمل الموت الآخر بقيّة الكائنات الحيّة الّتي ربّما تحيا ولا تعيش. لكلّ هذا وزيادة، ولأنّي في الأخير ميّت مرّتين على الأقلّ بفقدان العيش أوّلا ثمّ بفقدان الحياة ثانيا، سأُحدِث للموت جمعا وسأختار له جمع تكسير لكسره انسياب العيش ولقطعه سبل الحياة. وبين هذا وذاك طيف شاسع كثير التّدرّج. ثمّ وبما أنّ الموت حالة من حالات الوجود للكائنات مثلها مثل الحياة الّتي تنتهي بدخول حالة الموت، سأستسمحكم سادتي القرّاء الأعزّاء الأفاضل بأن أجعل الموت من هنا وفيما يلي مثل الحياة مؤنّثا بصفتها حالة من حالات الوجود.
على رأي إدغار مورغان «لا يولد النّاس ليموتوا، بل ليبتكروا». أردت أن أعيش الحياة حتّى الموتَ بالنّصب لا جرّا، أيّ أن أحيا الموت كذلك وأعيشه لعلّي أفهم أيّ نوع من الأحياء هؤلاء الأموات. هكذا تساءل أيضا بول ريكور، وهكذا أردت أن أستهلك الموت في جمعه، لا مضطرّا لأموت موتة واحدة، حين تتوقّف نهائيّا وظائفي الحيويّة وتنتهي بالكامل جميع مظاهر الحياة ويخبو النّشاط الذّهنيّ لديّ ليندثر مع النّزع أو انتزاع الرّوح. حينها أين أكون يا ترى؟ قطعا لن أكون في جثّتي الهامدة الّتي لا تعني شيئا عند البشر سوى الموت بما تحمله من هيبة ورهبة. ولكن شيئا من أثري سيبقى ولا أدري كم من الزّمن سأعيش به حتّى أموت موتتي الأخيرة. فالرّسول محمّد مات ومازال بأثره بيننا موجودا ونحبّه ونصلّي ونسلّم عليه. وكذلك، لا أظنّ سيزيف رغب يوما في التّخلّص من حجره الّذي يكبر ويكبر عند كلّ تدحرج حتّى أصبح الحجر «حجر سيزيف» قوقعة صلدة تتحدّى الأنواء وتؤرّم وجود سيزيف حيّا وميّتا. وهكذا يصير بعض جميعنا بعد الموت صخورا لا تحرّكها أودية وآخرون أحجارا وحصى ومنها ما هي نادرة ثمينة ونفيسة كريمة.
وهكذا وجدتني غالبا ما أسأل: كما أموت في الحياة، كيف أعيش الموت؟ سؤال لا مفرّ منه يعود يقرع فكر كلّ عاقل تأمّل لحظة احتضار وعاش واقعيّة الموت. ولكن هل من أحد تلمّسها؟ هل من الأحياء من رجع من احتضاره وبعد أن أغلق عليه باب الموت، ليخبرنا عن فصل من فصوله؟ قد يختلط الأمر على بعض الّذين أشرفوا على الموت والنّاجين منه فيظنّون أنّهم عاشوا الاحتضار أو أنّهم وقفوا على باب الموت الّذي خيّل إليهم أنّه فتح لهم ولم يلجوه.
والحقيقة، وإلى أن يثبت خلافها، الاحتضار ما هو إلّا جزء من الموت وسرّ من أسراره باعتباره المعاش خلف باب الحياة الّذي أغلق ولن يفتح من جديد، وأمام الباب الثّاني باب الموت الّذي فتح وينتظر ولوجه. هذه الصّيرورة الّتي تؤدّي حتما إلى الموت ويفترض أن يعيشها المحتضر وحده دون سواه من الأحياء وإن كانوا حوله. وتسجّل أحداث هذه الصّيرورة في سجلّات تاريخ الموت لا الحياة ووفقا لمّا تقتضيه فيزياء ما بعد الحياة أيّ في نطاق الماورائيّات. أمّا ما يحصل أمام باب الموت مغلقا ما هو إلّا أوهام ناتجة عن فقدان للوعي واضطرابات في نشاط ذهن لا يزال متأثّرا بشذرات من ماضيه وفي تواصل مشوّش بما حوله وفقا لمّا تقتضيه فيزياء الحياة الّتي تستكشف تباعا.
أمّا الموت فهو قريب منّا ويلامسه الأحياء في حياتهم اليوميّة بدرجات تتفاوت مع وقعها على الأنفس باعتبار قسوتها عند فقدان أحد الأقارب أو الأحبّة «الأحياء هم في الحقيقة ناجون من الموت إلى أجل محتوم». هم أولئك الّذين يترصّدهم الموت من كلّ جانب منذ أن أحكمت زرع التّدمير الذّاتيّ للخلايا، وهي عناصر أساسيّة للحياة فجعلتها تبلى وتتآكل وتندثر. ثمّ لم تكتف بذلك مصيدة لتتربّع تنتظر ما هو متوقّع في أجله، بل نصب الموت شباكا جديدة ومتجدّدة حيكت بالأمراض والآفات والجائحات ووفيات جماعيّة تكشف ضراوة الحروب ووحشيّة الإنسان القاتل الّذي يبرّر الإبادة الجماعيّة عرقيّة كانت أو لأيّ سبب من الأسباب. فهؤلاء لا يشهدون اليوم الموت من جانب الحياة وهم يودّعون من توفّي في سكينة وتأمّل فيما سيكتشفونه حتما وراء الباب من الجانب الآخر يوم يغلق خلفهم نهائيّا. سيروون لنا لاحقا لمّا نلتحق بهم حصيلة ما جرى لكلّ منهم. بل لا أحد سيحتاج لذلك بما أنّه سيشهد الاحتضار نفسه وسيكتشف أسراره بنفسه. ولكن ماذا عساه أن يفعل المرء وقد غرست فيه غريزة السّؤال والبحث عن الحقيقة واستعجالها، وإن لم تذعن له ولم يلمسها بين يديه يقينا ابتكرها في خياله وصدّقها حتّى الموت. فأصبح بديهيّا لدينا أن نتخيّل ونستنبط ماذا عساه أن يكون خلف الباب.
ويبقى الواقع المعيش أفضل مختبر للحياة وربّما لأوّل فصول الموت في انتظار اكتشاف مختبرها من جهتها وبفيزياء أخرى. فمنذ أن وصل لتوديع صديقه المسجّى جثّة هامدة، جلس إبراهيم إلى جانبه وتحدّث إليه قبل أن يفارق الحياة ولم يكن واثقا أنّه كان يسمعه، ولكنّه أصرّ على تلقينه الشّهادتين همسا وبلطف وبكلّ صبر، إلى أن استشعر من صديقه المحتضر حركة ضعيفة لسبّابته بلّغت الحاضرين بما لاح على وجه إبراهيم من ارتياح. ساد من حينها، سكون تامّ كأنّ كلّ شيء توقّف عن الحركة أو أنّ الزّمن هو الّذي توقّف رغم السّير الحثيث لعقربة الثّواني لساعة حائطيّة بلّغ صوتها الخافت الرّتيب أسماع جميع الحاضرين الغائبين وسجّلت بثبات ودقّة حدث الموت وشدّة وقعه عليهم وحالة الذّهول الّتي أصابتهم.
كان منشغلا بصديقه فلم يهتمّ لا بالغرفة ولا بما يؤثّثها ولا حتّى من حوله من الحاضرين أهل الميّت وجيرانه الّذين لا يغيبون لا في الأفراح ولا في الأتراح. تعرّف على البعض منهم لمّا رفع رأسه يريد إبلاغهم أن لا حول ولا قوّة إلّا بالله وأنّ كلّ شيء انتهى. لقد فارق صديقه العزيز الحياة دون رجعة. كلّ هذا قاله ولم ينطق. لقد انتقل الخبر وبلّغ الجميع إيحاء بلغة لا تشبه لغة اللّسان. أبلغوه هم أيضا أنّهم كانوا مثله مهتمّين بالمحتضر حتّى فارق الحياة، بل أنّهم تجاوزوه فكلّ منهم شارد يرى نفسه من خلال الجثّة الممدّدة أمام الجميع. صورة حاضرة عند كلّ من حضر موت أحدهم أو تشييع جنازة. ماذا لو كانت تلك جثّتي قد أرى من يبكيني بلوعة ومن يتباكى. وماذا لو كنت أنا محمولا على النّعش ماذا عساني أسمع من همس المشيّعين. صور كتب عنها العديد من الكتّاب من فراش الموت إلى مراسم التّوديع والدّفن والرّجوع منه وحتّى حديث المعزّين والمعزّيات الزّائرات والمقيمات طيلة سبعة أو تسعة أيّام بالتّمام.
رفع إبراهيم عينيه، أحسّ برطوبة أثقلت هواء الغرفة. جال بنظره أرجاءها فوجدها تبكي في سكون وسكينة وقد أسدلت السّتائر على النّوافذ المغلقة لتخفي دمعها والنّور الّذي انطفأ رغم جهد الفانوس الوحيد الباهت. بدا لإبراهيم أنّ جدران البيت وحدها تبكي الفقيد دون سؤال ووحدها حزينة ولا تخشى الموت ولا تحفظ له ذكرى. غدا تقام الأفراح في البيت فتحتفل جدران الغرفة وترقص بستائرها الزّاهية وأنوار البهجة والسّعادة.
لم يبق لإبراهيم إلّا أن ينهض متثاقلا ويخرج في صمت وخشوع ويتبعه كلّ من في الغرفة من الرّجال إلى خارج البيت حيث يقام المأتم لهم لثلاثة أيّام متتالية. لم يكن هناك داع لإخفاء دمع من مقلتين جافّتين. ما يختلج في صدره أقوى وأعظم من الشّعور بالأسى لفراق صديقه. قد يبكيه فيما بعد لمّا يستفيق من الذّهول الكبير. الحدث الجلل تجاوز كلّ معايير العلاقات بين النّاس والرّوابط الّتي تجمعهم، بل أصبح صلاة بين عبد وخالق. هي علاقة خضوع واستسلام واستفهام للحدث المبهم اسمه الموت. واستفهام أكبر لواقع الوجود واحتماله.
الوجود عند إبراهيم مثل عدمه لا يعرف عنهما أكثر ولم يخض أبدا فيهما. شغلته الحياة بواقعها الرّوتينيّ عن التّفكير خارج ما تعوّد عليه من أعمال. وكأنّه اكتشف نفسه اليوم مهتمّا بأشياء لم تخطر بباله سابقا. أحسّ أنّه أصبح يعيش الحياة كما لم يعشها من قبل. فعلا، تأكّد له أنّه لم يعش وقع الموت بهذا الشّكل. فهو للمرّة الأولى يواكب عن قرب وباهتمام صيرورة الموت من جانب الحياة ولا يعتقد أنّه سايرها من أوّلها ولا لآخرها. كيف له أن يعلم؟ ربّما عليه أن يعيش الموت مرّات ومرّات لعلّه يفهم المزيد عنه.
مرّت ساعة كاملة منذ أن انزوى إبراهيم خارج البيت وجلس على حافّة الرّصيف ولم يكن لينتبه للزّمن يمرّ. ولكنّه يعلم أنّه لا يتوقّف ولا ينتظر وأنّ الموت واقع كلّ يوم، وما عليه للتّأكّد إلّا زيارة المقبرة، فهي تستقبل صباحا مساء أفواجا جديدة ممّن أصابتهم مصيبة الموت أيّ الموتى. ثمّ استدرك أنّ من أصابتهم مصيبة الموت فعلا هم المشيّعون النّاجون منها والّذين يعيشون حياتهم على وقعها.
من يعرف ما يدور في خلد إبراهيم؟ الجميع يعلم ما يشغله لو انتبهوا إليه ولم ينشغلوا بما هم فيه من أثر مصيبة الموت الّتي تجنّبها صديقه الفقيد المتوفّى. لقد استقال أو أقاله الموت من شغب الحياة ومصائبها. لقد رآه في سكرات الموت يلج باب الحياة الأخرى حسب ما علمه وصدّقه. لقد رآه وسمعه يتمتم يخاطب كائنات من نوع آخر وحده يراها دون سواه من الحاضرين وبكلمات من قاموس المعتقد الدّينيّ يكلّمهم، فيبتسم لها أحيانا ويلبس قناع الحزن أحيانا أخرى.
سأل نفسه، لماذا الحزن والموت بيننا توأم للحياة كلاهما مكمّل للآخر، حتّى تبدو العلاقة بينهما سببيّة شبيهة بما يربط الدّجاجة بالبيضة. أيّ أنّ كلّ بيضة جاءت من دجاجة والدّجاجة كذلك أصلها بيضة. هكذا يبقى الخوض في الموت عمليّة ليست يسيرة، بل معقّدة ومستحيلة ومرهقة. الحياة تجارب في عالم المحسوس والعوالم الافتراضيّة. اكتشف الإنسان من خلالها نفسه وما حوله وابتكر أدوات لتوسيع مجالات مداركه وإدراك ما حوله من كائنات، إلّا أنّ الموت بقي غامضا ومبهما يفرض الرّهبة والخشوع والتّبجيل لارتباطه بالخوف وما تحمله كلمة الهلاك من معنى.
يقرن اللّغويّون الهلاك بالموت. هلك فلان أيّ مات. ولكن هل يحمل اللّفظان المعنى ذاته؟ يبدو أنّ الموت بما تحمله من معاني الفناء والانقطاع والوفاة وحتّى النّوم باعتباره الموتة الصّغرى، ارتبط معناه العقائديّ بالانتقال والارتقاء أو عكسه، فيكون حينها الهلاك الّذي لا يحمل إلّا معنى السّقوط كقوله «من مات هلك أو هلك من مات». ويفهم من هنا أنّ الموت قد تكون أقصى معاني الهلاك بإشارة إلى الإخفاق والنّزول كنتيجة وعقاب من الرّبّ. ولكن لا يمكن أن يكون الموت كذلك حتّى لا يؤخذ الرّسل والأنبياء والصّالحون بهذا المآل.
هكذا كانت تتزاحم أفكار إبراهيم واعتلتها كرغوة صورة صديقه المحتضر الّذي رآه يصلّي صلاة الموت بنفسه على نفسه ويدعو لنفسه بنفسه حيّا قبل الموت وحتّى الموت. أمّا من حوله فقد كانوا ينظرون إليه كمشرف على الموت فصلّوا عليه صلاة ميّت لم يمت بعد. كلّ ذلك عاشه إبراهيم بكلّ مداركه. حضور للموت وتجسيم للحياة في مشهد واحد، جعله يبتسم وهو لا يرغب في إظهار ما يعجبه في مثل هذا الحدث الجلل.
تململ وكأنّه استفاق من غفوة وحلم جميل، تفاصيله مازالت مبهمة، ولكنّه بقي ماسكا بما هو أساسيّ. لكلّ كائن حياة وموت. وكما الحياة في جمعها حيوان كذلك الموت موتوان إن تجاوز موته الأول وتأكّدت رغبته أن يبقى بعد موته في مخيال الأحياء حيّا. حجر سيزيف لا أحد اهتمّ بشكله ولا بنقاوته. المهمّ أنّه حافظ على سيزيف حيّا بعد موته.