خواطر

بقلم
شكري سلطاني
الإنسان.. بين الخسران المبين والصّراط المستقيم
 يخطو الإنسان في هذه الحياة بتركيبة وجوديّة عجيبة؛ فهو قبضة من «صلصال من حمأ مسنون» تشده إلى الأرض بجاذبيّة الملذّات، وشهوة الاستهلاك، والتّوثّب لنيل الحظوظ الدّنيويّة بشراهة لا تهدأ، فيقع في فخّ الهفوات أسيراً لـ «المبنى» الطّينيّ. لكنّه في الوقت ذاته، يحمل «نفخة من روح الله» تدفعه للتّطلّع نحو السّماء، وتتحفّز في جوهره كينونة ربّانيّة تنشد المعالي وتستجيب لدواعي الإيمان.
تيه العقل في سياق المادّة: 
يتخبّط عامّة البشر في سياق مفاهيم قاصرة، وتصوّرات دنيويّة منغلقة، حيث ترتهن أحاسيسهم بالتّمثّلات الحسّيّة والمادّيّة. في هذا المشهد، تميل العاطفة حيث يميل هوى النّفس، ويتحوّل العقل إلى تابع مفسّر، يبرّر الأفعال ويسوّغ الانغماس في «عالم الصّورة والحركة»، عاجزاً عن تجاوز الإطار السّياقيّ لظاهر الحياة ومبناها.
الأمانة والعبوديّة: الرّوح وديعة والنّفس هبة الرّحمن: 
ليست النّفس إلّا هبة، وليست الرّوح إلّا وديعة، منحها الخالق للإنسان ليصيغ بها هويّته الفرديّة. لقد استودع اللّه فينا كفايات التّفكير والتّأمّل والتّدبّر لتكون كشّافاً يوجّه السّلوك، ويذكّرنا بالحقيقة الكبرى: أنّ الإنسان مملوك لخالقه وسيّده؛ فهو سبحانه «ربّ النّاس، ملك النّاس، إله النّاس».
التّأرجح بين منطق «الهدى» ومنطق «القطيع»:
 يقف الإنسان على برزخ بين خسران مبين وصراط مستقيم:
أهل الهدى والتّقى: 
هم الّذين تاقت أرواحهم للخلود، فجعلوا الفكر والذّكر والشّكر قنطرة للوصول، وانسجم عقلهم مع المنطق الرّبّانيّ، فأصبح «الجسد» لديهم مجرّد دابّة تحمل المعنى، وركيزة تدعم حضورهم الرّوحانيّ.
أهل اللّهو والعصيان: 
هم الّذين سجنوا أرواحهم في غيابات الشّهوة، فتاهت النّفس عن مقصدها، وانغمسوا في «المنطق الشّعوريّ» لحزب القطيع، وأضحى العقل مجرّد أداة لخدمة المادّة، والجسد خادماً للملذّات الفانية.
العمارة الدّاخليّة: بصيرة القطب عبد القادر الجيلانيّ 
ولأنّ الإنسان ينسى في غمرة غروره وكبريائه أنّه مملوك لسيّده، تبرز فرعونيّة النّفس لتطغى، وهنا يتجلّى الفرق بين من عرف حقيقة «الدّاخل» ومن جهلها. ولقد صدق القطب الرّبّانيّ سيّدي عبد القادر الجيلانيّ حين اختصر هذه المعركة الوجوديّة في قولته الشّهيرة: «قلبي قطبي.. قالبي لبناني.. سرّي خضري.. عينه عرفاني.. هارون عقلي.. كليمي روحي.. فرعون نفسي.. والهوى هاماني» فمن جعل روحه كليماً وعقله هاروناً نجا، ومن أسلم قياده لفرعونِ نفسه وهوى هامانه فقد تردّى.
هندسة المسافة: 
الإنسان في حقيقته مسافة زمنيّة بين لحظة ولادة ولحظة فراق؛ هو «قطعة مستقيم» بالمفهوم الهندسيّ. فما أجمل أن يطابق الإنسان سيره مع «الصّراط المستقيم»، ليحوّل وجوده الظّرفيّ إلى إثبات لحقيقة معناه الأزليّ! فليستيقظ الإنسان ببصيرته، ولينزع غشاوة الرّان عن قلبه، وليعلم يقيناً أنّه إن كان «لله» بدايةً، فإنّ «إليه راجعون» مآلاً.