تأملات
| بقلم |
![]() |
| أشرف شعبان أبو أحمد |
| ابتغاء الرّزق في بعض أركان العقيدة الإسلاميّة |
إنّ الدّين عقيدة وشريعة، ولكلّ منهما أصول وقواعد وأركان، فالشّريعة هي كلّ ما ينتهجه المسلم ويسلكه ويقيمه لكي يعتقد بهذه العقيدة ويتديّن بها (1). وأمّا العقيدة فهي: كلفظ أو ككلمة تؤخذ من العقد، والعقد هو الجمع بين أطراف الشّيء وهو نقيض الحلّ، ويستعمل ذلك في الأجسام الصّلبة كعقد الحبل وعقد البناء، ثمّ يستعار للمعاني نحو عقد البيع وعقد النّكاح وكذلك العهد، ومنه قيل: لفلان عقيدة.
والعقيدة في الدّراسات الاجتماعية وردت بمعنى الاعتقاد وهي قبول رأي كحقيقة، وهذا القبول فكريّ بالضّرورة ولو أنّه قد يتأثّر بالعاطفة، وعلى أيّ حال فإنّه يهيّئ حالة عقليّة لدى الفرد تستخدم كأساس للعمل الاختياريّ، ولا يعتمد صدق الاعتقاد على الحقيقة الموضوعيّة في حدّ ذاتها والمتعلّقة برأي معيّن، فهناك اعتقادات خاطئة وأخرى صادقة. والعقيدة أيضًا بمعنى المذهب، وهي رأي فلسفيّ أو دينيّ أو المبادئ التي تسترشد بها طائفة دينيّة أو غيرها من الجماعات، وتنظّم سلوك أفرادها دون إيراد الحجّة عليها. والعقيدة بمعنى المعتقد، وهي المبدأ الّذي يتمسّك به صاحبه ويؤمن بصوابه دون الاستناد إلى دليل. والعقيدة ما انطوى عليه القلب والضّمير وتطلق على المعتقدات الدّينيّة (2)، وهي التّصديق بالشّيء والجزم به دون شكّ (3). ومعناها أيضًا أنّها الأفكار الأساسيّة الّتي يجب على المؤمن بالدّين أن يصدّقها ويقبلها أي يعتقدها، واللّفظ مستحدث في العصر العبّاسيّ ولكن يجوز استخدامه لأنّ شيوخ السّلف لم ينهوا عنه (4)؛ فالعقائد أو علم العقائد تسمية متأخّرة عن علم الكلام وعلم التّوحيد وقد كثر استعمالها منذ القرن السّادس الهجريّ بعد ظهور كتاب العقائد النّسفيّة (5).
والعقيدة الصّحيحة هي الّتي تحدّد للإنسان مكانه الصّحيح في الكون وتسدّد خطاه في الزّمان والمكان، حيث تحدّد له وجهته الصّائبة وترسم له طريقه المستقيم فيستقيم وجدانه وسلوكه ومشاعره وأعماله ومبادئه وواقعه، ويصبح كلّه -كما ينبغي أن يكون- وحدة متماسكة ومتكاملة متّجهة الاتّجاه الصّحيح (6). وهو ما ينطبق على العقيدة الإسلاميّة والّتي هي ما ينطوي عليها قلب المسلم من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويدخل فيها الخضوع والإذعان لمنهج الله سبحانه بعبادة الله وفق ما شرع، وبالشّهادتين وإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة وصوم رمضان وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا (7). وبعض ما فيها من أصول وقواعد وأركان مصدر للرّزق أو عامل لزيادته بكلّ ما يشمله الرّزق لكلا النّفع المادّيّ والمعنويّ.
فالرّزق هو مطلق ما ينتفع به الإنسان، سواء أكان حلالاً أم حراماً، طيّباً أم خبيثاً، وهذا الانتفاع له اتّجاهان: انتفاع مادّيّ يستبقي به الإنسان حياته، وانتفاع في القيم أي معنويّ يثري به الإنسان حياته (8). وليس المال وحده هو الرّزق، بل كلّ شيء أعطاه الله للإنسان ينفع به نفسه ويكفي حاجته فهو رزق له؛ فالعافية رزق، والصّحّة رزق، والحلم رزق، والبطش رزق، والبخل رزق، والكرم رزق، وما يتصدّق به على خلق الله هو رزق، وحسن الخلق رزق، والزّواج رزق، والذّرّيّة رزق، والنّجاح وحبّ النّاس والشّهرة رزق، وكلّ ما في الكون رزق لمن ينتفع به (9). وكلّ ما لا ينتفع به الإنسان وإن كان يتملّكه ليس رزقاً له بل هو رزق غيره (10). فهذا الّذي يملك الملايين من الجنيهات، رزقه منها تلك الّتي ينفقها كلّ يوم، أمّا باقي هذه الملايين فهي ليست رزقه وإن كان هو قد كسبها، لكنّه حارس عليها وحارس أمين ودقيق حتّى يوصلها بالتّمام والكمال إلى أصحابها. ورسول الله ﷺَ يقول: (يقول ابن آدم مالي مالي.. وهل لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت). فهذه الأوجه الثّلاثة الّتي حدّدها رسول الله ﷺَ في الحديث الشّريف هي أبواب الرّزق بالنّسبة للإنسان، وليس للإنسان من ماله سواها، وما يملكه بعد ذلك ليس رزقه ولا ماله، وإنّما هو مكلّف دون أن يدري بمهمّة توصيل أقدار الله لبعض خلق الله (11). فما يكسبه الإنسان ليس هو رزقه فقط، بل ما يكسبه فيه رزقه ورزق زوجته ورزق أولاده ورزق آخرين لا يعلمهم، وكلّ واحد منهم يصل إليه رزقه تماماً دون أن ينقص شيئاً (12).
والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنّ الرّزق الّذي يعطيه لنا فيه نصيب لمن نعول، فقال جلّ جلاله:﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)(الإسراء:31)، وفي آية أخرى يقول سبحانه وتعالى:﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)(الأنعام:151). هذا الإخبار من الله لنعلم أنّ الرّزق وإن كان يأتي عن طريق ربّ الأسرة إلّا أنّه لم يكن رزقه وحده وإنّما هو رزق من يعولهم من أسرته ومن خارج أسرته أيضاً (13).
والرّزق يعرف دائماً مكان صاحبه ويعرف عنوانه وكيف يصل إليه ولا يتوه عنه أبداً، وذلك لأنّه مقدّر من الله سبحانه وتعالى، وما دام مقدّراً فلا بدّ أن يصل إلى صاحبه (14). يقول الرّسول ﷺَ: «لا حيلة في الرّزق ولا شفاعة في الموت» أي أنّه مهما احتال الإنسان على الرّزق واستخدم مكره وعقله فلن يحصل إلّا على رزقه، ومهما شفع النّاس لأي إنسان لكي يطول عمره فإنّه لن يطول ولو ليوم واحد (15). فهل سألت نفسك لماذا تشتري من محلّ بعينه دون آخر؟ ولماذا ترغب في سلعة معيّنة وتشعر بحاجتك إليها وتقتنيها بينما لا يفكّر غيرك حتّى في مشاهدتها معروضة في المحلّ؟ لماذا لا تستطيع عمل كلّ ما تحتاجه بيدك وتحتاج إلى خبرة ومعاونة الآخرين؟ ولماذا تثق في صاحب حرفة معيّنة وترتاح إلى طريقته وأسلوب معاملته لك وتشكُره بينما لا يرتاح إليه غيرك ولا يوفيه حقّه من الشّكر؟ لماذا تتعاطف مع شخص وتبذل ما في وسعك لمساعدته بينما لا ينتابك نفس الشّعور مع آخر ولا ينتاب الآخرين شعورك هذا نحو نفس الشّخص؟ ولماذا تقترب من امرأة بعينها وتشعر بجمالها وترغب في الزّواج منها بينما لا تثار عند الآخرين أيّ جاذبيّة نحوها ولا يفعلون مثل ما تفعل؟ والأمثلة على ذلك كثيرة جدّاً وأكثر من أن تحصى، وما لها من إجابة إلّا أنّه الرّزق يذهب إلى صاحبه، يوزّع على كلّ فرد حقّه فيه ونصيبه منه كما قُسم له. هذا، وكون الرّزق يصل لصاحبه بالتّمام والكمال لا ينفي السّعي وابتغاء الوسيلة لإدراك أسبابه.
وإذا آمن الإنسان بالله واحداً ورازقاً فإنّه يتعيّن عليه أن يثق في كلّ ما يخبرنا به سبحانه وتعالى ثقة لا يعتريها شكّ، فعندما يسمع أو يقرأ قول الحقّ سبحانه يقسم بذاته على صدقه في ضمان الرّزق لعباده بقوله تعالى:﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(الذّاريات:22-23) فيجب أن يشعر بالأمان في حياته لأنّ الرّازق نفسه هو القائل وقوله الحقّ والصّدق، ويجب أن ينتزع من نفسه كلّ هواجسها فيما يتعلّق بالخوف على الرّزق. وإذا آمن الإنسان بذلك فلن تمتدّ يده إلى الحرام أبداً لأنّه يعرف أنّه ما دام هذا رزقه فلا بدّ أنّه آتيه، وما عليه إلّا أن يصبر، وإن لم يصبر واعتراه الخوف ممّا قد يمرّ به من ضيق وملأ الفزع قلبه فإنّه يمدّ يده إلى المال الحرام. والخوف هذا من عمل الشّيطان، قال تعالى:﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ) (آل عمران: 175). وعلى الرّغم من قسم الله عزّ وجلّ فإنّ بعض النّاس لا زالوا يعتقدون أنّ رزقهم في يد البشر مثلهم، وأنّ البشر يملكون الضّرّ والنّفع، ومع أنّ أساس هذا الدّين ينفي أن يملك إنسان لإنسان نفعاً أو ضرّاً إلّا ما شاء الله، يقول الله تعالى لرسوله ﷺَ في محكم التّنزيل:﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) (يونس: 49) (16).
وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ من أركان وأصول العقيدة الإسلاميّة ما يعتبر مصدراً للرّزق وعاملاً لزيادته: الزّكاة مثلاً، فهي عبادة ولكنّها مصدر رزق للفقير وبركة ونماء لمال الغنيّ. الحجّ وما يحتاجه من مستلزمات باب للرّزق لمن يقومون بتوفير هذه المستلزمات. الصّلاة وما لها من أثر في النّفس تنهانا عن الفحشاء والمنكر وبالتّالي تساهم في الحفاظ على صحّة الفرد وماله بدلاً من تبديدهما فيما يضرّ ولا ينفع. الصّيام عبادة يستشعر الغنيّ فيها بجوع الفقير وحاجته فيكثر من الصّدقات وعمل الخير، والصّوم بغرض التّقوى، والتّقوى رزق فمن يتّق الله يرزقه من حيث لا يحتسب. والإيمان أيضاً عامل من عوامل سعة الرّزق، وهكذا نجد الجهاد والعلم والحكمة:﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)(البقرة:269)، والزّواج والإنجاب وصلة الرّحم والميراث والهبة والوصيّة والطّلاق، قال تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ)(النساء:130). وكذلك النّذر والوديعة والحوالة والوكالة والضّمان والحلف والحنث في اليمين وحسن الخلق وصدق المعاملة والأمانة وإقامة حدود الله ووجود مجتمع إسلاميّ، ومن قبل هذا وذاك تطرق سبل العمل الأساسيّة من زراعة وصناعة وتجارة ومضاربة وإيجار، لنجد في النّهاية أنّ المسلمين أغنياء بإسلامهم أعزّاء بدينهم، فإن طلبوا الغنى والعزّة من غير ذلك أفقرهم وأذلّهم الله، وصدق الله العظيم حينما قال في كتابه الكريم:﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)(طه :124).
الهوامش
(1) معالم المنهج الإسلامي، محمد عمارة - ص 95
(2) مع العقيدة والحركة والمنهج في خير أمّة أخرجت للنّاس، علي عبد الحليم محمود- ص 20
(3) المختصر المفيد في النظم الإسلامية، محمد منصور- ص 19
(4) الإسلام والمذاهب الفلسفية، مصطفي حلمي- ص 156
(5) مع العقيدة والحركة والمنهج في خير أمّة أخرجت للنّاس، علي عبد الحليم محمود- ص 20
(6) الإسلام والمذاهب الفلسفيّة، مصطفي حلمي ص 156
(7) مع العقيدة والحركة والمنهج في خير أمّة أخرجت للنّاس، علي عبد الحليم محمود- ص 20
(8) الرزق، محمد متولي الشعراوي - ص4
(9) المرجع نفسه - ص46
(10) المرجع نفسه - ص4
(11) المرجع نفسه - ص.ص22 – 23
(12) المرجع نفسه - ص4
(13) المرجع نفسه - ص 58
(14) المرجع نفسه - ص4
(15) المرجع نفسه - ص 87
(16) المرجع نفسه - ص.ص4 – 8
|




