فقه الميزان

بقلم
الهادي بريك
الحلقة الأخيرة (12): خلاصات وحصائل
 موازين معاصرة فاسدة
قبل الخلوص إلى تحرير حصائل هذه السّلسلة – فقه الميزان ـ دعنا نحصي بعض أكبر الموازين المعاصرة الفاسدة التي تجري عليها بعض وجوه حياتنا. ذكرًا مجملًا، لا عدًّا مفردًا:
التّفرّق في الدّين
التّفرّق قيمة يأباها الإسلام من حيث الأصل. عدا أنّه لمضاء قانون التّعدّد فإنّه لا مناص من تفرّق في الدّين بين الّذين آمنوا وبين غيرهم من بعدما يتبيّن رشد من غيّ وعلى أسّ الاختيار الإراديّ، لا الإكراه. ذلك التّفرّق في الدّين بين هؤلاء وأولئك يطالبنا حياله الإسلام بالتّعاون معهم جميعًا على قاعدة النّدّيّة لأجل توسيع مناطق البرّ ومساحات التّقوى فيما نتواضع عليه من عمارة أرض وتحضّر. ولا يتمّ ذلك عدا بالتّكافل على بثّ الأمن والأمان والسّلم والسّلام. ومن ذلك جاءت منطقة الحرام في كلّ وحدة زمنيّة ـ العام القمريّ ـ وهي ثلث الزّمان كلّه. والثّلث كثير بالحساب الرّياضيّ. 
الإسلام يرضى لنا الاختلاف الفرعيّ تحت سقف خيمته العظمى وأوتادها الكبرى المؤسّسة. ذلك الاختلاف نفسه مشروط بأن يكون موظّفًا لخدمة المقاصد العظمى، وأعظمها مطلقًا وحدة صفّ متنوّع. فإذا أضحى الاختلاف خلافًا مدمّرًا فهو نزاع محرّم، بل إنّه لحفظ قيمة الصّفّ الواحد المتنوّع لم يمنع طائفة من قتال طائفة أخرى أصرّت على الفتك بتلك الوحدة. أمّا في الدّين فإنّه لا خلاف ولا اختلاف، إذ ما جاء الدّين عدا لبثّ الوئام ونسج عرى التّكافل وخفض الجناح وتأسيس صفّ واحد وهو متنوّع. ولذلك جاءت أركانه وأصوله وأعمدته المؤسّسة واضحة جليّة بسيطة. كثير من مظاهر تديّناتنا اليوم تطغى عليه الطّائفيّات والعصبيّات والعرقيّات والانتماءات المدخولة والولاء لغيرنا بشتّى صروف الولاء. ذلك تفرّق في الدّين، وليس هو تنوّع محمود أو اختلاف مقبول. حروب ضارية لاظية مستعرة بين طوائف كثيرة حتّى ليكاد الأمر أن يكون قريبًا ممّا حصل ـ بل هو حاصل ـ بين الطّوائف النّصرانيّة. تلك نذر شرّ مستطير لا تبرّر بزعم هؤلاء أو أولئك أنّهم على المحجّة البيضاء أو أنّ غيرهم فارقوا الفرقة النّاجية.
انسحاب الأسرة من صناعة الإنسان الجديد
لا يعزب عن مهتمّ أنّ عدوى الأسرة الغربيّة قد بدأت في التّسلّل إلينا شيئًا فشيئًا. وعينا بالوظيفة المركزيّة للأسرة شغبت عليه شاغبات كثيرات، ومن ذا تساهلنا كثيرًا في حفظ ذلك المحضن الأعظم الّذي يصنع الله فيه الإنسان الجديد بأمشاج أمّ ولبنها وحنان والد ودفئه. نحن اليوم في مرحلة تكاد تكون غير مسبوقة من حيث تمزّق الأوصال الرّحميّة ووشائج الجوار كذلك. الأمّة اليوم عارية الظّهر بالكلّيّة، فلا تحميها دولة ولا حكومة ولا حزب ولا جماعة ولا طائفة ولا قوّة في الأرض عدا ما ترسّخ فيها من قيم إسلاميّة. بل لم نعد أمّة واحدة أصلًا عدا بالعاطفة الجيّاشة الّتي لا تموت. 
نجح الأعداء في تقليم أوصالنا وتقطيعنا إربًا إربًا، ولو تعرّض شعب منّا إلى القهر المبرّح ـ غزّة مثلًا ـ فلا نملك عدا البكاء والدّعاء والعويل والنّدم على تفريطنا في وحدتنا. الأسرة هي آخر حصن يعمل العدوّ بكلّ قوّة على هدمه لنكون معه وجهًا لوجه في العراء الكامل فيجهز علينا بلطمة واحدة. استسلام الأسرة نذير شرّ مستطير، وتخلّيها عن دورها التّربويّ والتّعليميّ منكر لا يساويه منكر. الأسرة هي المعتصم الأخير، والعدوّ يعلم ذلك كلّ علم. خسران الأسرة هو خسران المستقبل. هجمت ثورة التّواصل بخيلها ورجلها علينا ونحن في العراء فلا معتصم به نعتصم. كلّ تذرّع بقوّة الهجمة وغلبة العولمة هو كلام القاعدين الفارغين البطّالين المتسكّعين.
استيراد ألسنة هجينة تفريطًا في لسان هويّتنا
من تلك الموازين الفاسدة تساهلنا في استبدال ألسنة هجينة أخرى بلساننا العربيّ المبين. اللّسان في الهويّة الإسلاميّة ليس ناقل خطاب فحسب ولا أداة تواصل فحسب، بل هو جزء مكين من الهويّة. اللّسان عامل من عوامل تشكيل العقل ومنهاج التّفكير. ألا يكفي أنّ البحوث الغربيّة نفسها أثبتت أنّه بقدر ما يكون الطّفل راسخًا في لسانه الأمّ يكون أكثر تأهيلًا على استيعاب علوم ومعارف جديدة؟ بيع لساننا الأمّ في أسواق النّخاسة ثمرته هي بيع الهويّة ذاتها في تلك الأسواق الموبوءة. كلّ لسان جديد نتعلّمه هو رأسمال جديد وعلاقة حواريّة جديدة مع النّاس. ولكنّ ذلك لا يعني البتّة التّفريط في اللّسان الأمّ.
تلك موازين ثلاثة ظالمة جائرة علينا الوعي بها كلّ وعي والتّكافل على مقاومتها بدءًا بالمحضن الّذي لا سلطان عليه لعدوّ مهما فعل، أي الأسرة. في أيّامنا إمّا أن تكون الأسرة مدرسة ومعهدًا وكلّيّة وجامعة تصنع الإنسان المسلم صناعة فكريّة وتربوية ليتأهّل لحياة حرّة كريمة مقاومة، وإلّا فإنّ قابلات الأيّام علينا وليست لنا وعندها يكون ظهر الأرض خير لنا. ولكن نطلبه ولا نجده. تفرّق الأصحاب ـ خير النّاس ـ في السّياسة اجتهادًا وتأويلًا ـ ولكن عصمهم الدّين الّذي تعلّموا منه أنّه لا يتفرّق فيه قوم حتّى يهلكوا. 
السّياسة وشؤون الحياة تقبل الاختلاف الواسع ولكن لا تقبل التّنازع كما لا تقبل الخلاف الّذي يكرّ على الأصول والجذور. وليست الأصول والجذور الّتي تعصم كلّ خلاف في الحياة والسّياسة من تنازع مدمّر سوى قيم الدّين. نحن اليوم متفرّقون في الدّين وقيم الدّين وأسّه ومعتصماته العظمى ومحكماته الكبرى. تصنيفات سخيفة يفرح بها الأطفال الصّغار عقلًا ـ أهل سنّة وجماعة وغير أهل سنّة وجماعة من جهة، وسنّة وشيعة من جهة أخرى، وسلفيّة وصوفيّة من جهة ثالثة، وأشعريّة وغيرهم من جهة رابعة، وفرقة ناجية وأخرى في النّار، وغير ذلك من التّصنيفات الّتي تزيد الطّين بلّة ـ ولكنّها تصنيفات تذكّي التّفرّق وتعمّق التّمزّق. أمراض الأمم والمجتمعات والشّعوب لا تترك للهواة من الشّذّاذ كما لا يترك مريض في حالة خطيرة إلى ممرّض. فلا مناص من طبيب نطاسيّ يعالجه. معالجة موازيننا الجافية موكول إلى أولي النّهى من علماء الاجتماع وأساطين العمران وغيرهم، وليست لكلّ من هبّ ودبّ.
خلاصات وحصائل
ما هو الميزان وما الحاجة إليه وما هي مجالاته؟
الميزان هو مصدر حضاريّ عامّ ـ قيميّ وتشريعيّ وفنّيّ وأدبيّ وثقافيّ وفكريّ وفلسفيّ ـ أودعه الباري في الإنسان فردًا وجماعة معًا، وأنزله جنبًا إلى جنب مع كتابه الخالد الخاتم. كما أنزل معهما الحديد ـ رمز القوّة ـ لمقصد أعظم أعلى هو إقامة القسط في الحياة قدر ما نستطيع وفي كلّ الدّوائر والحقول. الميزان مساحتان: ميزان فهم وعلم ومعرفة وفقه، وهو المعتمد. إذ باستقامته يستقيم ميزان التّنزيل، وبميلانه يميل. فهو منه مثل الظّلّ من العود، وميزان عمل وحركة وإنفاذ في الأرض. من مقوّمات منهج الفهم في الميزان: اللّسان العربيّ والموضوعيّة بدل الموضعيّة، والمقاصديّة بدل الوسائليّة، والجماع بدل التّجزئة، وغير ذلك ممّا يضيق عنه المجال هنا. ومن مقوّمات منهج الإنفاذ في الميزان: اعتبار التّعليل والاستصلاح والاجتهاد والتّجديد في محالّه، وتصوّر المآلات والثّمرات واعتبار الضّرورات والحاجات والطّارئات، وغير ذلك ممّا لا يمكن ذكره الآن. 
الميزان على وجه أدقّ يمكن أن تتردّد فيه الحدود ـ أي التّعريفات ـ بين كونه مجمل حياة محمّد ﷺَـ سيرة وسنّة مذ ولد حتّى مات ـ وهذا صحيح بشرط فقه ذلك على وجهي الإجمال والتّفصيل معًا من جهة، ومن جهة أخرى فقه مختلف مقاماته ومنازله بين الإنسانيّة الآدميّة الّتي يشترك فيها مع النّاس وبين الرّساليّة والتّشريع الّذي يأتيه بمقام البلاغ. وبين كون الميزان هو الملكة العقليّة الّتي بها كرّم اللّه الإنسان ليكون بها خليفة مستأمنًا مستعمرًا مسؤولًا. عدا أنّ تلك الملكة مقيّدة بقواطع الوحي الصّحيح أن تضلّ، ومثل ذلك بالتّشاور والتّراضي مع النّاس، وليس استبدادًا بالأمر واستئثارًا به. وبين كون الميزان هو إصابة العدل والقسط قدر الإمكان في كلّ معالجة متاحة، إذ لا مقصد لنا عدا البحث عن العدل الّذي هو أسّ كلّ مقاصد الإسلام ولبّ كلّ مطالبه وأمّ كلّ غاياته. 
الميزان هنا هو صنو الميزان المادّيّ الّذي نستخدمه لوزن الأشياء وكيل البضاعة. وظيفة الميزانين ـ المادّيّ والمعنويّ ـ واحدة وهي توخّي العدل والقسط ونبذ الجور والقهر. ذلك في الأشياء وهذا في الأمور. ذلك في المادّة وهذا في المعاني والقيم. وظيفة الميزان هي حفظ أعظم المطالب الكلّيّة الضّروريّة الّتي لا قيام للإنسان عدا بها في كلّ أبعاده الفرديّة والأسريّة والمجتمعيّة، وهي: تحرّره أمنيًّا ونفسيًّا من جهة وغذائيًّا ومرتفقًا ماديًّا من جهة أخرى. أيّ الحدود ـ التّعريفات ـ حبّذت ممّا أنف ذكره فهو صحيح عندما يكون فقهك له صحيحًا كذلك. 
الميزان هو التأسّي بالحياة النّبويّة كلّها لمعالجة الدّين والدّنيا معًا. الميزان هو حسن استثمار الملكة العقليّة ـ الوعي الباطن ـ نظرًا وقياسًا واجتهادًا واستصلاحًا واستحسانًا وموضوعيّة ومقاصديّة وجماعًا وتشاورًا وتراضيًا عندما يكون ذلك مهديًّا بالوحي الصّحيح. لا ضير في اختلاف التّحريرات والصّياغات عندما يكون المعنى واحدًا. الميزان هو صنو القرآن الكريم وهو هندسته العمليّة ومثله التّطبيقيّة وقيمه الفعليّة، فلا عدل ولا قسط بهذا دون ذاك، ولا بذاك دون هذا. فإذا تكافلا، طلب المسلمون الحديد لفرض ذلك بالحسنى لمسالم، وبالقوّة لمعاند محارب معتد. هي ثلاثيّة العدل المتكافلة المتكاملة: الكتاب والميزان والحديد. 
الميزان كفيل بتأسيس شخصيّة إنسانيّة سويّة وسطيّة معتدلة فردًا وأسرة وجماعة. الميزان هو تكامل المطالب وفق سلّم أفضليّة معروف، تكاملًا أفقيًّا وعموديًّا وعمقًا. الميزان في الحياة هو مثل الصّلاة في العبادة، لا تنصلح حياة بلا صلاة ولا يكون عدل بلا ميزان. الميزان هو مثل القلب في الجسم. الميزان يعطي لكلّ مطلب سعره وثمنه ودرجته ومكانته ومنزلته وحاجته فلا يجور شيء على شيء في الحياة ولا يطغى ولا يخسر. 
الميزان مستأمن على حراسة الإيمان وعلى تأسيس صفّ واحد متنوّع وعلى حيازة العلوم والمعارف النّافعة وعلى فسح الآفاق بعيدة منداحة في وجه كلّ تعدّد بنّاء لا هدّام واختلاف محمود لا تنازع مذموم وعلى فتح أبواب الإصلاح رأبًا لمشكلات لا تحصى تقتضيها طبيعة الدّنيا ومزاج الإنسان وعلى توفير الحديد اللّازم لرغد عيش من جهة ولصدّ عدوان من جهة أخرى ولتحرير المستضعفين في الأرض من نير الاستعباد والرقّ. 
مجالات الميزان هي كلّ حقول الحياة. عدا أنّ له مساحة أوسع ومناطق أكثر وهي الحياة العامّة وشؤونها وترتيب الفضاءات المشتركة بين النّاس. مردّ ذلك هو أنّ الحياة في ظلّ الإسلام مهندسة بطريقة تكون فيها حقول الاعتقاد والتّعبّد بالمعنى الخاصّ مجالات محكومة أكثر من غيرها بالنّصّ القاطع المحكم. كما تكون فيها الحقول الأسريّة بمثل ذلك، ولكن بأقلّ ضبطًا. إذ الأسرة هي قنطرة واصلة بين حقلي الاعتقاد والعبادة من جهة وحقل الحياة العامّة من جهة أخرى. فتجد فيها هذا وذاك سواء بسواء. 
الميزان الّذي هو التّوسّع في إعمال العقل وملكاته عادة ما يكون سلطانه الأوفر في الحياة العامّة الّتي عادة ما تكون فيها الانضباطات النّصّيّة أندر. تلك هي هندسة الشّريعة. يكون الميزان لاعبًا رئيسًا كلّما خرجنا من المناطق الألصق بالمعتقدات والتّعبّديّات. مجال الميزان هو عندما تصطدم المطالب وتكتظّ الحاجات وتزدحم الضّرورات وخاصّة في الحقول العامّة الّتي لا يتمحّض فيها في العادة خير مطلق ولا شرّ مطلق. ومن ذا يُستنجد بالميزان لحسم الأمر. 
كما مرّ معنا في الحلقات المنصرمة من هذه السّلسلة أنّ الميزان آلة قرآنيّة وماعون أصوليّ عمل به محمّد نفسه ﷺَ وفي إثره الأصحاب الكرام وفي إثر أولئك جميعًا المصلحون الرّاسخون في كلّ الحقول والمجالات. بالتّعبير الأصوليّ فإنّ الميزان هو أكثر وجودًا وإعمالًا في السّياسة الشّرعيّة حيث تندر النّصوص وتحضر المقاصد. الميزان هو انتقاء معالجة أنسب للزّمان والمكان والحال والعرف. ربّما خير من عبّر عنه هو استصلاح المالكيّة واستحسان الأحناف. وكلاهما قطب الرّحى فيما عرف بعد ذلك بالجمهور في الفقه. الميزان هو معالجة كلّ موقف بآلته المناسبة، إذ في الميزان تتّحد الوسيلة مع الغاية. 
ليس من الميزان ـ بل هو من الخطل الأشنع ـ إغراق السّوق في أزمنة الكلح الفكريّ بقناطير مقنطرة من الكتب والمؤلّفات في العقيدة على نحو تكون وظيفتها وثمراتها هي طرد النّاس عن الإيمان وحصره في طوائف وفرق مخصوصة في حين أنّ كتاب اللّه وسنّة نبيّه ﷺَ يتيحان الإيمان لكلّ طالب بما اتّسع له واديه وفؤاده. الميزان الحقّ هو الجمع في تلاؤم عجيب بين الحكم الشّرعيّ والموقف الشّرعيّ. قصر النّظر على الحكم الشّرعيّ علم لا مناص منه. ولكنّه يظلّ تجريدًا متعاليًا سابحًا في التّهويمات عندما لا يتنزّل على موقع معطوب فيصلحه بموقف شرعيّ أنسب. التّفريق بين العلم والعمل هو الاتّجاه المضادّ للميزان. 
في الحياة مجالات وحقول لا تحصى ولا تعدّ. والميزان هو معالجة كلّ مجال بآلته الأنسب وكلّ حقل بمبضعه الأولى. هل رأيت طبيبًا يعالج مريضًا بمقمع من حديد؟ تلك المقامع الحديديّة يعالج بها الفلّاح أرضه. الميزان هو الاستظلال بشجرة لا شرقيّة ولا غربيّة. الخذلان هو تصوّر أنّ تلك الشّجرة في الماضي دون الحاضر أو هي لهؤلاء دون أولئك أو أنّها لهذا الحقل دون غيره أو تلك المعرفة دون غيرها. ما ليس شرقيًّا ولا غربيًّا هو وسطيّ متوازن معتدل. 
الميزان هو النّظر إلى المرأة أنّها إنسان قبل كونها أنثى. هي هنا أنثى، ولكنّها هناك إنسان. هي مشمولة بفريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر جنبًا إلى جنب مع الرّجل، لأنّها إنسان هنا. عندما تظنّ أنّ الفروق البيولوجيّة بين الرّجل والمرأة كفيلة بحطّ المرأة من منزلة الإنسان إلى منزلة أدنى فلا أرتاب وربّ الكعبة طرفة عين واحدة أنّك أحول البصيرة وأعور العقل. هاهي الشّمس تختلف عن القمر وهو عنها مختلف. هل يعيب ذلك قمرًا أو شمسًا؟ 
الميزان هو نخل كلّ تراث إسلاميّ وإنسانيّ بعين مركّبة بين أصول الوحي وقواطع العقل ومتغيّرات الواقع. الميزان هو نبذ نمذجة أيّ تجربة أو محاكاة قروديّة ببّغاويّة. الميزان هو حفظ الأصل ومراجعة الفرع، رعاية الغاية ومراجعة الوسيلة. الميزان هو تقديس الإنسان بسبب النّفخة الرّحمانيّة الّتي بها قُدّ قَدّا. ليس الميزان عدّ الإنسان سيّدًا على الكون أو قردًا أو شيئًا أو بضاعة أو ريشة في مهبّ الرّيح لا تملك من أمرها شيئًا عدا أن تؤمر فتطيع. الميزان هو عدّ الإنسان سيّدًا في الكون وهو فيه مستخلف مستأمن مستعمر. 
مفتاح الميزان مزدوج في حكمة بالغة وخلاصة أمينة وحصيلة مركّزة: الميزان مفتاحه مكوّن بين إلهيّة اللّه وحده سبحانه وبين قدسيّة الإنسان المستخلف. وبين ذينك المفتاحين تتردّد قيم ومعان وحركات لا تحصى ولا تعدّ. الميزان كلّ الميزان هو: اللّه واحد أحد ليس كمثله شيء والإنسان هو صناعته وخليفته وأمينه في الأرض المسؤول على إقامة العدل. وما بين ذلك وتحت سقفه تعالج كلّ الطّارئات بحكمة وعدل وقسط ورفق وحزم.
مخاطر التّنكّر للميزان
إذا كان الميزان هو العدل والقسط والمعالجات المراعية للمتغيّرات جمعًا بين مطلب لا مناص منه وبين طارئات قاهرات ضارّات، فإنّ ثمرات التّنكّر للميزان سيّئة خبيثة. منها تقديم الطّائفيّة على الصّفّ الواحد فيكون التّمزّق. ومنها تقديم الأمن الغذائيّ على النّفسيّ سياسة حولاء عوراء فيغدو الإنسان أعجم أبكم يساق قطعانًا إلى أسواق النّخاسة. ومنها فهم الدّين أنّه مخدّر يزرعه السّفّاحون في النّاس فتسلم القطعان البشريّة قيادها للقهر بسلاسة ورضا. أو فهمه أنّه عدوان وإكراه، فتكون دماء يؤجّجها العدوّ لتشويه الصّورة والتّنفير عن الإسلام. أو فهمه أنّه فرار من النّاس والحياة إلى كهوف العبادة الكاذبة، أو فهمه أنّه لا يردّ يد لامس، فهو مائع ليبراليّ شعاره: دعه يفعل دعه يمرّ. 
بكلمة واحدة: نبذ الميزان هو طريق التّمكين للعدوّ ثقافيًّا وسياديًّا وعسكريًّا وماليًّا. الأمّة المتوازنة في حياتها محصّنة بتكامل مطالبها واعتدال مشاربها، وهي عن العدوان عصيّة. الميزان هو الحقّ المبين والقول الفصل وهو الاستظلال بزيتونة تعانق الوحي ومغروسة في العقل متاحة بظلالها الوارفة ودهنها الصّافي لكلّ مستظلّ مادام كائنًا ينتمي بيولوجيًّا إلى آدم. 
الميزان هو لزوم الموضوعيّة في النّظر لا الموضعيّة وتوظيف هذه لتلك وليس سلوك الاتّجاه المضادّ. الميزان هو الثّبات على المقاصديّة بدل الوسائليّة وليس بدل النّصّيّة كما يهرف كثيرون. النّصّ كائن حيّ والمقصد روحه. فلا حياة بوعاء عفوًا من الرّوح ولا وجود لروح بدون وعاء تسكنه. الميزان اختيار الجماع بدل الجزئيّة عورًا وحولًا في البصيرة. الميزان بكلمة واحدة شافية ضافية كافية هو: نظر موضوعيّ لا موضعيّ ومقاصديّ لا وسائليّ وجامع لا مجتزأ مبتسر. الميزان هو الوسطيّة في كلّ ذلك اعتدالًا وشمولًا وتكافلًا وتكاملًا وانتظامًا.