همسة
| بقلم |
![]() |
| د. عبد الفتاح أبوماضي |
| التَّطْفِيفُ: حِينَ يَنْهَارُ المِيزَانُ الأَخْلاَقِيّ (قِرَاءَةٌ فِي سُورَةِ المُطَفِّفِينَ) |
«وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» بصيغة الجمع والوعيد. لم يقل:«ويل للمطفّف»؛ لأنّ التّطفيف ليس مجرّد خطيئة فرديّة، بل نظام اجتماعيّ قائم على ازدواجيّة المعايير. إنّه الخروج عن قانون «الوزن بالقسط» الّذي قامت به السّماوات والأرض.
1. منزع التّطفيف الحسّيّ.. سرقة الحبّ
التّطفيف في أصله اللّغويّ مأخوذ من «الشّيء الطّفيف» أي النّزر القليل. المطفّف لا يجتاح حقّ النّاس كلّه، بل يسترقه حبّة حبّة. وهو في ميزان الوحي أخبث من السّارق؛ لأنّه يتستّر تحت قناع المعاملات المشروعة.
تأمّل الصّورة القرآنيّة العجيبة: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾.. كيلان: كيل لنفسه ممتلئ. ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.. كيل للآخرين ناقص. إنّها شيزوفرينيا الضّمير: ميزانان في يد واحدة، وعينان في وجه واحد. وهذا هو عين ما نهاهم عنه شعيب عليه السّلام: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾. البخس أعمّ من التّطفيف؛ إنّه النّقصان والخداع، حتّى لو كان بالكلمة، أو بتزهيد السّلعة، أو باستغلال حاجة البائع.
2. مآل التّطفيف المعنويّ.. سرقة القيمة
هنا ينقلب الفهم من «المكيال الحسّيّ» إلى «ميزان القيم». القرآن لم يقل: «ويل للمطفّفين في البرّ والشّعير»، بل أطلقها؛ ليفتح باب التّأويل على مصراعيه. يقول سلمان الفارسيّ رضي الله عنه: «إِنَّمَا الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ، مَنْ أَوْفَىٰ أُوفِيَ لَهُ، وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ فِي الْمُطَفِّفِينَ». إذا هناك كيل للرّوح: ركوع بلا خشوع، وصيام بلا غاية، وقرآن بلا تدبّر. والتّطفيف المعنويّ أوسع جرحا: زوج يستوفي الحنان ولا يمنحه، وأب يطلب البرّ الوافي وهو عاجز عن العطاء، وموظّف يطالب بحقوقه كاملة ويؤدّي واجباته ناقصة، ومفكّر يرى هفوات خصمه بالمجهر وعيوب نفسه بالمنظار. أليست هذه هي الآية نفسها: ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ لأنفسهم، ﴿يُخْسِرُونَ﴾ غيرهم؟
3. فلسفة الأمانة.. حين يصير العدل وجودا
هنا يأتي الرّبط الإلهيّ العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا..﴾(النّساء: 58). الأمانة ليست الوديعة تحت الوسادة؛ الأمانة كلّ شيء اؤتمنت عليه: عرضك، قلمك، كلمتك، منصبك، حكمك بين النّاس. والتّطفيف خيانة لهذه الأمانة. بل هو أشدّ؛ لأنّ المطفّف لا يخون العهود الكبرى دفعة واحدة، بل يسرق الثّقة اليوميّة. ولذلك كان عقابهم في الدّنيا: «أخذوا بالصّيحة» كما أهلك قوم شعيب، وعقابهم في الآخرة: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾(المطففين: 4). الآية لم تقل: «ألا يعلمون»، بل «ألا يظنّون». الظّنّ هنا يقين؛ أي: أيقينا لا يشكّون أنّ الخلق ليس سدى؟
4. النّقيض الميزانيّ.. هدي النّبيّ في عدم البخس
الإنصاف أعلى مراتب العدل؛ لأنّه إعطاء الحقّ مع كونه ضدّ هواك. تأمّل هذه الصّورة النّبويّة الفريدة: النّبيّ ﷺ يسمع بيت لبيد وهو كافر: «ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل». فيقول: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد». لم يبخسه حقّه لأنّه مشرك! لم يقل: كيف أثني على كافر؟! بل أعطى القيمة لصاحبها، لأنّ البخس لا يبرّره انتماء. وهكذا كان عليّ رضي الله عنه في الخوارج: «إخواننا بغوا علينا». لم يسلبهم اسم الإخوة، ولم ينف عنهم صفة الإسلام، مع أنّه قاتلهم وقاتلوه. هذا هو ضدّ التّطفيف: أن ترى للآخر ما تراه لنفسك.
الخاتمة.. ما بين الكيل والوجود
سورة المطفّفين لا تعالج قضيّة تجاريّة عابرة. إنّها أطروحة كونيّة عن التّوازن. الميزان ليس في الأسواق فقط، بل في الفطرة ذاتها. من طفّف في كيله، انهار ميزان عدله مع ربّه، ثمّ مع نفسه، ثمّ مع الخلق. الويل ليس مجرّد دعاء؛ إنّه وصف للحالة الّتي يعيشها المطفّف: ضيق في النّفس، وهشاشة في العلاقات، وانفصام في الذّات، ثمّ حجاب عن الله يوم القيامة: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾(المطففين: 15). فإذا أردت أن تعرف موقعك من الميزان، فانظر: كيف تأخذ؟ وكيف تعطي؟ ثمّ اسأل نفسك سؤال الآية:﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾. فإن ظننت، استقمت. وإن أيقنت، أوفيت. |




