نوافذ
| بقلم |
![]() |
| د. حميد حقي |
| من سنن الإصلاح في التاريخ الإنساني: قراءة في بعض التجارب الإصلاحية |
إنّ من يتأمّل تاريخ الأمم والحضارات سيلحظ -ومن غير كبير عناء- أنّ ما عرفته تلك الأمم من تقدّم وعمارة أو سقوط وانهيار لم يكن وليد الصّدفة، وإنّما ارتبط بقوانين وسنن كونيّة تجري في التّاريخ بإرادة الله، وسيلحظ كذلك أنّ قيام الحضارات ارتبط في الغالب بوجود حركات إصلاح وتجديد سعت إلى النّهوض بالإنسان والمجتمع. وشهادات التّاريخ تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشّكّ أنّ التّحوّل الحضاريّ في أيّ عصر وفي أيّ بلد ظلّ مرتبطاً بقادة حملوا همّ التّغيير، كلّ من موقعه، فدعوا إلى التّجديد، ودافعوا عنه، وحدّدوا شروطه ولوازمه، واضعين الإنسان في صلب مشروع الإصلاح.
وهذا ما يسمح بالقول إنّ دراسة تجارب الإصلاح النّاجحة في تاريخ الإنسانيّة تفضي إلى ملاحظة لافتة، مفادها أنّ سرّ نجاحها هو انضباطها لجملة من السّنن الّتي تحكم الإصلاح في المجتمعات. فقد تميّزت هذه التّجارب بقدر من الفهم لطبيعة التّغيير، وبقدرتها على مراعاة شروطه وحدوده، وهو ما منحها إمكانيّة الاستمرار والتّأثير.
وتأسيساً على ذلك حاولت في هذا المقال -من موقع الباحث في قضايا الفكر والإصلاح- الوقوف عند نماذج من روّاد الإصلاح في تاريخ الإنسانيّة، على اختلاف خلفيّاتهم النّظريّة وسياقاتهم التّاريخيّة، قصد استخلاص مجموعة من العناصر المشتركة الّتي تكاد تتكرّر في أغلب هذه التّجارب. وهي عناصر يمكن النّظر إليها باعتبارها سنناً للإصلاح والتّغيير، من شأن استحضارها أن ينير الطّريق أمام الجهود الإصلاحيّة المعاصرة، ويجنّبها الوقوع في كثير من المزالق الّتي عرفتها محاولات سابقة.
1. حين يبدأ الإصلاح من صاحبه
إنّ أوّل ما يتوقّف عليه نجاح أيّ مشروع تغييريّ هو قصد القائد الّذي يقود العمليّة؛ إذ القصد الّذي يحمله المصلح في صدره وموقعه الأخلاقيّ ممّا يسعى إليه هو أساس الإصلاح. وقد ظلّ السّؤال عن نيّة المصلح وعدالته حاضراً في كلّ تجربة إصلاحيّة كبرى، سواء في السّياق الدّينيّ أو السّياسيّ أو الفكريّ أو الاجتماعيّ.
ويؤكّد القرآن الكريم هذا المعنى حين يربط بين فساد القصد وفساد العمل، كما في قوله تعالى: ﴿... إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾(يونس:81)، وهو ربط يجعل الإصلاح فعلاً مشروطاً باستقامة صاحبه قبل استقامة مشروعه. فحين يختلط القصد بالمصلحة، أو يتحوّل الإصلاح إلى وسيلة للغلبة أو الظّهور، يفقد المشروع مشروعيّته وقدرته على الاستمرار، مهما بدا في بدايته مقنعاً أو جذّاباً.
وقد يكون من المناسب جدّاً التّمثيل هنا بتجربة مالك بن نبي، الّذي انشغل طيلة مساره الفكريّ بتشخيص مشكلة الحضارة في العالم الإسلاميّ، منتقداً الحركات الإصلاحيّة في عصره دون تشنّج أو اصطفاف. فلم يكن مدفوعاً برغبة في الانتصار لتيّار بعينه، ولا بتصفية حسابات فكريّة، وإنّما كان همّه منصرفاً إلى البحث عن أسباب التّخلّف، وإلى مساءلة الشّروط الّتي تجعل النّهوض ممكناً. وقد مكّنه هذا الموقف من الاحتفاظ بمسافة نقديّة من الجميع، ومن بناء مشروعه خارج منطق الصّراع الأيديولوجيّ السّائد في زمنه.
ونجد هذا الصّدق في سبيل الإصلاح والتّغيير كذلك عند بديع الزّمان النّورسي، وهو ما عبّر عنه بمقولته الشّهيرة: «لو أنّ لي ألف روح لما تردّدت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام»(1). وهي عبارة ذات دلالات ومعانٍ سامية، حيث يُفهم منها أنّ النّورسي كان ينظر إلى الإصلاح على أنّه التزام شخصيّ ومسؤوليّة دينيّة يتحمّلها لصالح أمّته، ولذلك ربط نجاح مشروعه الإصلاحيّ بصدق الانتماء للفكرة، وليس بحجم تأييد الجماهير لها.
2. المعرفة شرط كلّ نهوض
يتبيّن من خلال تتبّع تجارب الإصلاح عبر التّاريخ أنّ الّذي يصنع التّغيير ليس هو الحماسة النّضاليّة الّتي تتجلّى في الغالب في قوّة الشّعارات وشدّة الخطابات، ويتبيّن كذلك أنّ صدق القصد -على أهمّيّته- غير كافٍ ما لم يسنده رصيد معرفيّ واسع يسمح بفهم الواقع وتشخيص مشكلاته تشخيصاً دقيقاً. فالإصلاح في عمقه فعل مركّب يتقاطع فيه الدّينيّ والفكريّ والاجتماعيّ والتّاريخيّ، ولا يمكن الإحاطة به دون امتلاك أدوات معرفيّة متعدّدة، تضمن للمصلح بلوغ أهدافه، وتجنّبه الوقوع في حلول سريعة لا تصمد أمام تعقيدات الواقع.
فإذا أخذنا على سبيل المثال تجربة مالك بن نبي، فسنجد بالفعل أنّ مشروعه الإصلاحيّ لم يتشكّل من فراغ، وإنّما انبثق من اطّلاع واسع على تاريخ الفكر الإنسانيّ، وعلى التّجربة الإسلاميّة في مراحل قوّتها وضعفها، إلى جانب معرفته الدّقيقة بالحضارة الغربيّة الحديثة. فقد درس واقع العالم الإسلاميّ من داخله، وقرأ في الوقت نفسه مسار المجتمعات الّتي سبقت إلى النّهضة، فاستخلص من ذلك تصوّراً متكاملاً لمشكلة الحضارة، وربط بين التّخلّف وبين اختلال علاقة الإنسان بالفكرة والعمل والزّمن. وهو ما جعله ينبّه إلى أنّ الخلل لا يكمن في غياب الأفكار، وإنّما في ضعف القدرة على تحويلها إلى فعل، معبّراً عن ذلك بقوله: «إنّ الّذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة»(2). وأحسب أنّ هذا البعد المعرفيّ هو أكثر ما أسيء تقديره في عدد من المشاريع الإصلاحيّة المعاصرة، الّتي استعجلت الفعل قبل استكمال أدوات الفهم.
ويقدّم السّياق المغربيّ نموذجاً آخر في هذا الباب من خلال شخصيّة المكّي النّاصري، الّذي اجتمعت له معارف متعدّدة قلّما تجتمع لفرد واحد؛ فقد برز منذ وقت مبكّر في ميادين الأدب واللّغة والتّفسير والفقه والأصول، إلى جانب اشتغاله بالتّاريخ والفكر، وهو ما أهّله ليكون فاعلاً إصلاحيّاً لا يكتفي بإصدار المواقف، بل يربطها بسند علميّ متين. ولم يكن حضوره في ساحة الإصلاح نابعاً من موقعه الاجتماعيّ فقط، وإنّما من مكانته العلميّة الّتي مكّنته من التّأثير في محيطه، والتّواصل مع فئات مختلفة بلغة يفهمونها ويثقون بها.
وتتأكّد هذه السّنة أيضاً في تجربة الشّيخ زرّوق، الّذي جمع بين مسالك معرفيّة متعدّدة، فقد كان أشعريّ العقيدة، مالكيّ الفقه، جنيديّ السّلوك، إلى جانب إحاطته الواسعة بعلوم عصره. وقد أتاح له هذا التّعدّد المعرفيّ تجاوز النّظرة التّجزيئيّة إلى فعل الإصلاح، حيث تأهّل بذلك ليقدّم فهماً للإصلاح يقوم على التّوازن بين العلم والعمل، وبين الظّاهر والباطن، دون الوقوع في اختزال أو تعارض مصطنع.
ونجد المسار ذاته في مشروع بديع الزّمان النّورسي، الّذي أولى عناية خاصّة لدراسة العلوم الطّبيعيّة والإنسانيّة، من رياضيّات وفلك وفيزياء وتاريخ وفلسفة، إدراكاً منه أنّ الخطاب الإصلاحيّ في زمنه لا يمكن أن يخاطب النّاس بمعزل عن الأسئلة الّتي تطرحها هذه المعارف. وقد مكّنه هذا التّكوين من محاورة أبناء عصره بلغتهم، ومن الدّفاع عن الدّين في فضاء معرفيّ متغيّر، دون انغلاق أو قطيعة.
3. قراءة الواقع قبل تغييره
قد يكون التّعجّل في اقتراح الحلول قبل فهم الواقع المراد تغييره من أكثر العوامل الّتي أضعفت كثيراً من المشاريع الإصلاحيّة. وبيانه أنّ الإصلاح لا يتحقّق بإسقاط تصوّرات مسبقة على المجتمع، ولا بنقل تجارب جاهزة من سياقات مغايرة، وإنّما ينطلق من فحص دقيق لما يعرفه الواقع من أوجه الاختلال من جهة، وما يختزنه في الوقت نفسه من إمكانات من جهة ثانية. ولهذا كان استيعاب الواقع شرطاً سابقاً على أيّ فعل تغييريّ.
يمكن ملاحظة هذا المنحى في تجربة مالك بن نبي، الّذي انتبه مبكّراً إلى أنّ مشكلة الإنسان في عصره لم تكن مشكلة سياسيّة أو اقتصاديّة معزولة، وإنّما كانت في أصلها مشكلة حضاريّة مركّبة. وهو ما جعله ينصرف إلى دراسة التّاريخ الإنسانيّ بصفة عامّة، والتّاريخ الإسلاميّ بصفة خاصّة، باحثاً عن القوانين الّتي حكمت قيام الحضارات وانهيارها. غير أنّه لم يكتفِ بالرّجوع إلى الماضي، بل أولى عناية خاصّة بدراسة واقع المجتمعات المعاصرة؛ سواء تلك الّتي قطعت أشواطاً في التّقدّم، أو الّتي ما تزال تعاني من مظاهر التّخلّف، مركّزاً على الواقع العربيّ والإسلاميّ، وعلى السّياق الجزائريّ تحديداً.
وقد مكّنه هذا الجمع بين قراءة التّاريخ وتحليل الواقع المعيش من تجاوز التّفسيرات السّطحيّة للتّخلّف، والابتعاد عن اختزال الأزمة في عامل واحد. فهو لا يردّ أسباب الانحطاط إلى الاستعمار وحده، ولا إلى الاستبداد السّياسيّ فقط، ولا إلى الانحراف الدّينيّ بمعزل عن غيره، وإنّما سعى إلى تركيب صورة أشمل، تؤكّد تداخل العوامل الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة في إنتاج حالة القابليّة للتّراجع والتّبعيّة.
وهذا المسلك نجده أيضاً عند عدد من روّاد الإصلاح الّذين أدركوا أنّ نجاح أيّ مشروع تغييريّ يقتضي فهماً لطبيعة المجتمع الّذي يتوجّهون إليه، وللتّحوّلات الّتي يعرفها ذلك المجتمع، ولحساسيّة موازين القوّة داخله. فالإصلاح الّذي يتجاهل الواقع كثيراً ما يتحوّل إلى خطاب صوريّ معلّق في الفراغ، لا يجد طريقه إلى الواقع، أو حتّى إذا نزل إلى الواقع اصطدم بعوائق لم يكن قد حسب لها حساباً.
4. الإصلاح الّذي يعرف طريقه
تكاد التّجربة التّاريخيّة تُجمع على أنّ أكثر مشاريع الإصلاح تعثّراً هي تلك الّتي استعجلت النّتائج، أو راهنت على قفزات سريعة تتجاوز استعداد المجتمع وإمكاناته. فمهما يكن للتّغيير من مشروعيّة وأهمّيّة فإنّه من غير الممكن تحقيقه دفعة واحدة، كما أنّه من غير الممكن فرضه بالقوّة... وإنّما الوضع الطّبيعيّ لأيّ إصلاح هو أن يشقّ طريقه في الواقع خطوة خطوة، وفق مسار يأخذ بعين الاعتبار طبيعة النّاس، وسياقهم الثّقافيّ، وما ألفوه من أنماط العيش والتّفكير. ولهذا كان التّدرّج سمة ملازمة للإصلاح حين يكون مبنيّاً على فهم سنن الاجتماع البشريّ.
وقد جسّد القرآن الكريم هذا المبدأ في تشريعه، كما جسّده الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في دعوته، حيث لم ينزل الخطاب التّكليفيّ جملة واحدة، وإنّما نزل منجّماً على مراحل، بدأت بترسيخ العقيدة، ثمّ ببناء الأخلاق، قبل الانتقال إلى الأحكام العمليّة والتّنظيميّة. ولم يكن هذا التّدرّج ضعفاً في الرّسالة، ولكنّه كان تعبيراً عن معرفة دقيقة بطبيعة الإنسان، وبما يحتاجه من زمن حتّى يستوعب التّحوّل ويستبطنه.
ويمكن التّمثيل هنا ضمن التّجارب الإصلاحيّة التّاريخيّة بخير الدّين التّونسيّ، الّذي اختار الاشتغال على الإصلاح من بوّابة الفكر أوّلاً، قبل أن ينتقل إلى ميدان السّياسة. فقد عكف خلال فترة اعتزاله العمل الوزاريّ، على تأليف كتابه المعروف «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» الّذي حاول من خلاله تشخيص أسباب تأخّر المجتمعات الإسلاميّة، وعرض نماذج من نظم الحكم والإدارة في الدّول الأوروبّيّة، ولم يكن قصده في ذلك النّقل أو التّقليد، وإنّما كان قصده تنبيه المسلمين إلى مكامن الخلل في أوضاعهم، وإلى ما يمكن الاستفادة منه في سبيل النّهوض. وقد كان اختيار التّونسيّ لهذا المسلك نابعاً من إدراكه أنّ الإصلاح السّياسيّ المباشر في سياق مأزوم قد يؤدّي إلى نتائج عكسيّة، وأنّ تهيئة العقول وتوسيع أفق النّظر هي المدخل الآمن للإصلاح، وهو الأقلّ كلفة والأكثر قابليّة للاستمرار.
5. الإصلاح حين يتّسع ولا يضيق
إنّ حصر التّغيير في مجال واحد غالباً ما يؤدّي إلى نتائج محدودة، وقد يفرغ المشروع الإصلاحيّ من كثير من معانيه. فالمجتمع نسيج متداخل، تتقاطع فيه السّياسة بالدّين، والتّعليم بالثّقافة، والاقتصاد بالأخلاق... وأيّ محاولة لإصلاح جزء على حساب بقيّة الأجزاء سرعان ما تصطدم بحدودها. ولهذا اتّجه عدد من روّاد الإصلاح إلى تبنّي تصوّر واسع للإصلاح، ينظر إلى المجتمع في كلّيّته، ويعالج أزماته بوصفها مترابطة لا منفصلة.
وإذا أخذنا مثالاً على ذلك شخصيّة عبد الله كنّون فسنجد جهده الإصلاحيّ غير محصور في مجال بعينه، بل توزّع على مجالات متعدّدة؛ إذ انشغل بالإصلاح الدّينيّ من خلال كتاباته ومواقفه، ولم يكن يفوّت مناسبة تستدعي التّوجيه أو البيان إلّا بادر إلى إبداء رأيه، سواء عبر المقالات الّتي كان يكتبها أو الدّروس الّتي كان يلقيها أو غير ذلك من القنوات. وكان حضوره في هذا المجال نابعاً من إحساسه بثقل المسؤوليّة الملقاة على عاتقه، بما يفرضه موقعه العلميّ من واجب البيان.
وأمّا على المستوى الاجتماعيّ فقد أولى عبد الله كنّون عناية خاصّة لقضايا الشّباب والمرأة، رافضاً النّظرة الّتي تحصر دور المرأة في الهامش، أو تستبعدها من المشاركة في الشّأن العامّ. وقد عبّر عن هذا الموقف في أكثر من مناسبة، معتبراً أنّ تغييب المرأة لا يخدم المجتمع، ولا ينسجم مع متطلّبات النّهوض. وقد حضر ذات مرّة في مناسبة علميّة وجّه فيها العتاب للجهة المنظّمة بسبب تغييب العنصر النّسويّ، وكان ممّا قاله حينها: «وكنت أحبّ أن أسمع كلمات لهنّ، لأنيّ ما كنت قطّ ضدّ المرأة ولا خصماً لها، بل إنّي أراها زهرة المجتمعات...»(3).
كما أنّه على المستوى التّربويّ كان مقتنعاً بأنّ إصلاح المجتمع رهين بإصلاح التّعليم، وهو ما جعله يسخّر كلّ ما في وسعه من أجل خدمة هذا الهدف النّبيل. يقول يوسف الكتّاني منوّهاً بإصلاحات كنّون وجهوده التّربويّة: «وكشأن كلّ داعيّة مصلح دخل المعركة من بابها الواسع، إذ انخرط في ميدان التّربية والتّعليم، وأنشأ مدرسة حرّة للبنين والبنات لتكون قلعة للعروبة والإسلام، ولتقاوم الغزو الفكريّ والمدّ الاستعماريّ، ولتقضي على فكرة حرمان المرأة من التّعليم، ثمّ أنشأ بعد ذلك المعهد الإسلاميّ الحرّ لينشأ فيه رجال الغد الّذين يحملون الأمانة ويؤدّون الرّسالة»(4).
وتتأكّد هذه الرّؤية الواسعة للإصلاح في التّجربة الجزائريّة مع عبد الحميد بن باديس، الّذي سعى إلى تجاوز الطّابع الجزئيّ للمحاولات الإصلاحيّة السّابقة، فكان هو الآخر صاحب مشروع إصلاح شامل؛ يستوعب التّعليم والدّعوة والثّقافة وبناء الوعي الجمعيّ. ويرجع ذلك بالأساس إلى إيمانه بأنّ المعركة الحقيقيّة ليست معركة أفراد متفرّقين، وإنّما معركة مجتمع بأكمله، وأنّ التّغيير لا يتحقّق إلّا حين يطال البنية العامّة للفكر والسّلوك والمؤسّسات. وبذلك كانت فترته فترة ذهبيّة خصبة من فترات الصّراع الفكريّ، والعمل على تغيير المجتمع في تاريخ الجزائر المعاصر(5).
6. التّعلّم من النّجاح والإخفاق
إنّ تجارب الإصلاح لا تنشأ من فراغ، ولا تبدأ في كلّ مرّة من نقطة الصّفر؛ فمن يتأمّل تاريخ المجتمعات يلاحظ أنّ كثيراً من محاولات التّغيير باءت بالفشل؛ ولعلّ من أسباب ذلك أنّ أصحابها لم يحسنوا النّظر فيما جرى قبلهم، ولم يتوقّفوا بما يكفي عند ما نجح وما فشل.
وتقدّم تجربة عمر بن عبد العزيز مثالاً واضحاً على هذا النّوع من الاعتبار؛ فقد جاءت خلافته استجابة لاختلالات تراكمت عبر زمن طويل، وتعامل معها بروح التّدرّج والإنصاف، بدءاً بردّ المظالم، وإعادة الحقوق، ووضع حدّ لمظاهر الجور الّتي أنهكت المجتمع. ولم يكن إصلاحه صاخباً ولا متعجّلاً، بل اعتمد خطوات محسوبة، راعى فيها حال النّاس، وما يمكن تغييره في كلّ مرحلة. ولهذا لم يكن أثر تجربته مرتبطاً بقصر مدّتها أو طولها، بل ارتبط بكونها إصلاحاً لامس أسباب الخلل الحقيقيّة. وليس من المبالغة القول إنّ كثيراً من الإخفاقات اللّاحقة كان يمكن تجنّبها لو استحضرت هذه التّجربة بما تستحقّه من وعي بقيمتها.
وفي ضوء تجربة عمر بن عبد العزيز يمكن أن نفهم ما ذهب إليه مالك بن نبي حين ميّز بين الفساد الّذي يظهر في أعلى البناء الاجتماعيّ، وبين الإصلاح الّذي يبدأ من قاعدته. وقد كان يرى أنّ التّغيير لا يمكنه أن يستقيم بحال ما لم يكن مسبوقاً بعمل يمسّ الإنسان في نظرته وسلوكه وعلاقته بالمجتمع. ولذلك فإنّ تكرار الإخفاق في مشاريع الإصلاح غالباً ما يكون علامة على أنّ العبرة لم تُستخلص، أو أنّها استُحضرت نظريّاً دون أن تتحوّل إلى فعل واقعيّ ملموس.
وفي الاتّجاه ذاته نجد المكّي النّاصري يلفت الانتباه إلى أنّ تجاهل مصائر الأمم السّابقة لا ينتج سوى تكرار المسار نفسه، حين أشار إلى أنّ الجاحدين «لو ساروا في الأرض سير النّاظر المتفحّص، لأخذوا العبرة من مصارع الشّعوب والحضارات الّتي سبقتهم، رغم ما بلغته من عمران وقوّة»(6). فالتّاريخ – بحسبه – محكوم بسنن ثابتة، تتكرّر مظاهرها بتغيّر الأزمنة، ويظلّ البقاء والفناء، والقوّة والضّعف، مرتبطين بمدى احترام هذه السّنن أو الإعراض عنها.
7. من الإنسان يبدأ التّغيير
يمكن التّأكيد على أنّ الإصلاح مهما تنوّعت مجالاته وتعدّدت مسالكه يظلّ في حقيقته فعلاً إنسانيّاً يبدأ من الإنسان وينتهي إلى الإنسان، فهو منه وإليه. ولا ينبغي النّظر إلى التّجديد الحضاريّ على أنّه مرتبط بأرض بعينها، ولا بلغة مخصوصة، ولا بجنس دون آخر، وإنّما يتحقّق حيثما شرع الإنسان في مراجعة تصوّره لذاته، ولمكانه في المجتمع، وللمسؤوليّة الملقاة على عاتقه؛ ذلك أنّ التّحوّلات الكبرى لا تنشأ من تغيير القوانين أو المؤسّسات فحسب، بل من تحوّلات أعمق؛ تتّجه إلى مساءلة الأفكار والقيم والعادات وأنماط السّلوك السّائدة في المجتمع.
فحين يعيد الإنسان النّظر فيما يؤمن به، وفيما يحرّك أفعاله، وفي الغايات الّتي يسعى إليها، يبدأ مسار التّغيير الحقيقيّ. ويتدرّج هذا التّحوّل من الدّائرة الفرديّة إلى المجال الاجتماعيّ، لينعكس بعد ذلك على بنية المجتمع ومؤسّساته. ولهذا لم يكن غريباً أن يرتبط الإصلاح في كثير من التّجارب النّاجحة ببناء الإنسان قبل الانشغال بتغيير الأطر الخارجيّة الّتي تحيط به.
ويؤكّد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾(الرعد:12)، وهي قاعدة سننيّة تجعل التّحوّل الذّاتيّ مقدّمة لكلّ تحوّل اجتماعيّ أو تاريخيّ. فلا يستقيم أن ينتظر مجتمع ما إصلاحاً دائماً، وهو لم يباشر بعد مراجعة ما استقرّ في نفوس أفراده من تصوّرات ومعتقدات أسهمت في إنتاج وضعه القائم.
ومن هنا لا يكون التّغيير الحقيقيّ فعلاً مفروضاً من الخارج، ولا نتيجة قرارات فوقيّة معزولة عن المجتمع، وإنّما مساراً يبدأ من داخل الإنسان، من نظرته إلى ذاته، ومن تحمّله لمسؤوليّته في صناعة الفعل الحضاريّ. ولهذا لخّص مالك بن نبي هذه القاعدة بعبارة موجزة جامعة حين قال: «وإنّها لشرعة السّماء: غيّر نفسك، تغيّر التّاريخ»(7)، وهي عبارة تختزل فلسفة الإصلاح في أصلها، وتعيد كلّ مسارات التّغيير إلى منبعها الأوّل.
خاتمة
إنّ التّأمّل في سنن الإصلاح في تاريخ الإنسانيّة يفضي إلى حقيقة واضحة، مفادها أنّ البناء الّذي يعمر طويلاً لا يقوم اعتباطاً، ولا يكفي فيه حسن القصد، بل لا بدّ من استناده إلى معرفة دقيقة بالقوانين الّتي تنتظم حركة الإنسان والمجتمع؛ فكما لا يتصوّر قيام بناء متماسك دون إدراك خصائص مواده وحدود قدرتها على التّحمّل، كذلك لا يمكن أن يكتب لأيّ مشروع إصلاحيّ الاستمرار ما لم يكن قائماً على فهم سنن التّغيير الّتي تحكم الاجتماع الإنسانيّ ومساره التّاريخيّ.
وتبيّن التّجارب الّتي تمّ الوقوف عندها أنّ الإصلاح ليس وصفة جاهزة، ولا فعلاً أحاديّاً يمكن عزله عن سياقه، بل هو مسار مركّب تتداخل فيه عناصر متعدّدة. ومن ثمّ فإنّ استحضار سنن الإصلاح لا ينبغي أن يظلّ وقوفاً عند تجارب الماضي لذاتها، وإنّما ينبغي أن يشكّل مسلكاً لفهم الحاضر وترشيد الفعل فيه، حتّى لا تعاد الأخطاء نفسها، والإخفاقات ذاتها.
الهوامش
(1) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط4، 1420هـ، ج1، ص327
(2) مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، دار الفكر- دمشق، 1984م، ص87
(3) عبد الله كنون بين التكريم والتأبين، جمعية مكتبة عبد الله كنون بطنجة، 1991م، ص99
(4) يوسف الكتاني، تجديد الفكر الإسلامي في المغرب، ص6
(5) عبد الحميد بن باديس، آثار ابن باديس، تحقيق عمار طالبي، دار ومكتبة الشركة الجزائرية، ط1، 1968م، ص71
(6) المكي الناصري، التيسير في أحاديث التفسير، دار الغرب الإسلامي – بيروت، ج5، ص246
(7) مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر-دمشق، 1986م، ص32
|




