في العمق
| بقلم |
![]() |
| د. سهام قادري |
| الإدارة الصفّية الفعّالة في المؤسّسات التعليمية: مدخلٌ لتحسين جودة التعليم |
مع اتّساع مفهوم التعليم وتنوّع وظائفه، أسندت المقاربات البيداغوجية الحديثةُ للمعلم جملةً من المهام المتعددة التي جعلت منه قطبًا محوريًّا في المنظومة التربوية. فلم يعد دوره مقتصرًا على نقل المعارف، بل أصبح مسؤولًا عن تنظيم مجريات الدرس، وتهيئة بيئة التعلّم، وتنشيط التفاعل داخل الفصل، وإدارة العلاقات بين المتعلمين، وكل ما يتصل بتسيير العملية التعليمية- التعلّمية بمختلف أبعادها.
ويقتضي هذا التحوّل امتلاكَ المعلم قدراتٍ أوسع وكفاياتٍ أعلى في المجالات المعرفية والتنظيمية والتواصلية. وفي ظل ما تعانيه المؤسسات التربوية من تحدّيات مادية ومعنوية، وفي مقدمتها ظاهرة العزوف عن الدراسة والانقطاع المبكر عن التعليم، يتعيّن البحث في أسباب هذه الظواهر والوقوف على السبل الممكنة لمعالجتها. وتُعدّ الإدارة الصفّية الفعّالة أحدَ أبرز المداخل الإصلاحية التي يمكن أن تسهم في الارتقاء بجودة التعليم وتحسين مناخ التعلّم.
وعليه، تبرز مجموعة من الأسئلة المركزية، من قبيل: ما المقصود بإدارة الصف؟ وكيف نشأ هذا المفهوم وتطوّر؟ وما أبرز خصائصه؟ وما أهم نماذجه الإجرائية؟
1. المفهوم والأهميّة
1-1. المفهوم والنشأة
ظهر مفهوم إدارة الفصل وتطوّر في بدايات تسعينيّات القرن الماضي ضمن البحوث التربويّة التي أنجزها المتخصّصون في أمريكا الشماليّة. وقد انصبّ الاهتمام في مراحله الأولى على ضبط السلوك داخل الفصل الدراسيّ؛ وذلك من خلال التمييز بين السّلوكيّات المنضبطة والأخرى غير المرغوبة، والعمل على وضع آليّات للحدّ من الاضطرابات الصفّيّة. ومع تطوّر نظريّات علم النفس التربويّ، اتّسع مفهوم إدارة الفصل ليصبح أكثر شمولا، فلم يعد مقتصرا على فرض الانضباط، بل صار يشمل جميع الإجراءات والتدابير التي يتّخذها المعلّم لتهيئة بيئة تعليميّة-تعلّميّة مناسبة، قائمة على التفاعل الإيجابيّ والاحترام المتبادل، بما يمكّن من تحقيق الأهداف التربويّة المحدّدة مسبقا.
وقد عرّفت «إيفرستون» و«وينستاين» إدارة الصفّ بأنّها: «مجموعة النّشاطات التي يقوم بها المعلّم لدعم عمليّات التعلّم الوجدانيّ-الاجتماعيّ والأكاديميّ وتسهيلها». كما يعرّفها «بروفي» (1988) بأنّها: «الأفعال والإجراءات المتّخذة لتوفير بيئة تعليميّة فعّالة تؤدّي إلى تحقيق أهداف التعلّم والمحافظة عليها»(1).
وممّا يجدر التنبيه إليه أنّ مفهوم إدارة الفصل تعرّض عبر العقود لعدد من المراجعات النظريّة، الأمر الذي أسهم في تطوّره واتّساع دلالاته. فقد قدّمت المقاربات التربويّة الحديثة قراءات متعدّدة لهذا المفهوم، غير أنّها التقت في جملة من النقاط الرئيسيّة، أهمّها: دور المعلّم في توجيه المتعلّمين، وتنظيم تفاعلهم مع أنشطة التعلّم، وضبط البيئة الصفّيّة بما يضمن تحقيق الأهداف التعليميّة.
ومن أبرز التّعريفات والمقاربات التي وردت في الأدبيّات التربويّة نذكر ما يأتي:
* توجيه الجهود المشتركة التي يبذلها المعلّم والمتعلّمون داخل غرفة الصفّ، وقيادتها، وتنظيم أنماط السلوك المرتبطة بها، بما يضمن توفير المناخ الملائم لبلوغ الأهداف التعليميّة.
* أنّها مجموعة الأنشطة التي يسعى المعلّم من خلالها إلى إيجاد بيئة صفّيّة مناسبة، تسودها العلاقات الإيجابيّة بينه وبين المتعلّمين، وكذلك بين المتعلّمين أنفسهم.
* أنّها مجموعة الممارسات التي يؤدّيها المدرّس أثناء وجوده في القسم بهدف تسيير المواقف التعليميّة وضبطها.
* أنّها علم ذو أسس وقواعد، وفي الوقت ذاته فنٌّ يتجلّى في كيفيّة تطبيق تلك الأسس على نحو فعّال داخل الممارسات الصفّيّة الواقعيّة.
* أنّها عمليّة تنظيميّة تهدف إلى توفير تسيير فعّال للدروس، من خلال تهيئة جميع الشروط الضروريّة لحدوث التعلّم لدى المتعلّمين بصورة ناجحة.
1-2. أهمّيّة إدارة الفصل
تعدّ إدارة الفصل الدراسيّ من أكثر القضايا التي تشغل المعلّم أثناء مزاولته لعمليّة التدريس، ولا سيّما ما يتّصل منها بتقويم سلوك المتعلّمين وضبطه. فعلى الرغم من كثرة الأدوار والمهامّ الملقاة على عاتق المعلّم، تظلّ إدارة الفصل إحدى أهمّ الكفايات المحوريّة في العمليّة التعليميّة.
وتبرز أهمّيّة الإدارة الصفّيّة في كونها تمكّن المعلّم من تحديد مسؤوليّاته وواجباته داخل الغرفة الصفّيّة، كما تزوّده بمهارات نقل المعرفة، وغرس القيم والمهارات الأساسيّة لدى المتعلّمين. وهي تسهم كذلك في تعزيز أنماط التفاعل الإيجابيّ، وتكسب المعلّم قدرة أكبر على التحكّم في مكوّنات البيئة الصفّيّة وتوجيهها لخدمة الأهداف التربويّة المنشودة(2).
ويُعدّ إتقان المعلّم لإدارة الفصل عنصرًا رئيسيًّا في بناء هويّته المِهنيّة من جهة، وشرطًا أساسيًّا لنجاح العمليّة التّدريسيّة من جهة أُخرى؛ فالإدارة الصّفّيّة الفعّالة تعود بالنّفع على الطّرفين معًا، إذ تمكّن المعلّم من ضمان سير الدّرس بسلاسة وتحقيق تفاعل فعّال مع المتعلّمين، وتتيح في الوقت ذاته للمتعلّمين تحصيل المعرفة في بيئة محفّزة تراعي قيمتهم الإنسانيّة وتدعم نموّهم المعرفيّ والاجتماعيّ.
2. مهامّ إدارة الصفّ الدراسيّ
يعدّ المنهج الذي يتّبعه المعلّم في إدارة فصله عاملا حاسما في تشكيل سلوك المتعلّمين وفي توجيه مسار العمليّة التعليميّة برمّتها؛ إذ تنعكس الممارسات الصفّيّة للمعلّم مباشرة على طبيعة التفاعل داخل الغرفة الصفّيّة، وعلى جودة التعلّم وفاعليّته. ومن ثمّ، يتعيّن على المعلّم الالتزام بجملة من المهامّ التي من شأنها تيسير إدارة الفصل وتحقيق بيئة تعليميّة متوازنة. ومن أبرز هذه المهامّ ما يأتي:
2-1. تخطيط القواعد والإجراءات:
يرى «إيمر» (Emmer) أنّ وضع القواعد وضبط الإجراءات يشكّلان أساسا لفعاليّة إدارة الصفّ؛ إذ يؤكّد أنّه: «على الرغم من أنّ القواعد والإجراءات التي يستخدمها المعلّمون تختلف من معلّم لآخر، فإنّنا لا نجد إدارة فعّالة لصفّ بدونها»(3).
ويعرّف كلّا من القواعد والإجراءات بأنّها: «توقّعات محدّدة تتعلّق بالسّلوك. وعادة ما تشير القواعد إلى سلوك مقبول أو تمنع سلوكا غير مقبول. أمّا الإجراءات فهي توقّعات للسّلوك ولكنّها تطبّق على أنشطة معيّنة، وهي عادة توجّه لإنجاز شيء ما، لا لتحريم بعض السلوكيّات»(4).
ويذهب «إيفرسون» و«إيمر» إلى أنّه من المفضّل ألّا يضع المعلّم عددًا كبيرًا من القواعد؛ بل تكفي ما بين خمس وثماني قواعد واضحة، من أهمّها إحضار جميع مستلزمات الدّرس، والالتزام بالحضور في الوقت المحدّد، واحترام الجميع والتّعامل الإيجابيّ مع الزّملاء، فضلًا عن حُسن الإصغاء والمتابعة، والاِلتزام بجميع القواعد المَدرسيّة(5).
ويقترح الباحثان ثلاث مراحل أساسيّة لبناء نظام فعّال للإدارة الصفّيّة، وهي:
* التخطيط قبل بدء العام الدراسيّ؛ بوضع رؤية واضحة للقواعد والإجراءات وتحديد الأهداف السلوكيّة.
* إدارة الأسابيع الأولى من الدراسة؛ باعتبارها مرحلة تأسيس الأنماط السلوكيّة وضبط التوقّعات.
* تطوير السلوكيّات والمحافظة عليها طوال العام الدراسيّ؛ عبر التعزيز والمتابعة والتقويم المستمرّ(6).
ومن الضروريّ أن يناقش المعلّم هذه القواعد مع المتعلّمين ويشرح لهم مبرّرات استخدامها والغايات التربويّة من وضعها؛ فالفهم المشترك للقواعد يزيد من التزام المتعلّمين بها.
أمّا تخطيط الإجراءات، فهو يتطلّب أن يمتلك المعلّم قدرًا من البصيرة التّربويّة والإحساس بالمسؤوليّة، بحيث يستطيع توقّع السّلوكيّات غير المَرغوب فيها قبل وقوعها، واتّخاذ تدابير استباقيّة للحدّ منها. وقد أكّد الباحثون في هذا المجال أنّ إدارة الصّفّ لا تُترك للارتجال، بل تتأسّس على تخطيط واعٍ يحقّق جملة من الفوائد(7)، أهمّهَا إشراك المتعلّمين في العمليّة التّعليميّة، وتجنّب الفوضى والاضطرابات الصّفّيّة، وحُسن استثمار الوقت والجهد على امتداد العام الدّراسيّ.
2-2. تنظيم الفصل الدراسيّ / تهيئة البيئة المادّيّة للصفّ
تتشكّل العمليّة التعليميّة-التعلّميّة من أربعة عناصر أساسيّة: المعلّم، والمتعلّم، والمادّة الدراسيّة، وبيئة التعلّم. وتمثّل بيئة التعلّم الإطار الذي يتمّ ضمنه التفاعل بين هذه العناصر كلّها: تفاعل المعلّم مع المتعلّمين، وتفاعل المتعلّمين مع بعضهم، وتفاعلهم مع المحتوى الدراسيّ. ومن ثمّ، فإنّ قدرة المعلّم على تهيئة مناخ صفّيّ منظّم ومتناسب مع متطلّبات الدرس تعدّ مدخلا مهمّا لتحقيق أهداف التعلّم، وتعزيز فعاليّة الإدارة الصفّيّة.
ويقصد بـ «تهيئة البيئة المادّيّة (الفيزيقيّة) للصفّ» إعداد الغرفة الصفّيّة بحيث تكون مريحة وجاذبة، ومزوّدة بالأدوات والموادّ التي تيسّر عمليّة التعليم. ويتطلّب ذلك من المعلّم زيارة الصفّ قبل بدء الحصّة، وفحص تجهيزاته، وتنظيم المقاعد والطاولات بما ينسجم مع الاستراتيجيّة التدريسيّة المعتمدة؛ سواء كانت تعتمد على العمل الجماعيّ، أو الحوار، أو الأنشطة التطبيقيّة(8).
كما ينبغي على المعلّم أن يكون واعيا بالظروف النفسيّة والجسديّة للمتعلّمين، وأن يراعي احتياجاتهم ومتطلّباتهم الخاصّة، وأن يستثمر الفضاء الصفّيّ بذكاء، من خلال حسن ترتيب المقاعد، وتخصيص مساحات للحركة أو للأنشطة العمليّة.
ولا تقتصر مهمّة المعلّم على تهيئة الجانب المادّيّ والتقنيّ للصفّ، بل تتجاوز ذلك إلى إيجاد مناخ اجتماعيّ-تربويّ ملائم يعزّز التفاعل البنّاء بينه وبين المتعلّمين، وبين المتعلّمين أنفسهم. فالمناخ الصفّيّ السليم يسهم مباشرة في رفع مستوى التحصيل المعرفيّ، ويعزّز العلاقات الاجتماعيّة الإيجابيّة داخل الفصل، ويضمن حدوث تواصل فعّال يدعم نجاح العمليّة التعليميّة برمّتها.
2-3. ضبط السلوكيّات غير المرغوب فيها
يلجأ بعض المتعلّمين، وخاصّة غير المهتمّين بالمادّة الدراسيّة، إلى إظهار سلوكيّات غير مرغوب فيها داخل الصفّ، ممّا يعرقل سير الدرس ويحدث قدرا من الفوضى ويهدر الوقت والجهد. وهنا تبرز ضرورة أن يتّخذ المعلّم مجموعة من الإجراءات التربويّة للحدّ من هذه السلوكيّات ومعالجتها على نحو فعّال.
وقد قدّم الباحثون في علوم التربية تصوّرات مختلفة لتفسير هذه الظاهرة وآليّات التعامل معها. فيرى غلاسر (Glasser) أنّ السلوك السيّئ للطالب غالبا ما ينشأ من عجزه عن تنمية ذاته أو تلبية حاجاته الأساسيّة، ويقترح أن يعمد المعلّم إلى بناء علاقة ودّيّة مع هؤلاء المتعلّمين، وأن يعتمد في معالجة السلوكيّات غير المرغوبة على أسلوب حلّ المشكلات بشكل جماعيّ. ويعتبر غلاسر أنّ كفاءة المعلّم تبدو جليّة في قدرته على احتواء الطلّاب المنبوذين والتفاعل الإيجابيّ معهم(9).
ويرتبط السّلوك غير المنضبط للطّالب بعوامل متعدّدة، منها ما يتّصل بخصائصه النّفسيّة والشخصيّة والجسديّة والاجتماعيّة. غير أنّ جانبا آخر لا يقلّ أهمّيّة يتمثّل في دور المعلّم نفسه؛ إذ قد يكون سببا في ظهور هذه السلوكيّات لعدد من الأسباب، من أبرزها:
* ضعف إتقانه للمادّة العلميّة.
* سوء تعامله مع المتعلّمين أو غياب مهارات التواصل.
* اختلال توازنه النفسيّ أو العصبيّ، ممّا قد يدفعه إلى ردود فعل غير تربويّة.
وتسهم هذه العوامل مجتمعة في خلق بيئة صفّيّة غير سليمة، لا تساعد على تحقيق تعلّم فعّال ولا تهيئة مناخ تربويّ صحّيّ داخل الفصل.
2-4. خصائص المعلّم صاحب الإدارة الصفّيّة الفعّالة
يرتبط نجاح الإدارة الصّفّيّة ارتباطًا وثيقًا بالمؤهّلات النّفسيّة والمِهنيّة والاجتماعيّة الّتي يمتلكها المعلّم؛ فهو المسؤول الأوّل عن إعداد المتعلّمين للحياة الاجتماعيّة في ضوء فلسفة تربويّة محدّدة. ويقتضي هذا الدّور المِحوريّ، سواء في العمليّة التّعليميّة بوجه عامّ أو في الإدارة الصّفّيّة بوجه خاصّ، أن يتحلّى المعلّم بمجموعة من الصّفات والسّمات النّفسيّة والشّخصيّة والعِلميّة الّتي تمكّنه من أداء مهامّه على الوجه الأمثل. ومن أبرز هذه السّمات:
* القدرة على ضبط الانفعالات، واستيعاب الأفكار المُخالِفة، والتّعامل معها بمرونة وتقدير تربويّ.
* قوّة الشّخصيّة بما تمكّنه من إحداث التّغيير الإيجابيّ، إلى جانب تمتّعه بضمير مِهنيّ حيّ، وحبّ صادق لعمله.
* امتلاك كفايات عِلميّة ومَعرفيّة راسخة، مع القدرة على توظيفها توظيفًا فعّالًا في المواقف التّعليميّة.
وتُعدّ هذه الصّفات معيارًا للتّفريق بين فئتين من المعلّمين: فئة تنجح في إدارة الفصل بفعّاليّة واقتدار، وأخرى تعجز عن تحقيق ذلك بسبب غياب هذه المقوّمات الأساسيّة.
3. نماذج واتّجاهات الإدارة الصفّيّة
تعدّدت النماذج والاتّجاهات التي تناولت مفهوم الإدارة الصفّيّة الفعّالة، وذلك بتنوّع الرؤى الفلسفيّة والتربويّة التي قامت عليها الدراسات والأبحاث في هذا المجال. وفيما يلي عرض لأبرز هذه الاتّجاهات:
3-1. مدخل النظام الجازم لـ «كانتر» (10)
يعدّ هذا المدخل أحد النماذج السلوكيّة البارزة في الإدارة الصفّيّة، حيث قدّم «لي كانتر» وفريقه نظاما تأديبيّا واضحا يهدف إلى تمكين المعلّم والأسرة من التعامل مع السلوكيّات الصفّيّة بثقة وحزم. ويعرّف «كانتر» المعلّم الجازم بأنّه: «المعلّم الذي يعبّر عن توقّعاته السلوكيّة والتعليميّة بوضوح وحزم، ويكون مستعدّا لدعم أقواله بإجراءات فعّالة ومناسبة»(11).
يرى «كانتر» أنّ للمعلّمين حقوقا، مثل الحقّ في بيئة تعليميّة منظّمة، ومسؤوليّات، مثل واجب توفير هذه البيئة، ويجب عليهم الإصرار على ممارستها لخلق مناخ تعليميّ إيجابيّ يدعم النموّ الأكاديميّ والاجتماعيّ للتلاميذ.
ويقوم هذا النّظام على ثلاثة أركان رئيسة، وهي:
* وضوح التّوقّعات والقواعد: على المعلم تحديد بشكل دقيق السلوكيات المقبولة وغير المقبولة التي يتوقّعها من التلاميذ»(12)بدقة، والتعبير عنها بصورة مباشرة (مثل: «أريد أن أرى الأيدي مرفوعة»، «لا أقبل المقاطعة»)، مع ضرورة ربطها بالقواعد المدرسيّة العامّة.
* تطبيق نظام متدرّج للعواقب: ويشمل سلسلة من الإجراءات التّأديبيّة التّصاعديّة، بدءًا بالوقف المؤقّت (العزل) داخل الصّفّ، ومرورًا بسحب الامتيازات أو الاحتجاز بعد الدّوام، ووصولًا إلى الإحالة للإدارة أو التّواصل مع الأهل؛ إذ يرى «كانتر» أنّ التّطبيق المتّسق لهذه الإجراءات كفيل بالحدّ من السّلوكيّات غير المرغوب فيها.
* تعزيز السّلوك الإيجابيّ: إذ لا يقتصر النّموذج على الجانب العقابيّ، بل يشدّد أيضًا على أهمّيّة الثّناء والمكافأة للسّلوك المنضبط، ممّا يحفّز التّلاميذ على الالتزام ويخلق توازنًا نفسيًّا داخل الفصل.
وقد واجهت مقاربة «كانتر» جملة من الانتقادات التّربويّة، تركّزت في معظمها على طابعها السُّلطويّ الصّارم الّذي قد يُعيق استقلاليّة المتعلّم ويحدّ من إبداعه، فضلًا عن تجاهلها للفروق الفرديّة، وإهمالها للأبعاد العلائقيّة والوجدانيّة في البيئة الصّفّيّة مقابل التّركيز المفرط على الضّبط الخارجيّ للسّلوك. ورغم وجاهة هذه الانتقادات، فإنّ نموذج «كانتر» لا يزال يحتفظ بمكانته في الممارسات الصّفّيّة، ولا سيّما في السّياقات التّعليميّة الّتي تتطلّب قدرًا عاليًا من الهيكلة والانضباط الفوريّ.
3-2. مدخل الطبّ النفسيّ الواقعيّ لـ «ويليام جلاسر» (13)
يستند هذا المدخل إلى علم النفس الإنسانيّ ويركّز على بناء علاقات إيجابيّة ومسؤولة داخل الفصل الدراسيّ. ويرى «جلاسر» أنّ الانضباط الحقيقيّ ينبع من اختيارات المتعلّمين المسؤولة، والتي تبنى في مناخ من الثقة والمشاركة الوجدانيّة، وليس من خلال الرقابة والعقوبات الخارجيّة (14).
ويرتكز هذا النّموذج على جُملة من المبادئ الأساسيّة التّالية:
* العلاقة الإيجابيّة كأساس: يؤكّد جلاسر على ضرورة أن يبني المعلّم علاقة ودّيّة ومتقبّلة مع التلاميذ، تقوم على التعاطف والاحترام المتبادل.
* التركيز على الحاضر والمسؤوليّة الفرديّة: بدلا من البحث عن مبرّرات أو عقاب الماضي، يركّز النموذج على مساعدة التلميذ على تقييم سلوكه الحاليّ، وتعليمه التخطيط لسلوك أفضل، والحصول على تعهّد واضح منه بالتغيير.
* رفض الأعذار وعدم قبول السلوك غير المسؤول: يشدّد جلاسر على ألّا يقبل المعلّم الأعذار لاستمرار السلوك السلبيّ، ولا يعاقب التلميذ بشكل تقليديّ، بل يوجّهه باستمرار نحو تحمّل عواقب اختياراته.
* المشاركة في وضع القواعد: يتمّ وضع قواعد الفصل بشكل تشاركيّ، ممّا يزيد من شعور التلاميذ بالملكيّة والالتزام.
على الرّغم من القيمة الإنسانيّة لنموذج «جلاسر» الّذي يُركّز على التّمكين والمَسؤوليّة الذّاتيّة، فإنّه يواجه جملة من التّحدّيات العَمليّة؛ أبرزها حاجته إلى تدريب مُكثّف وكفاءة عاليّة في مهارات التّواصل، فضلًا عن كونه مَسارًا عِلاجيًّا طويلاً قد لا يُلائم حالات الاضطرابات السُّلوكيّة الشّديدة. ولِذا، غالبًا ما يَتطلّب التّطبيق الأمثل لهذا النّموذج دمجَه مع مُقاربات تربويّة أُخرى لضمان الفعّاليّة.
3-3. النموذج الديمقراطيّ لـ «رودولف دريكورز»(15)
يعدّ هذا النموذج من المداخل الاجتماعيّة-التّفاعليّة في الإدارة الصفّيّة، حيث يرى «دريكورز» أنّ البيئة الصفّيّة الفعّالة تقوم على مبادئ الديمقراطيّة والاحترام المتبادل، وأن المدرسين الديمقراطيين هم الأكثر قدرة على تحقيق نتائج تعليمية وسلوكية إيجابية.
وتتمثّل المبادئ الأساسيّة لهذا النموذج في:
* فهم الدّوافع الكامنة للسّلوك: يرى دريكورز أنّ كلّ سلوك غير مرغوب فيه يهدف إلى تحقيق واحدة من أربع غايات أساسيّة: جذب الانتباه، ممارسة السّلطة (الصراع على القوة)، الانتقام، أو إظهار العجز أو القصور (اليأس)(16).
* تصنيف أساليب المدرّسين: يقسّم دريكورز المدرّسين إلى ثلاثة أنماط: المتسلّط (يفرض القواعد)، المتساهل (يفتقر للحدود)، والدّيمقراطيّ (يضع الحدود بشكل تشاركيّ).
* التّركيز على العواقب الطّبيعيّة والمنطقيّة: بدلا من العقاب التعسّفيّ، يدعو النّموذج إلى استخدام عواقب مرتبطة منطقيّا بالسّلوك.
* التّشجيع بدلا من المدح: يميّز دريكورز بين المدح (الذي يركّز على النّتيجة) والتّشجيع (الذي يركّز على الجهد والتقدّم).
ويُواجه النّموذج تَحدّيات عِدّة من بينها:
* افتراض مُستوى من النّضج والمسؤوليّة: قد يَصعُب تطبيقه مع فئات عُمريّة صغيرة أو مع طُلّاب يفتقرون إلى المهارات الاجتماعيّة الأساسيّة، أو في بيئات تعليميّة تُكَرّس الاعتماد على التّوجيه الخارجيّ.
* تَطَلُّب وقت ومَهارة تشخيصيّة: إذ يحتاج المعلّم إلى تدريب لتحليل دوافع السّلوك وتصميم استجابات مناسبة، مِمَّا قد يكون مُتَطَلَّبًا صَعبًا في الصّفوف المُكتظّة أو تحت ضغط الوقت.
* التّوازن بين الحرّيّة والمسؤوليّة: قد يُؤدّي منح الحرّيّة دون بنية داعمة كافية إلى فوضى إذا لم يكن الطّلّاب مُؤَهَّلين لاتّخاذ خيارات مسؤولة.
* التّعميم في التّصنيف: قد لا تُغَطّي فئات الدّوافع الأربع جميع التّعقيدات السّلوكيّة في الصّفّ، خاصّة في حالات الاضطرابات النّفسيّة أو صعوبات التّعلّم.
وعلى الرّغم من هذه التّحدّيات، يظلّ نموذج «دريكورز» إسهامًا مُهِمًّا في نقل الإدارة الصّفّيّة من مَنطق السّيطرة إلى مَنطق تعليم المسؤوليّة والانضباط الذّاتيّ. وغالبًا ما يَتِمّ دمجه مع عناصر من نماذج أُخرى (كالوقائيّ أو السّلوكيّ المُعَدَّل) لإنشاء إطار مَرِن يَتَكَيَّف مع تَنَوُّع الاحتياجات داخل الصّفّ الواحد.
3-4. خلاصة مقارنة:
تقدّم النماذج الثّلاثة تصوّرات متباينة تعكس تطوّر الفكر التربويّ من الضّبط الخارجيّ (النّموذج الجازم) مرورا بالمسؤوليّة الذّاتيّة المبنيّة على العلاقة (العلاج الواقعيّ) وصولا إلى الدّيمقراطيّة التّشاركيّة (النّموذج الدّيمقراطيّ). لا يوجد نموذج واحد يصلح لكلّ السياقات، بل تكمن الحكمة المهنيّة في الانتقائيّة المرنة التي تختار من كلّ نموذج ما يناسب طبيعة المتعلّمين وثقافة المدرسة.
4. تحدّيات الإدارة الصفّيّة الفعّالة
تواجه الإدارة الصفّيّة في الممارسة العمليّة جملة من التحدّيات التي قد تعوق تحقيق أهدافها المنشودة، ومن أبرزها:
* الكثافة الطلّابيّة المرتفعة: يعدّ الاكتظاظ الصفّيّ أحد أبرز المعوّقات التي تضعف قدرة المعلّم على تلبية الاحتياجات الفرديّة.
* نقص التدريب المهنيّ المتخصّص: ممّا يدفع البعض إلى الاعتماد على أساليب تقليديّة قائمة على التلقين والعقاب.
* الضغوط المهنيّة والنفسيّة: يتعرّض المعلّم لضغوط متعدّدة تؤثّر على أدائه وقدرته على الإدارة الفعّالة.
* قلّة الإمكانات المادّيّة والتجهيزات: نقص الوسائل التعليميّة والبنية التحتيّة الداعمة يحدّ من الإبداع.
* ضعف مشاركة الأسرة والمجتمع: غياب التواصل الإيجابيّ يفقد العمليّة التربويّة جزءا مهمّا من دعمها.
* تحدّيات سلوكيّة معقّدة: مثل العنف الطلّابيّ وضعف الدافعيّة.
وللتغلّب على هذه التحدّيات نقترح ما يلي:
* تعزيز برامج التنمية المهنيّة: تصميم برامج تدريبيّة مستمرّة تركّز على مهارات الإدارة الحديثة.
* تحسين الظروف المادّيّة والبشريّة: العمل على تخفيض الكثافة الطلّابيّة وتوفير التجهيزات.
* تفعيل الشراكة مع الأسرة والمجتمع: إشراك أولياء الأمور لبناء جسور ثقة ودعم مشترك.
* تنمية الأنشطة اللاصفّيّة: إطلاق برامج تنمّي المهارات الحياتيّة وتقوّي الانتماء.
* نشر ثقافة التبادل المهنيّ: تشجيع تبادل التجارب الناجحة بين المعلّمين.
* الدعم النفسيّ والمهنيّ للمعلّمين: توفير برامج الإرشاد المهنيّ لتخفيف الضغوط.
* تطوير سياسات مدرسيّة واضحة: وضع أنظمة سلوكيّة متّسقة تدعم جهود المعلّم.
إنّ تجاوز تحدّيات الإدارة الصفّيّة لا يمكن أن يكون مسؤوليّة المعلّم الفرد وحده، بل هو مسعى مؤسّسيّ ومجتمعيّ يتطلّب تضافر جهود صانعي السياسات التربويّة، والإدارة المدرسيّة، والأسرة، والمجتمع المدنيّ.
خاتمة
تُعدّ الإدارة الصفّيّة الفعّالة إحدى الدعائم الأساسيّة للعمليّة التّعليميّة التعلّميّة، وضامناً رئيسيّاً لجودة مخرجاتها. ولا تتحقّق هذه الإدارة إلّا من خلال تكامل الأدوار وتضافر الجهود بين جميع الأطراف المعنيّة: المعلّم بوصفه ميسّراً وموجّهاً وقائداً تربويّاً، والمؤسّسة التّعليميّة بصفتها بيئةً داعمةً ومنظّمة، والمتعلّم باعتباره شريكاً فاعلاً ومسؤولاً، والأسرة لكونها رافداً أساسيّاً للقيم والدّعم النفسيّ والاجتماعيّ.
فإذا ما أُحسن بناء هذه الشّراكة المتوازنة، أمكن الانتقال من التّعليم التّقليديّ إلى التّعلّم الفعّال؛ ذلك النّمط الّذي يراعي الفروق الفرديّة وأنماط التّفكير المتنوّعة، ويربط المعرفة بواقع الحياة، فيمنحها معنًى وقيمةً عمليّةً، كما يضع المتعلّم في مركز العمليّة، ويحفّزه على الاستقصاء والإبداع، ويغرس فيه ثقافة الإنجاز والمسؤوليّة، ويشعره بالرّضا والنّجاح. وعليه، فإنّ الاستثمار في تطوير الإدارة الصّفّيّة ليس ترفاً تربويّاً، بل هو مدخل استراتيجيّ لإصلاح التّعليم وتنمية الإنسان، الّذي يظلّ الغاية الأسمى لكلّ جهد تربويّ.
الهوامش
(1) جيلاني مزايني، محمد حماد، أهمية إدارة الصف الحديثة في العملية التعليمية التعلمية، مجلة الشامل للعلوم التربوية والاجتماعية، م9، عدد01-جوان 2024، ص: 11.
(2) أبو جادو، صالح محمد علي، علم النفس التربوي، ص: 349
(3) حميده، فاطمة إبراهيم، مداخل وإستراتيجيات في إدارة الصف، مكتبة النهضة المصرية، ص: 3.
(4) المرجع نفسه، ص: 5
(5) المرجع نفسه، ص: 7.
(6) أبو جادو، صالح محمد علي، علم النفس التربوي، ص: 353.
(7) إبراهيم، مجدي عزيز، موسوعة التدريس، دار المسيرة، ج1، ص: 133.
(8) راجع: زيتون حسن حسين، استراتيجيات التدريس رؤية معاصرة لطرق التعليم والتعلم، عالم الكتب، ط1 ،2003، ص: 37.
(9) راجع موسوعة التدريس، ص: 136
(10) Canter›s Assertive Discipline Model
(11) مرجع سابق، مداخل واستراتيجيات في إدارة الصف، ص: 105.
(12) مرجع سابق، مداخل واستراتيجيات في إدارة الصف، ص: 117.
(13) William Glasser›s Reality Therapy Model
(14) المرجع نفسه، ص: 210.
(15) Rudolf Dreikurs› Democratic Model
(16) مداخل واستراتيجيات، ص: 163.
|




