دراسات
| بقلم |
![]() |
| د. أمينة تليلي |
| التّشيّع في تونس بين ذاكرة الفاطميّين ونسيان المعاصرين |
تستعرض هذه الدّراسة ظاهرة التّشيّع في السّياق التّونسي بوصفها ظاهرةً تاريخيّةً واجتماعيّةً ممتدّةً، متجاوزةً الطّرح التّقليديّ الذي يحصرها في الحقبة الفاطميّة. تنطلق الإشكاليّة المركزيّة للبحث من تساؤل جوهريّ حول آليات صمود «الذّاكرة العقديّة» الشّيعيّة واستمراريّتها في الوجدان الشّعبيّ التّونسيّ رغم هيمنة المذهب الأشعريّ السنيّ كإطار رسميّ للدّولة والمجتمع لقرون.
يعتمد البحث منهجيًّا على تحليل مستويات الحضور الشّيعيّ، بدءًا من «النّواة الوجدانيّة» السّابقة لتأسيس الدّولة، مرورًا بـ «المأسسة السّياسيّة» في العهد الفاطميّ، وصولاً إلى مرحلة «اندماج الرّموز الشّيعيّة» داخل الطّقوس الشّعبيّة. وتطرح الدّراسة فرضيّةً مفادها أنّ التّشيّع في تونس لم يندثر بانتهاء السّلطة السّياسيّة للفاطميّين، بل أعاد إنتاج ذاته عبر عمليّة «اندماج ثقافيّ» ذكيّة، حوّلته من مذهب طائفيّ صريح إلى مكوّن مضمر في الهويّة الثّقافيّة التّونسيّة.
وخلصت الدّراسة إلى أنّ ما يُصطلح عليه بـ «نسيان المعاصرين» ليس انقطاعًا معرفيًّا، بل هو تمثّل للذّاكرة في صور «عادات وتقاليد» شعبيّة، ممّا يجعل من التّشيّع في تونس نموذجًا فريدًا لـ «التّعدّدية الهادئة» التي تميّزت بالقدرة على التّعايش والاندماج ضمن النّسيج الوطنيّ الشّامل، بعيدًا عن صراعات المركز والهامش.
مقدمة:
لطالما شكّلت تونس ملتقًى حضاريًّا وتاريخيًّا بين المشرق والمغرب، وبين فكر إسلاميّ متنوّع وموروث ثقافيّ غنيّ، وهو ما جعلها ساحةً لتلاقي تيّارات دينيّة وفكريّة متعدّدة. ومن بين هذه التّيّارات، كان التّشيّع حاضرًا منذ العصور الأولى للهجرة، متجذّرًا في الوعي الدّينيّ والثّقافيّ للمجتمع التّونسيّ، دون أن يتحوّل في معظم مراحله إلى إطار سياسيّ حاكم، باستثناء تجربة الدّولة الفاطميّة التي اتّخذت من المهديّة عاصمةً لها في القرن الرّابع الهجريّ.
غير أنّ دراسة التّشيّع في تونس لا يمكن أن تُختزل في مقاربة تاريخيّة وصفيّة، بل تفرض إشكاليّةً معرفيّةً تتعلّق باستمراريّة الأفكار الدّينيّة داخل الذّاكرة الجماعيّة، وآليات بقائها أو تراجعها في ظلّ التّحوّلات السّياسيّة والمذهبيّة. فالسّؤال المركزيّ الذي يفرض نفسه يتمثّل في:
«كيف أمكن لبعد عقديّ قائم على الولاء لأهل البيت أن يحافظ على حضور نسبيّ في المجتمع التّونسيّ عبر قرون متعاقبة، رغم هيمنة المذهب السّنيّ بوصفه المرجعيّة الرّسميّة للدّولة؟»
وتتجاوز هذه الإشكاليّة بعدها التّاريخيّ لتلامس قضايا أوسع تتّصل بعلاقة الدّين بالهويّة، وبالذّاكرة الجماعيّة، وبالتّكيّف الثّقافيّ. فالتّشيّع في السّياق التّونسيّ لا يظهر فقط بوصفه انتماءً مذهبيًّا، بل كظاهرة فكريّة وثقافيّة تعيد إنتاج ذاتها ضمن شروط اجتماعيّة وسياسيّة متغيّرة. وهو ما يسمح بقراءته في إطار مفاهيميّ محدّد مثل الاستمراريّة والانقطاع، والمركز والهامش، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
ويهدف هذا المقال إلى تحليل ظاهرة التّشيّع في تونس عبر ثلاثة مستويات متكاملة. يتمثّل المستوى الأوّل في تتبّع الجذور التّاريخيّة والعقديّة السّابقة لقيام الدّولة الفاطميّة، من أجل الكشف عن طبيعة الوعي الدّينيّ المبكّر. أمّا المستوى الثّاني فيتناول تجربة الدّولة الفاطميّة في المهديّة بوصفها مرحلةً مفصليّةً انتقل فيها التّشيّع من المجال الاجتماعيّ والثّقافيّ إلى حيّز السّلطة السّياسيّة، مع تحليل أثر هذه التّجربة في تشكيل البنية العقديّة والثّقافيّة للمجتمع. في حين يركّز المستوى الثّالث على واقع التّشيّع في تونس المعاصرة، من خلال دراسة مظاهر حضوره، وحدود انتشاره، وأنماط الوعي العقديّ المرتبطة به، في ظلّ التّحوّلات الاجتماعيّة والسّياسيّة الحديثة.
ومن خلال هذا الإطار التّحليليّ، يسعى المقال إلى تقديم قراءة علميّة ترى في التّشيّع بتونس ظاهرةً تاريخيّةً وفكريّةً متجذّرةً، لا يمكن فهمها خارج سياقها الحضاريّ والاجتماعيّ. كما يهدف إلى إبراز أنّ التّشيّع في التّجربة التّونسيّة لم يكن مجرّد انتماء مذهبيّ عابر، بل تعبيرًا عن تفاعل معقّد بين الدّين والثّقافَة والهويّة، وهو ما يجعل دراسته مدخلاً لفهم أعمق لطبيعة التّعدّد المذهبيّ والعقائديّ في المجتمعات الإسلاميّة عامّةً والمغاربيّة خاصّةً.
وفي هذا السّياق، تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال لا يعتمد مفهوم التّشيّع بوصفه مذهبًا فقهيًّا أو نسقًا عقديًّا مغلقًا بالمعنى المدرسيّ المتعارف عليه في الجدل الكلاميّ، بل يتعامل معه باعتباره ظاهرةً ثقافيّةً-رمزيّةً مركّبةً، تشكّلت تاريخيًّا داخل الذّاكرة الدّينيّة والاجتماعيّة التّونسيّة عبر تفاعل طويل بين العقيدة، والوجدان الشّعبيّ، والممارسة الثّقافيّة. فالتّشيّع، في هذا السّياق، لا يُفهم باعتباره انتماءً مذهبيًّا صريحًا أو بديلاً عن المرجعيّة السّنيّة المالكيّة السّائدة، وإنّما بوصفه نمطًا من تمثّل الولاء لأهل البيت، وتجذّر رموزهم في المخيال الجمعيّ، ضمن أطر متعدّدة من التّأويل والاندماج.
ومن هذا المنظور، يميّز المقال بين التّشيّع المذهبيّ المؤسَّس بوصفه منظومةً فقهيّةً وعقديّةً مكتملةً، وبين التّشيّع الثّقافيّ الذي يتجلّى في العادات والطّقوس والرّموز والذّاكرة الشّعبيّة، دون أن يتحوّل بالضّرورة إلى وعي طائفيّ أو مشروع هويّاتيّ منافس. كما يعتمد المقال مقاربةً تأويليّةً-تاريخيّةً، تنظر إلى الظّواهر الدّينيّة بوصفها كيانات ديناميكيّةً قابلةً لإعادة الصّياغة داخل السّياقات الاجتماعيّة والسّياسيّة المتغيّرة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو القراءات الاختزاليّة التي تحصر الدّين في بعده الفقهيّ أو الصّراعيّ فقط .
المبحث الأول: الجذور الفكريّة والعقديّة للتّشيّع في تونس
المطلب الأوّل: الولاء لآل البيت في تونس قبل الفاطميّين
لا يمكن تناول ظاهرة التّشيّع في تونس (إفريقيّة) على أنّها ظاهرة طارئة أو مجرّد انعكاس مباشر للصّراع السّياسيّ في المشرق الإسلاميّ، لأنّ هذا التّصوّر يُغفل الأبعاد العقديّة والثّقافيّة في تهيئة المجتمع المحلّيّ لتقبّل هذا التّوجّه. فالتّشيّع في هذا السّياق لم يتشكّل بوصفه ردّ فعل سياسيًّا فحسب، بل استند إلى بنية وجدانيّة وفكريّة كانت مهيّأةً لاستيعاب مفاهيم مركزيّة مثل القداسة والشّرعيّة الدّينيّة المرتبطة بآل البيت.
وتشير جملة من الدّراسات إلى أنّ فكرة الولاء لآل البيت كانت حاضرةً في الوعي الجماعيّ بإفريقيّة قبل قيام الدّولة الفاطميّة، باعتبارها موقفًا عقديًّا عامًّا أكثر من كونها انتماءً مذهبيًّا منظّمًا. فـ: «التّشيّع لم يكن فكرةً دخيلةً، بل امتدادًا طبيعيًّا للوعي العقديّ في إفريقيّة» (1)، وهو ما يدلّ على أنّ هذا الولاء تشكّل ضمن سياق تاريخيّ تفاعليّ لا ضمن قطيعة مذهبيّة حادّة. وقد ساهمت الهجرات العلويّة المبكّرة، المعارضة للحكم الأمويّ والعبّاسيّ، في نقل هذا الوعي إلى المجال المغاربيّ، حيث وجد بيئةً اجتماعيّةً أقلّ مركزيّةً وأكثر قابليّةً لاحتضان الآخر المخالف. «ولم يقتصر هذا الولاء على النّخب الفكريّة، بل تسلّل إلى السّلوك اليوميّ واللّغة، حيث تشير المصادر التّاريخيّة إلى أنّ أسماء مثل (عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين) شهدت انتشارًا واسعًا في الأوساط القبليّة التّونسيّة حتّى قبل استقرار المذهب الإسماعيليّ رسميًّا. ويعكس هذا ‹التّسمّي› وجود أرضيّة نفسيّة جعلت من آل البيت رموزًا للمظلوميّة والعدالة في وجدان السكّان المحلّيّين، ممّا مهّد الطّريق لاحقًا لقبول الطّرح الفاطميّ»(2).
ويمكن النّظر إلى هذا الولاء باعتباره تعبيرًا عن حسّ دينيّ وأخلاقيّ عام، لم يكن في تعارض مباشر مع البنية السّنيّة السّائدة، بل تداخل معها في مستوى العاطفة والرّمز والذّاكرة الدّينيّة، وقد سمح هذا التّداخل باستقرار فكرة الولاء لآل البيت دون أن يفضي إلى صدامات مذهبيّة حادّة في تلك المرحلة.
لم يبقَ هذا الولاء حبيس الإطار العقديّ بل تجلّى في أنماط متعدّدة من التّعبير الثّقافيّ والدّينيّ الشّعبيّ. فـ : «الخطاب الدّينيّ المحلّيّ المبكّر، إلى جانب بعض الأشكال الأدبيّة، حمل إشارات واضحةً إلى تمجيد العترة الطّاهرة قبل تشكّل المذهب الشّيعيّ كمؤسّسة فقهيّة وعقديّة»(3). ويكشف هذا المعطى عن طبيعة التّشيّع في هذه المرحلة، إذ كان أقرب إلى ثقافة دينيّة وجدانيّة منه إلى انتماء مذهبيّ صارم.
ويُفهم هذا التّداخل الثّقافيّ بوصفه عاملاً أساسيًّا في ترسيخ مكانة آل البيت داخل المخيال الجماعيّ، بحيث أصبحت رمزيّتهم جزءًا من الذّاكرة الدّينيّة المشتركة، لا سمةً مُميّزةً لجماعة بعينها. وعندما وصلت طلائع الدّعوة الإسماعيليّة إلى إفريقيّة ممثّلةً في أبي عبد الله الشّيعيّ، لم تُقابل برفض اجتماعيّ واسع، بل وجدت أرضيّةً وجدانيّةً مهيّأةً لاستقبالها. ويُرجع البعض هذا القبول النّسبيّ إلى وجود ما يمكن تسميته بـ: «النّواة الوجدانيّة» التي سهّلت الانتقال من حبّ عاطفيّ لآل البيت إلى التزام عقديّ أكثر انتظامًا»(4).
يتبيّن في ضوء ذلك أنّ: «الولاء لأهل البيت في (تونس) إفريقيّة قبل الفاطميّين لم يكن مجرّد شعارات عاطفيّة، بل شكّل نواةً فكريّةً وعقديّةً، تداخل فيها البعد الثّقافيّ مع العمق الدّينيّ، وأسّست لخصوصيّة التّجربة التّونسيّة في التّشيّع»(5). وهي نواة تفسّر إلى حدّ بعيد قدرة التّشيّع على التّرسّخ لاحقًا في إطار الدّولة الفاطميّة دون مقاومة اجتماعيّة حادّة.
المطلب الثّاني: الدّولة الفاطميّة في المهديّة: الفكر المؤسِّس
مع تأسيس مدينة المهديّة سنة (308هـ/920م)، انتقل التّشيّع في تونس من مرحلة الدّعوة السّرّيّة إلى مرحلة تأسيس الدّولة، وهو انتقال أحدث تحوّلاً نوعيًّا في طبيعة الفكر الشّيعيّ وحضوره الاجتماعيّ. فلم يعد التّشيّع مجرّد خطاب دعويّ أو ولاء ثقافيّ، بل أصبح إطارًا لشرعيّة سياسيّة وتنظيم اجتماعيّ متكامل.
وقد مثّلت الإمامة في العهد الفاطميّ المرجعيّة العليا، حيث أصبح الإمام «يمثّل المرجعيّة الدّينيّة الأعلى ويجسّد الولاء لأهل البيت في شكل مؤسّساتيّ وقانونيّ»(6). وأتاح هذا الدّمج بين الدّينيّ والسّياسيّ إعادة صياغة مفهوم الشّرعيّة، لا على أساس القوّة أو العصبيّة، بل انطلاقًا من الانتماء النّسبيّ والاختيار الإلهيّ. ويمكن فهم هذا التّحوّل باعتباره محاولةً لإعادة ترتيب العلاقة بين الدّين والسّلطة، بحيث يصبح التّشيّع إطارًا نظريًّا وعمليًّا لإدارة المجتمع، لا مجرّد خيار عقديّ فرديّ.
وعلى الرّغم من انتقال الفاطميّين لاحقًا إلى القاهرة، فإنّ آثار التّجربة الفاطميّة في تونس لم تختفِ بانتهاء الحكم المباشر. فقد ظلّت طقوس الاحتفاء بآل البيت ورمزيّة بعض المناسبات الدّينيّة حاضرةً في الوجدان التّونسيّ. وتشير تقارير معاصرة إلى: «أنّ الاحتفالات المرتبطة بعاشوراء أو بالمولد النّبويّ في تونس لا تزال تحمل بصمات فاطميّةً واضحةً، سواء على مستوى الطّقوس أو الخطاب الرّمزيّ»(7). ويدلّ هذا الاستمرار على أنّ التّشيّع الفاطميّ خلّف أثرًا ثقافيًّا عميقًا تجاوز الإطار السّياسيّ وانتقل إلى مستوى الذّاكرة الجماعيّة.
المبحث الثّاني: تجذّر التشيّع في تونس بين الوعي والذّاكرة
المطلب الأوّل: التّشيّع من السّياسي إلى العمق الاجتماعي
لا يمثّل انتقال المعزّ لدين الله الفاطميّ إلى القاهرة سنة 362 هـ، قطيعةً تاريخيّةً مع التّشيّع في تونس، بقدر ما يعكس تحوّلاً بنيويًّا في آليات حضوره ووظائفه الاجتماعيّة. فبانتهاء التّجربة الفاطميّة بوصفها «أيديولوجيا سلطة»، لم ينتهِ التّشيّع كنسق فكريّ وعقديّ، بل أعاد إنتاج ذاته داخل المجال الاجتماعيّ والثّقافيّ، بعيدًا عن مركز القرار السّياسيّ. ويكشف هذا التّحوّل عن قدرة الفكر الدّينيّ على التّكيّف مع شروط التّهميش، وتحويل الضّعف السّياسيّ إلى عمق رمزيّ ووجدانيّ.
يشير عبد الحفيظ بنّاني إلى: «أنّ الولاء لآل البيت لم يتلاشَ بانتهاء الدّولة الفاطميّة، بل وجد له حواضن بديلةً حافظت على استمراريّته العقديّة، وفي مقدّمتها الزّوايا والمدارس الدّينيّة التّقليديّة. فقد استمرّ تدريس مناقب العترة الطّاهرة، وتمجيد رموزها، ضمن خطاب دينيّ لا يصطدم مباشرةً بالمذهب المالكيّ السّائد على مستوى القضاء والفقه الرّسميّ»(8).
وهنا تبرز وظيفة التّصوّف والزّوايا بوصفها فضاءات وسيطةً، استطاعت احتواء عناصر من الذّاكرة الشّيعيّة وإعادة صياغتها ضمن لغة روحيّة وأخلاقيّة مقبولة اجتماعيًّا. وبذلك تحوّل الولاء العقديّ من خطاب مذهبيّ صريح إلى مضمون دينيّ مُضمَر، حافظ على جوهره دون إعلان قطيعة مع الإطار السّنيّ العام.
في حين يذهب صلاح الدّين العامري إلى: «أنّ استمراريّة الرّموز العقديّة الشّيعيّة في تونس تحقّقت عبر ما يسمّيه (تمويهًا مذهبيًّا) ذكيًّا، مكّن هذه الرّموز من البقاء ضمن النّسيج الثّقافيّ دون أن تُصنّف صراحةً كعلامات طائفيّة»(9). فقد استمرّ الاحتفاء بعاشوراء والمولد النّبويّ بصيغتها الفاطميّة، لا باعتبارها طقوسًا شيعيّةً خالصةً، بل كممارسات دينيّة شعبيّة مشتركة. ومن أبرز تجليّات هذا «التّمويه المذهبيّ» هو: «تحوّل طقوس الحزن الشّيعيّة في ذكرى عاشوراء إلى طقوس اجتماعيّة تونسيّة فريدة، مثل عادة ادّخار (القديد) واحتفاليّة (شيشخان)؛ ففي تونس، تخلّت هذه الممارسات عن طابعها الجنائزيّ الصّادم (كاللطم أو النّواح) لتتحوّل إلى طقوس تضامنيّة تعتمد على الاجتماع العائليّ وإطعام الطّعام، مع الحفاظ على (قدسيّة الذّكرى). هذا الانتقال من (المأتم المذهبيّ) إلى (العادة الاجتماعيّة) هو الذي ضمن بقاء الذّاكرة الفاطميّة حيّةً دون الاصطدام بالمحيط السّنيّ المالكيّ»(10).
ويشير هذا التّداخل إلى أنّ التّشيّع في تونس تجاوز حدوده المذهبيّة الضّيّقة، ليغدو جزءًا من الهويّة الثّقافيّة والدّينيّة العامّة، حيث ذابت دلالاته العقديّة في الذّاكرة الجماعيّة، وأصبحت ممارساته تحمل معاني متعدّدةً قابلةً للتّأويل داخل الإطار السّنيّ المالكيّ.
إنّ بقاء التّشيّع كقوّة فكريّة وثقافيّة فاعلة رغم غياب الرّكيزة السّياسيّة، يمثّل مؤشّرًا واضحًا على أصالته في البيئة التّونسيّة. فلو كان التّشيّع مجرّد نتاج ظرف سياسيّ لانتهى بانتهاء الدّولة التي تبنّته. غير أنّ استمراره في أشكال غير صداميّة، يمكّن من النّظر إلى التّشيّع بوصفه مكوّنًا رمزيًّا كامنًا في الذّاكرة الثّقافيّة التّونسيّة، متجذّرًا في الوعي والذّاكرة لا في السّلطة.
المطلب الثّاني: الرّموز الشّيعيّة في الثّقافة التّونسيّة
لم يختفِ الولاء لآل البيت في السّياق التّونسيّ المعاصر بل أعاد تشكيل ذاته بما يتلاءم مع تحوّلات الدّولة الحديثة وخطاب الهويّة الوطنيّة والتّعدّد الدّينيّ. وفي مقابل هذا الواقع، يبرز خطاب إعلاميّ وسياسيّ يحاول اختزال التّشيّع في تونس في كونه «اختراقًا خارجيًّا» أو ظاهرةً مستوردةً. غير أنّ هذا الخطاب يصطدم بمعطيات تاريخيّة وثقافيّة راسخة، تؤكّد أنّ حضور التّشيّع هو نتاج تراكم محلّيّ طويل الأمد. فتكشف هذه المفارقة بين الخطاب والواقع عن فجوة معرفيّة في فهم التّفاعلات الدّينيّة في تونس، حيث يُساء أحيانًا تفسير الاستمراريّة الثّقافيّة بوصفها تهديدًا بدل النّظر إليها كجزء من التّنوّع التّاريخيّ المشروع.
«إنّ استمرار هذه الرّموز التّاريخيّة في الوجدان الشّعبيّ لا يمكن اعتباره مجرّد تمسّك عاطفيّ عابر، بل هو تعبير عن بنية تديّن محلّيّ اتّسمت عبر العصور بما يمكن وصفه بـ (التّعدّديّة الصّامتة)، حيث استطاع العقل الجمعيّ التّونسيّ صهر القيم العلويّة والفاطميّة داخل الممارسة السّنيّة اليوميّة دون شعور بالتّناقض. فالتّشيّع في الثّقافة التّونسيّة لا يقدّم نفسه كبديل فقهيّ تصادميّ، بل كـ (خزّان رمزيّ) يستدعيه التّونسيّون في تمثّلاتهم الرّوحيّة وطقوسهم الجماعيّة، ممّا يجعله مكوّنًا أصيلاً في الهويّة الثّقافيّة لا وافدًا طارئًا عليها»(11).
ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك معتبرين أنّ: «الذّاكرة الفاطميّة في تونس قد مارست نوعًا من (المقاومة الرّمزيّة) عبر التّاريخ؛ فحين غاب المذهب كمؤسّسة، حضر كـ (ثقافة حياة) في الأهازيج الشّعبيّة، وفي هندسة المزارات، وحتّى في المطبخ واللّباس التّونسيّ. هذا الحضور لـ (التّشيّع المتخفّي) ليس تنظيمًا سرّيًّا، بل هو انصهار كامل للمقدّس الشّيعيّ في الحياة اليوميّة التّونسيّة، بحيث لم يعد التّونسيّ يرى في (سيّدنا عليّ) أو (السيّدة فاطمة) رموزًا مذهبيّةً، بل رموزًا قوميّةً تونسيّةً عابرةً للمذاهب»(12).
يتبيّن ممّا سبق أنّ التّشيّع في تونس لم يكن ظاهرةً ظرفيّةً مرتبطةً بالدّولة الفاطميّة، بل مسارًا تاريخيًّا طويلاً، أعاد إنتاج ذاته عبر آليات الذّاكرة والرّمز والاندماج الثّقافيّ. وهو ما يجعل فهمه ضرورةً معرفيّةً لفهم طبيعة التّديّن التّونسيّ ذاته، بوصفه تديّنًا مركّبًا تعدّديًّا، وقادرًا على استيعاب الاختلاف دون تفكّك الدّولة.
المبحث الثّالث: التّشيّع في تونس المعاصرة
المطلب الأول: الحضور الشّيعي المعاصر: الوعي والالتزام
على الرّغم من الهيمنة المؤسّساتيّة للمذهب السّنيّ عامّةً والأشعريّ خاصّةً، لا تزال ما يمكن تسميته بـ: «الذّاكرة الفاطميّة» حاضرةً في الفضاء الفكريّ والاجتماعيّ التّونسيّ، محوّلةً التّشيّع من إرث تاريخيّ إلى وعي عقديّ معاصر. وهذا الوعي لا يقتصر على المظاهر الطّقوسيّة أو الفلكلوريّة، بل يمتدّ إلى مستوى الالتزام الفرديّ والجماعيّ، حيث تتجسّد مظاهر الولاء لآل البيت في ممارسات دينيّة متجدّدة، مثل الاحتفاء بعيد الغدير وعاشوراء، ضمن أطر تتّسع أو تضيق بحسب السّياق السّياسيّ والاجتماعيّ»(13).
ويكشف هذا الحضور المستمرّ عن سيرورة فكريّة متراكمة عبر القرون، تؤكّد أنّ التّشيّع في تونس ليس استيرادًا خارجيًّا، بل استمراريّة معرفيّة متجذّرة في الوعي المحلّيّ. كما يتّضح من: «نشوء مراكز فكريّة وأكاديميّة تهتمّ بدراسة التّراث الشّيعيّ، بما في ذلك مفاهيم الإمامة والولاية وعلاقتها بالهويّة الوطنيّة، وهو ما يعزّز الاعتراف بأنّ التّشيّع تجربة معرفيّة أصيلة ضمن السّياق التّونسيّ»(14). فالوعي الشّيعيّ المعاصر في تونس يحاول التّموقع ليس كخروج عن الجماعة، بل كإثراء للتّعدّديّة التي ميّزت بلاد إفريقيّة منذ القدم.
المطلب الثّاني: تحدّيات الاندماج والتّعايش المذهبي
يواجه المجتمع التّونسيّ تحدّيًا في دمج الأقليّات المذهبيّة ضمن مفهوم المواطنة الشّاملة، وهو ما يفرض على الوعي الشّيعيّ التّكيّف مع المركزيّة الأشعريّة السّنيّة دون فقدان جوهره العقديّ. ويُلاحظ أنّ هذا الوعي يميل إلى: «التّفاعل الهادئ والبحث عن مساحات مشتركة ضمن الهويّة الوطنيّة الجامعة، ومحاولة الحفاظ على استمراريّة الرّمزيّة العقديّة ضمن فضاء اجتماعيّ متنوّع»(15).
إنّ إشكاليّة الاندماج هنا تصطدم بفوبيا الطّائفيّة، لذا يجد الشّيعة في تونس أنفسهم أمام ضرورة ممارسة الشّفافيّة المذهبيّة لنفي تهمة التّبعيّة للخارج. هذا التّحدّي دفع الوعي الشّيعيّ المحلّيّ إلى تطوير استراتيجيّة الاندماج، أي الانخراط في قضايا الدّولة والمجتمع (كالحرّيّات والعدالة الاجتماعيّة) من منطلق قيميّ شيعيّ، لكن بلغة مدنيّة تونسيّة. وبذلك يتحوّل التّحدّي من صدام مذهبيّ إلى حوار قيميّ يثري الفضاء العام.
ويشير البعض إلى أنّ: «التّشيّع في تونس يتميّز بقدرته على التّعايش (تحت السّطح) مع الأغلبيّة السّنيّة، ممّا يحوّله إلى (رصيد رمزيّ) يعزّز التّعدّديّة الكامنة في المجتمع التّونسيّ»(16). فيمثّل هذا التّكيّف مؤشّرًا على أصالة التّجربة الشّيعيّة التي لا تعتمد على الهيمنة المؤسّساتيّة، بل تستمدّ قوّتها من جذورها التّاريخيّة والثّقافيّة، ومن قدرة المجتمع على الحفاظ على الذّاكرة والهويّة دون صدام.
بعد استقراء المسار التّاريخيّ ورصد الواقع المعاصر، يمكن استخلاص الملاحظات الآتية:
* التّشيّع كعامل ثراء ثقافيّ وفكريّ: تتمثّل قوّة الشّخصيّة التّونسيّة في قدرتها على «التّعايش لا الإقصاء». فالإنسان التّونسيّ استطاع عبر القرون الجمع بين الفقه المالكيّ، والعقيدة الأشعريّة، والوجدان الفاطميّ، والممارسة الصّوفيّة، ما شكّل مزيجًا حضاريًّا مرنًا، حمى المجتمع من التّشدّد والانغلاق.
* إعادة توطين الهويّة بدل النّسيان: ما أُطلق عليه «نسيان المعاصرين» لا يعني فقدان الذّاكرة، بل عمليّة إعادة توطين وإعادة تفسير الموروث الفاطميّ في إطار ثقافيّ ووطنيّ شامل، قادر على الاندماج مع الهويّة المذهبيّة السّائدة دون فقدان جوهره.
يمكن القول إنّ التّشيّع في تونس يمثّل قصة ذاكرة دائمة، «تأبى النّسيان». لقد أظهرت الدّراسة أنّ العنوان «بين ذاكرة الفاطميّين ونسيان المعاصرين» يعكس جدليّةً مركّبةً؛ فبينما يحاول البعض حصر التّشيّع في حقبة تاريخيّة محدّدة، تؤكّد الشّواهد العقديّة والثّقافيّة حضوره المستمرّ كعنصر بنيويّ في الهويّة التّونسيّة.
وتظهر التّجربة الشّيعيّة في تونس أنّها لم تكن يومًا مجرّد «طائفة»، بل أفق فكريّ وروحيّ يربط بين أصالة الماضي ومرونة الحاضر، ويعكس قدرة المجتمع على المحافظة على التّنوّع الدّينيّ والثّقافيّ ضمن إطار وطنيّ شامل. ومن هذا المنظور، يصبح التّشيّع في تونس نموذجًا فريدًا لدراسة العلاقة بين الدّين والثّقافَة والهويّة، ولتقدير أثر الذّاكرة العقديّة في صمود الموروث الدّينيّ أمام تقلّبات التّاريخ.
الخاتمة:
خلصت هذه الدّراسة إلى أنّ التّشيّع في تونس يمثّل ظاهرةً ذات استمراريّة تاريخيّة ووجدانيّة، لم تنقطع بزوال المأسسة السّياسيّة للدّولة الفاطميّة. وقد أثبت التّحليل أنّ هذا الحضور اعتمد على ثلاث ركائز أساسيّة:
* أولاً: تغلغل الولاء لآل البيت في المخيال الشّعبيّ التّونسيّ كقيمة أخلاقيّة.
* ثانياً: دور التّصوّف والزّوايا كفضاءات وسيطة حافظت على الرّموز الشّيعيّة تحت غطاء روحيّ سنّيّ، بعيدًا عن الصّدام العقديّ.
* ثالثاً: قدرة الموروث الفاطميّ على التّكيّف مع الهويّة الوطنيّة الحديثة عبر عمليّة إعادة الإدماج الثّقافيّ، والتي حوّلت المذهب العقديّ إلى رصيد ثقافيّ رمزيّ.
إنّ «نسيان المعاصرين» الذي طرحه المقال ليس غيابًا للمعلومة التّاريخيّة، بل هو «امتصاص» للمذهب داخل الثّقافة العامّة، بحيث باتت الطّقوس الفاطميّة تُمارس بوصفها «عادات تونسيّةً أصيلةً» لا بوصفها شعائر طائفيّةً.
وفي الختام، يمكن القول إنّ التّشيّع في تونس يمثّل «حالةً فكريّةً»، يلتقي فيها التّاريخ بالعقل، والممارسة بالوعي، والعقيدة بالثّقافة، ليشكّل وعيًا حضاريًّا حيًّا قادرًا على التّفاعل مع العصر دون فقدان أصالته الجوهريّة. إنّ هذه التّجربة تؤكّد أنّ أيّ دراسة جادّة للتّشيّع في تونس لا يمكن أن تكتفي بالسّرد التّاريخيّ أو التّحليل السّياسيّ السّطحيّ، بل يجب أن تتعامل معه كـ «معرفة حضاريّة متكاملة»، وتجربة وجوديّة تعكس علاقة الإنسان التّونسيّ بماضيه وحاضره، ومستقبله الرّوحيّ والفكريّ.
الهوامش
(1) البنّاني، عبد الحفيظ: مدخل إلى تاريخ التشيّع في تونس، مركز الأبحاث العقائدية، قم المقدسة، ط/1، 1432هـ، ص 45.
(2) الدشراوي، فرحات: الخلافة الفاطمية بالمغرب، تر: حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت-لبنان، ط/1، 1994م، ص 102.
(3) العامري، صلاح الدين: التشيّع في البلاد التونسية بحث في النشأة والتحولات، دار رؤية للنشر والتوزيع، ط/1، 2023م، ص 112.
(4) للتوسع أنظر:
- العامري، صلاح الدين: التشيّع في البلاد التونسية بحث في النشأة والتحولات، (م.س)، ص 115.
- البنّاني، عبد الحفيظ: مدخل إلى تاريخ التشيّع في تونس، (م.س)، ص 62.
(5) العربي، هدى: القضايا السياسية للشيعة في تونس بعد سنة 2011 من خلال صحيفة الصحوة، مجلة أسئلة ورؤى، العدد 06، السنة 2023، ص 28.
(6) البنّاني، عبد الحفيظ: مدخل إلى تاريخ التشيّع في تونس، (م.س)، ص 88.
(7) القيزاني، طارق: شيعة تونس جدل في الداخل ومخاوف من الخارج، تاريخ النشر: 27/07/2025، https://www.dw.com/ar/شيعة-تونس-جدل-في-الداخل-ومخاوف-من-الخارج/a-73393197
(8) البنّاني، عبد الحفيظ: مدخل إلى تاريخ التشيّع في تونس، (م.س)، ص 124.
(9) العامري، صلاح الدين: التشيّع في البلاد التونسية بحث في النشأة والتحولات، (م.س)، ص 188.
(10) الوهايبي، المنصف: المتخيل الثقافي التونسي، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة-تونس، 2005م، ص 44.
(11) الساحلي، حمادي: فصول في التاريخ والثقافة، دار الغرب الإسلامي، بيروت-لبنان، ط/1، 1992م، ص 76.
(12) الطرودي، محمود: الذاكرة والنسيان: دراسات في التراث الفاطمي بالمغرب العربي، دار التنوير، تونس، ط/1، 2011م، ص 142 (بتصرف)
(13) العربي، هدى: القضايا السياسية للشيعة في تونس بعد سنة 2011 ، (م.س)، ص 78.
(14) القيزاني، طارق: شيعة تونس جدل في الداخل ومخاوف من الخارج، تاريخ النشر: 27/07/2025، https://www.dw.com/ar/شيعة-تونس-جدل-في-الداخل-ومخاوف-من-الخارج
(15) العربي، هدى: القضايا السياسية للشيعة في تونس بعد سنة 2011 ، (م.س)، ص 92.
(16) العامري، صلاح الدين: التشيّع في البلاد التونسية بحث في النشأة والتحولات، (م.س)، ص 245.
|




