بهدوء

بقلم
د.عبدالسلام الحمدي
مراجعات محسن كديور في كتابه «القراءة المنسيّة»
 مدار هذه المحاولة على منجَز في إطار المراجعات الشّيعيّة، وهو كتاب «القراءة المنسيّة» الّذي ألّفه الكاتب الإيرانيّ المقيم بالولايات المتّحدة الأمريكيّة محسن كديور Mohsen Kadivar (ولد عام 1959 في جنوب إيران)(1)، والمؤلِّف فاعل في حقول اجتماعيّة متنوّعة وذو تكوين مدرسيّ مزدوج، فإنّه عالم دين ومفكّر إصلاحيّ وناشط سياسيّ، كان قد تلقّى المعرفة الدّينيّة التّقليديّة عن مشايخ الحوزة العلميّة بمدينة «قم» «عاصمة التّشيّع والدّراسات الدّينيّة في إيران» على حدّ عبارة المترجم (2)، ثمّ زاول الدّراسة الأكاديميّة في العلوم الإسلاميّة على النّمط الحديث بإحدى المؤسّسات الجامعيّة حتّى حصل على شهادة الدّكتوراه عام 1999 (3).
وقد انعكست ثمار هذه الازدواجيّة التّكوينيّة وتلك الوظائف الاجتماعيّة في مؤلّفات محسن كديور عمومًا وكتابه «القراءة المنسيّة» خصوصًا، حيث تجلّت مراجعاته الّتي نتناولها بالدّرس على أساس من أربع خطوات، فأمّا الخطوة الأولى فتأسيس منهجيّ لقراءة ذلك الكتاب، على سبيل معالجة السّؤال: كيف نقرأه؟ أو من أيّ موقع نقرأه؟ وأمّا الخطوة الثّانية فبيان الفكرة المحوريّة الّتي تدور في فلكها مراجعات الكاتب (4)، إجابة عن السّؤاليْن الآتيين: فيم تتمثّل أطروحته؟ وما هي الفرضيّة الّتي يشتغل بها؟ وأمّا الخطوة الثّالثة فتجلية الخطّة المتّبعة في إثبات الأطروحة، وأمّا الخطوة الرّابعة فاستخلاص ما يمكن أن يفيد جامعيٌّ ينتمي إلى البيئة السّنّيّة من قراءة عمل يندرج في مسلك النّقد الذّاتيّ الشّيعيّ.
1. تأسيس منهجيّ
يضعنا المنجَز اللّغويّ بين دفّتيْ كتاب «القراءة المنسيّة» حيال إشكاليّة تتعلّق بالخيار المنهجيّ في دراسته، ويسعنا التّعبير عنها بالصّيغة الاستفهاميّة الآتية: ما هي المقاربة الّتي يتعيّن علينا انتهاجها في تحليل ذلك المنجَز؟ وتترتّب هذه الإشكاليّة على إشكاليّة أخرى تكمن في مستوى تلقّينا للمراجعات الشّيعيّة: هل نتلقّاها بصفتنا المذهبيّة، على خلفيّة انتسابنا إلى هيئة اجتماعيّة (الأشعريّة المالكيّة) ومؤسّسة أكاديميّة (جامعة الزّيتونة) من المجال السّنّيّ أو باعتبارنا من الباحثين المتخصّصين في المقاربة الحضاريّة؟ فإنّ لكلٍّ من هذين الخيارين منطقًا في التّلقّي، إذ يفرض الانتماء السّنّيّ منطقًا معياريًّا يستند إلى التّسليم بأنّ عقيدة أهل السّنّة والجماعة هي الحقّ ومعتقد الشّيعة باطل، وتستوجب المقاربة الحضاريّة الّتي نشتغل بها منطقًا تفهّميًّا يتأسّس على عدم المفاضلة بين الأنساق الاعتقاديّة، وهو ما يُلزِمنا بفرضيّة أنّ التّشيّع والتّسنّن لا يعدوان كونهما تشكّلين مختلفين أو متباينين لبنية دينيّة واحدة هي البنية الدّينيّة الإسلاميّة.
تنبني هذه الفرضيّة على تمييز بين ثلاثة مفاهيم: أحدها مفهوم الدّين الّذي يتّصل بمعطًى إلهيّ انجلت عنه الرّسالة المحمّديّة، ويكاد يكون – في تقديرنا – حقيقة افتراضيّة لا يحقّ لفرد أو جماعة ادّعاء امتلاكها. وثاني الثّلاثة مفهوم البنية الدّينيّة الّتي تتمثّل في المشترك بين المسلمين كافّة من الأصول الاعتقاديّة (التّوحيد، نبوّة محمّد...) والممارسات التّعبّديّة (الصّلاة، الصّوم، الحجّ...)، والمفهوم الثّالث أشكال التّديّن، وهي تشكّلات تلك البنية (فِرَق المسلمين ومذاهبهم)، ومنها التّشكّلات الأربعة الابتدائيّة الكبرى المتجسّدة في أهل السّنّة والشّيعة والخوارج والحلسيّة.
إذن، إذ هممنا بقراءة كتاب «القراءة المنسيّة» ألفينا الأمر منوطًا بخياريْن في التّموقع لا مناص لنا من امتطاء أحدهما: إمّا التّمركز داخل المربّع السّنّيّ المعياريّ، وإمّا التّموضع خارج ذلك المربّع، وما كنّا لنقف في مفترق هذين الخياريْن لولا انتسابنا إلى المؤسّسة الزّيتونيّة الّتي تُعتبَر، على نطاق واسع، رمزًا للسّنّيّة، والواقع أنّ تلك المؤسّسة من النّوع شِبْه - شِبْه، شبه جامعة - شبه جامع، فنحن نسلّم بكونها مؤسّسة درس جامعيّ، وهو ما يفترض، في مستوى المقاربة، تموقعَ الدّارس خارج نطاق المدروس، أي الفصل المنهجيّ بين الذّات والموضوع، ولكنّنا ننظر إليها، أيضًا، بوصفها مؤسّسة تعليم دينيّ، ويقتضي مقام هذا النّوع من التّعليم، في المستوى المنهجيّ، تموقعَ الدّارس داخل حدود المدروس، أي عدم الفصل بين الذّات والموضوع.
وإنّا إلى صفة الباحث المشتغل بالمقاربة الحضاريّة لَأَمْيَلُ، لظنّنا أنّه خيار مثمر معرفيًّا، بينما ينتهي بنا الخيار الآخر إلى نتائج منتظرة ومتوقّعة بالنّسبة إلى أيّ سنّيّ، ولذلك سنتعامل مع التّشيّع باعتباره شكلًا من أشكال التّديّن الإسلاميّ لا يقلّ شأنًا ولا يزيد عن أيّ شكل غيره. وبناءً على هذا الموقف المنهجيّ، تنطلق محاولتنا القِرائيّة من فرضيّة تتمثّل في أنّ لكلّ شكل من تلك الأشكال سرديّة لتاريخ المسلمين، أوّلًا، بدءًا بالمرحلة النّبويّة ووصولًا إلى اللّحظة الرّاهنة، ومنظومة عقَديّة تشكّلت في ضوء سرديّته، ثانيًا، ويُفترَض أن تتكيّف مع التّغيّرات السّياقيّة المعرفيّة والاجتماعيّة، ونقد داخليّ للسّرديّة والمنظومة العقَديّة، ثالثًا، فلئن كان محسن كديور أحد الأصوات النّاقدة للعقائد الشّيعيّة، فيفترض أن يوجد في السّاحة السّنّيّة نقّاد لمسلّمات أهل السّنّة.
2. فكرة الكتاب المحوريّة
قوام فكرة كتاب «القراءة المنسيّة» على أربعة عناصر: إشكاليّة وفرضيّة وأطروحة وأساس تاريخيّ للأطروحة. فأمّا الإشكاليّة فيمكن تلخيصها في الصّيغة الاستفهاميّة الآتية: هل كان مفهوم الإمامة الشّيعيّ ثابتًا أو متغيّرًا (5)؟ وأمّا الفرضيّة فهي على حدّ تعبير الكاتب: «وقوع تحوّل أساسيّ وجوهريّ في عقيدة «الإمامة» لدى الشّيعة الإماميّة خلال القرنين الثّالث والخامس الهجريّين. بمعنى أنّ ثمّة تصوّرًا لمفهوم أبعد من الحدود البشريّة العاديّة للإمامة بدأ يتكوّن منذ مطلع القرن الهجريّ الثّاني» (6)، وأمّا الأطروحة فأنّ التّديّن الشّيعيّ ارتبط، خلال القرون الخمسة الأولى من بعد هجرة النّبيّ، بفهمين لأصل الإمامة (7):
فهم أصليّ سائد مركزه مدينة «قم» بإيران، يتمثّل في قراءة بشريّة طبيعيّة لمفهوم «الإمامة»، وهي القراءة المنسيّة في منظور محسن كديور.
فهم مرجوح مهمّش مركزه «الكوفة» بالعراق، يتمثّل في قراءة غيبيّة «فوق بشريّة» لمفهوم الإمامة.
وعلى وقع صراع بين هذين الضّربين من الفهم تبلور التّشيّع في تلك القرون الخمسة، وهو ما كان على أطوار، مبتدؤها تصدّي الأئمّة من آل الرّسول أنفسهم وأقدمِ علماء الشّيعة للفهم الغيبي بالرّدّ والطّرد، ومع ذلك استمرّ وجود ذلك الفهم باعتباره قراءة غير معتدّ بها، لكن تزايد نشاط أصحابه في عهد غيبة الأئمّة حتّى أصبح يشكّل تحدّيًا جدّيًّا للفهم الأصليّ السّائد، فتصدّى لهذا التّحدّي التّيّار الغالب وأجبروا «القراءة فوق البشريّة» على التّراجع، حتّى أعاد بناءها على أسس عقليّة متكلّمو الإماميّة ببغداد أواخر القرن الرّابع الهجريّ وأوائل القرن الخامس، ومن أثَر فعلهم فيها أن تراجع الفهم البشريّ الطّبيعيّ تراجعًا كبيرًا، وبات نقيضه السّمة الأساسيّة للتّديّن الشّيعيّ.
وجرّاء سيادة «الفهم فوق البشريّ» للإمامة منذ منتصف القرن الخامس الهجريّ، اندثرت كتابات العلماء القدامى أصحاب الفهم الأصليّ، ولم تُبْقِ يد الإتلاف غير المؤلَّفات الّتي كتبها ذوو الرّؤية الغالبة، فكلّ المصادر الشّيعيّة المتوفّرة اليوم هي، في تقدير محسن كديور، من وضع المنتصرين لتلك الرّؤية(8)، لكن يذهب الكاتب نفسه إلى القول بأنّ آثار النّزاع الفكريّ بين مدرستيْ قم والكوفة وبعض آراء المنافحين عن الفهم المندثر بقيت ماثلة ضمن تلك المصادر، وأنّ مخطوطات الحقبة القديمة في الرّجال والكلام والفقه تنطوي على كثير من اعتقادات الفريقين (9).
وأمّا الأساس التّاريخيّ لأطروحة محسن كديور فخلاصته أنّ العقيدة الشّيعيّة الّتي سادت حتّى الآن تشكّلت في سياق تفاعلات مرتبطة بثلاثة مراكز شيعيّة: قم والكوفة وبغداد، وهو سياق ذو بعدين:
أحدهما النّزاع بين مدرستيْ قم والكوفة، وتمثّل محوره في «كيفيّة النّظر إلى الإمامة»(10)، وكانت الأداة فيه الأحاديث المنقولة عن الأئمّة، إذ اشتغلت إحدى المدرستين بالمرويّات الّتي تذكر في شأنهم فضائل فوق بشريّة، وظلّت الأخرى تنكر ما يُروى عنهم من هذا القبيل، وفي خضمّ الجدل بينهما أطلقت كلٌّ منهما على خصيمتها وصمًا، فوُصمَ المنتسبون إلى مدرسة قم بـ»المقصّرة»، على اعتبار تقصيرهم في معرفة حقوق الأئمّة وإدراك أبعادهم الوجوديّة، ووُصِمَ الكوفيّون بـ»المفوّضة»، تعبيرًا عن تهمة تفويض الشّؤون الرّبوبيّة إلى ذوات الأئمّة (11).
وثانيهما الجهد النّظريّ الّذي تكلّفه متكلّمو الشّيعة ببغداد، حيث عالجوا، أواخر القرن الرّابع الهجريّ وأوائل القرن الخامس بعض تطرّف الكوفيّين المتّهمين بالتّفويض، وشنّوا في الآن نفسه حملة على محدّثي مدرسة قم، منشئين بجهودهم العلميّة خطّ الاعتدال في المذهب الإماميّ (12)، فأعادوا تشكيل ما اعتقد شيعة الكوفة في الإمامة بنحوٍ خفّف من تطرّف عقيدتهم لكن حافظ على جوهرها، وهو إضفاء الصّفات فوق البشريّة على الأئمّة.
3. خطّة إثبات الأطروحة
من أجل أن يثبت «الوجود التّاريخيّ للقراءة البشريّة للإمامة في القرون الأولى وأنّها كانت تمثّل الفكر الشّيعيّ في القرنين الأوّلين على الأقلّ»(13)، اعتمد كديور خطّة مبنيّة على أربعة عناوين، باكورتها «الشّواهد والقرائن على وجود النّظرة البشريّة العاديّة إلى «الإمامة» لدى الشّيعة الأوائل»(14)، وثانيها «التّعرّف إلى علماء الشّيعة المعتقدين بنظريّة: «الأئمّة علماء أبرار»(15)، وثالثها «متكلّمو الشّيعة في القرن الهجريّ الثّالث والصّفات «فوق البشريّة» للأئمّة»(16)، ورابعها «مشايخ قم»(17). وقد حلّل تحت كلّ عنوان معطيات نصّيّة وتاريخيّة نُجملُها في ما يأتي:
في ما يتّصل بالعنوان الأوّل اشتغل محسن كديور بثلاثة شواهد من المدوّنات الشّيعيّة المتأخّرة اتّخذها نماذج، وتختصّ تلك الشّواهد بكونها مجارٍ لعناصر إحاليّة من نوع «العهد السّابق» و«سالف الزّمن» (18) وصيغ تعبيريّة من قبيل «وراء حدود الصّفات البشريّة العاديّة»(19) مستعملة في سياق الاتّهام بالغلوّ، ويختلف منتِجوها في اهتماماتهم العلميّة، فأحدهم عالِم رِجاليّ عاش في القرن الرّابع عشر وفق التّقويم الهجريّ، يُدعَى عبد الله المامقاني (ت1351هـ)، وثانيهم أصوليّ من علماء القرن الثّاني عشر، اسمه محمّد باقر بن محمّد أكمل، ويُعرَف بـ«الوحيد البهبهانيّ» (ت1205هـ)، وثالثهم فقيه سطع نجمه خلال القرن العاشر، هو زين الدّين بن عليّ، المشهور بـ«الشّهيد الثّاني» (ت965هـ).
ويشترك هؤلاء الأعلام في أنّهم ليسوا «من أصحاب النّظرة البشريّة العاديّة إلى صفات الأئمّة»(20)، ومع ذلك يعترف ثلاثتهم بقوّة حضور المتبنّين لتلك النّظرة في القرون الأولى و«تمثيلهم حينذاك للفكر الشّيعيّ»(21). وخلاصة محسن كديور من تحليل نصوصهم(22) أنّ في الفكر الشّيعيّ نظريّتين مختلفتين تتعلّقان بالإمامة(23):
إحداهما نظريّة «العلماء الأبرار»، وهي النّظريّة الغالبة في التّشيّع حتّى أواخر القرن الرّابع وفق التّقويم الهجريّ، ويَعتبِر المؤمنون بها أنّ الأئمّة من أهل بيت النّبيّ مرشدون لهم في الدّين، متقدّمون على غيرهم علمًا وعملًا، ولذا لا بدّ من طاعتهم، ويرون أنّه لا يمكن البتّة مقايسة الأئمّة بالنّبيّ، لأنّ هذا منصوب من جانب الله وعلمه لدنيّ موحًى به وليس كسبيًّا، وسنّته محفوظة بملكة العصمة، وليس لدى أولئك علم غير العلم الكسبيّ، وما هم بمعصومين (24). فهذه النّظريّة تجرّد الأئمّة من كلّ صفة «وراء الحدود البشريّة العاديّة»، ولا تتخطّى في تقديرهم اعتبارهم «علماء أبرار» (25).
ثاني الثّنتين المشار إليهما أعلاه نظريّة «الأئمّة المعصومين»، وقد وُجِدَ قائلون بها في حياة الأئمّة، وتكاثر معتنقوها زمن المتأخّرين منهم، وتمكّنت في عصر غيبتهم من منافسة النّظريّة الأخرى جدّيًّا، وأصبحت الممثّل الرّسميّ للتّفكير الشّيعيّ منذ مطلع القرن الخامس وفق التّقويم الهجريّ وما زالت سائدة حتّى يومنا هذا. وهي تَعُدُّ التّفاوت بين الأئمّة وسائر العلماء تفاوتًا ذاتيًّا، على اعتبار أنّ أولئك من طينة مختلفة، مثلهم كمثل النّبيّ في الصّفات والفضائل، مع فارقٍ: أنّه يتنزّل عليه الوحي وهم ملهَمون ومحدَّثون، وقد نصّبهم الله في منصب الإمامة ومنصوص على تنصيبهم من جهة النّبيّ، وإنكار كونهم كذلك انحراف عن الصّراط المستقيم، وعلمهم كعلم النّبيّ علم لدنيّ غير اكتسابيّ، ولهم اطّلاع، كحاله، على الغيب، ومصونون مثله من الخطأ في العلم، ومعصومون، على غراره، من جميع المعاصي عصمة مطلقة (26). ومن الجليّ أنّ هذه النّظريّة ساوت فضائل الأئمّة بفضائل النّبيّ، إذ تراها «فوق بشريّة»، وهي تعتبر الإمامة استمرارًا للنّبوّة وأصلًا لا يكتمل الدّين من دونه (27).
في شأن العنوان الثّاني من عتبات الاستدلال على أطروحة «القراءة المنسيّة»، بيّن كديور أنّه رغم سيطرة القول بـ«الإمامة المعصومة» خلال الألف عام الأخيرة وانحسار نظريّة «الأئمّة علماء أبرار» وانعدام العناية بتراث أصحابها، يمكن التّعرّف لعلماء من معتقدي تلك القراءة بلغوا أعلى المراتب العلميّة في المذهب الإماميّ خلال عصورهم، وقد عرّف بعلَمين من هؤلاء، وهما ابن الغضائريّ (القرن الخامس)، وابن الجنيد الإسكافيّ (ت377هـ)(28). وعلى صعيد العنوان الثّالث ناقش الكاتب فرضيّةَ كونِ ابن قبّة الرّازي (توفّي أوائل القرن 4هـ) وآل نوبخت من أصحاب النّظرة البشريّة إلى مسألة الإمامة، وخلص من مناقشتها إلى أنّه:
لا يمكن إدراج ابن قبّة في عداد القائلين كلّيًّا بنظريّة «الأئمّة علماء أبرار»، لكنّ الآثار الّتي خلّفها تسفر عن قوّة هذه النّظريّة في القرن الهجريّ الرّابع، إذ لئن اعتقد أنّ الأئمّة منصوبون من قِبَلِ الله ومعصومون، فإنّه كان ينكر علمهم بالغيب (29).
لا يمكن اعتبار المتكلّمين من بني نوبخت منكرين للصّفات فوق البشريّة للأئمّة بما في ذلك صفة العصمة المطلقة والعلم بالغيب، وإنّما هم أقرب إلى متكلّمي بغداد منهم إلى أصحاب القول بـ»الأئمّة علماء أبرار» (30).
أمّا العنوان الأخير فكان مدخلًا إلى الإبانة عن رسوخ المفهوم البشريّ للإمامة في بواكير التّشيّع، وذلك من خلال إبراز الدّور التّاريخيّ للمركز العلميّ بمدينة «قم» في حفظ تراث الأئمّة اعتمادًا على علم الحديث (31)، إذ ركّز كديور في هذا الإطار على التّنويه بخصلتين من أحوال المشايخ القمّيّين، وهما: شدّة الاحتراز في تلقّي المرويّات عن أولئك الأئمّة، والتّصدّي لنزعة الغلوّ فيهم (32) على خلفيّة إنكار التّفويض واعتبار كلّ الرّوايات الّتي تنسب الصّفات فوق البشريّة إليهم غير موثوق بروّاتها ولا يمكن الاعتماد عليها (33).
4. الفائدة من قراءة الكتاب
هكذا استدلّ محسن كديور على غلبة النّظرة البشريّة العاديّة إلى الإمامة حتّى أواخر القرن الرّابع وفق التّقويم الهجريّ، قبل تراجُع نفوذِها أثناء القرن الخامس وبداية سيادة العقيدة المغالية في الأئمّة، ولِما أنّ ذلك الاستدلال يقوّض الأساس العقَديّ للتّشيّع يبدو شكلًا من أشكال المراجعات الجذريّة، وهو ما يوافق الهوى المذهبيّ السّنّيّ دون شكّ، ولولا أنّنا ارتأينا الوقوف إزاء كتاب «القراءة المنسيّة» موقف المشتغل بالمقاربة الحضاريّة على الشّرط الّذي جَلوْناه عند التّأسيس المنهجيّ، لكنّا في هذا السّياق نعبّر عن فخر الانتساب إلى «أهل السّنّة والجماعة» بدعوى سلامة عقيدتهم من البدع والخرافات، لكنّ خيار التّموقع خارج المبحث يفضي بنا إلى مسلك في التّفاعل يتعالى عن نزعة الانتصار للمذهب بل يفتح البصيرة على فرضيّة أنّ ذاتنا المذهبيّة ليست معصومة من الاعتقادات الخاطئة.
من فوائد خيارنا المنهجيّ في تناول منجَز محسن كديور، بصفتنا الأكاديميّة الزّيتونيّة تحديدًا، التّحقّق من أنّ تنوّع مصادر المعرفة وتنويع مسارات التّكوين يوسّعان أفق النّظر في المسلّمات الاعتقاديّة، فكما كان الجمع بين التّمدرس التّقليديّ والدّراسة الجامعيّة الحديثة عاملًا في مراجعات الكاتب الشّيعيّ، على الأرجح، يمكن للباحث السّنّيّ المنتسب إلى جامعة الزّيتونة، إن يُثْرِ مكتسباته من العلوم الإسلاميّة بفتوحات العلوم اللّسانيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة، أن يراجع سرديّات أجداده، وهو ما تَحفِزه عليه قراءة كتاب «القراءة المنسيّة» بما تستثير، في ذهنه، من التّساؤلات الحارقة، وأعلق هذه التّساؤلات بموضوع ذلك الكتاب ما يحمل على التّفكير في تمثّلات أهل السّنّة لأحوال الصّحابة، ويسعنا أن نعبّر عنه بالصّيغة الاستفهاميّة الآتية: هل ثمّة قراءة سنّيّة منسيّة لتاريخ الصّحابة؟
لا مناص من تحيين السّرديّات المذهبيّة، في ضوء المستجدّات المعرفيّة، لمعالجة التّحدّيات الاجتماعيّة الّتي تنذر المسلمين بمخاطر وجوديّة، ولاسيّما تنامي أحقادهم الطّائفيّة جرّاء استدعائهم تناقضات الذّاكرة الجمعيّة تحت وطأة الوهَن الحضاريّ، ومازال التّناقض السّنّيّ الشّيعيّ، خصوصًا، يلقي بظلاله على راهنهم، في خضمّ تضارب المصالح الفئويّة والقطريّة داخل المجال الإسلاميّ فضلًا عمّا أورث الأسلافُ الأخلافَ من أحكام حدّيّة تبوّئ الذّات النِّحليّة مثابة الفرقة النّاجية وتنسب مخالفيها كافّة إلى الضّلالة، وهو ما تعبّر عنه مفاهيم من جنس مفهوم «الاستبصار» الّذي اجترحه الشّيعة ومفهوم «الجماعة» في الاصطلاح السّنّيّ.
وإذا كان أمثال هذين المفهومين انعكاسًا لسرديّات قابلة للمراجعة، فليس من معنى لأن يتسنّن شيعيٌّ ولا لأن يتشيّع سُنِّيٌّ، وإنّما يجدر بنُخَبِ المسلمين من مختلف المذاهب وشتّى الطّوائف أن تتضافر جهودها في قراءة شاملة لتلك السّرديّات عسى أن تظفر بما يساعد على العبور من انتماءات الماضي المهدرة للطّاقات نحو أفق أرحب، لأنّ التّسنّن والتّشيّع وسائر تشكّلات البنية الدّينيّة الإسلاميّة التّليدة عناوين فقدت راهنيّتها ولا بدّ من عناوين أخرى تستند إلى منظومة قيميّة تستوعب مشكلات الحاضر وتمهّد سبل الشّهود الحضاريّ المنشود منذ عصر النّهضة، وهو ما يقتضي أيضًا تحيينَ نظامِ فهمنا للقرآن وآليّاتِ إنتاج المعرفة الدّينيّة عمومًا.
الهوامش
(1)  كديور، محسن، القراءة المنسيّة إعادة قراءةِ نظريّةِ: «الأئمّة الاثنا عشر علماء أبرار» وأربع مقالات أخرى، تعريب سعد رستم، مؤسّسة الانتشار العربيّ، بيروت، 2011.
(2) م.ن، مقدّمة المترجم، ص9.
(3)  م.ن، ص10.
(4)  في الكتاب مجموعة أفكار عبّر عنها الكاتب بخمسة مقالات، لكن ثمة فكرة محوريّة نركّز عليها في هذه المحاولة.
(5)  م.ن، ص17.
(6)   م.ن، ص.ن.
(7)  م.ن، صص17-18.
(8)   م.ن، ص18.
(9)  م.ن، ص.ن.
(10)   م.ن، ص19.
(11)  م.ن، ص.ن.
(12)   م.ن، صص19-20.
(13)   م.ن، ص22.
(14)   م.ن، ص23.
(15)  م.ن، ص45.
(16)   م.ن، ص59.
(17)  م.ن، ص68.
(18)  م.ن، ص26.
(19)  م.ن، ص.ن.
(20)  م.ن، ص23.
(21)   م.ن، ص24.
(22)  يُنظَر: م.ن، صص24-39.
(23)  م.ن، ص40.
(24)  م.ن، صص40-41.
(25)  م.ن، ص41.
(26) م.ن، صص43-44.
(27)   م.ن، ص44.
(28)  م.ن، صص45-59.
(29)   م.ن، صص64-65.
(30)  م.ن، ص68.
(31)   م.ن، صص68-69.
(32)   م.ن، ص69.
(33)  م.ن، ص.ن.