في الصميم

بقلم
نجم الدّين غربال
مَلاَمِحْ نِظَامٍ مَالِي قَوِيٌّ ومُنْصِفْ (12) الإيجار الماليّ
 تمهيد
لقد شكّل شعورنا المتزايد بمسؤوليّتنا البحثيّة - أمام ما عايناه من أزمات متعاقبة للنّظام الماليّ السّائد، وما خلّفه من عسر في المعيشة وتردٍّ في جودة حياة أغلبيّة النّاس - دافعاً قويّاً للخوض في غمار هذا النّظام بحثاً وتحليلاً. وقد أوصلنا هذا السعي إلى قناعة راسخة بأنّ الحاجة أصبحت ماسّة لبلورة ملامح نظام ماليّ جديد، يتّسم بالقوّة والإنصاف.
وقد استعرضنا في مقالات سابقة آليّات تحقيق هذا النّظام البديل. ولأنّ إرساء دعائمه لا يكتمل إلّا عبر أنماط تمويليّة وهياكل مؤسّساتيّة فاعلة، فقد خُضنا في سلسلة من المقالات في أنماط التّمويل المتنوّعة (كالتّمويل الجماعيّ، والزّكاة، والوقف)، بالإضافة إلى الهياكل والأسواق (كالجهاز المصرفيّ، وأسواق المال، وصناديق الاستثمار، ومؤسّسات التّمويل الصّغير، والتّأمين).
وفي هذا المقال، نتناول «مؤسّسات الإيجار الماليّ»، لنسدل بذلك السّتار على هذه المحاولة البحثيّة الأولى الّتي استمرّت اثني عشر شهراً؛ والتي جاءت مساهمةً منّا في صياغة دراسات وبدائل عمليّة ضمن أنشطة «منتدى الفارابي للدّراسات والبدائل»، وعلى صفحات مجلّة «الإصلاح» الإلكترونيّة.
1 - الإيجار الماليّ: اختيار ومؤشّرات
يُعدّ الإيجار الماليّ أحد خيارات التّمويل المتاحة أمام المؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة، وحلّاً عمليّاً يُمكّنها من الاستثمار في التّجهيزات والوسائل، دون الحاجة إلى اللّجوء لروافد التّمويل التّقليديّة كالبنوك. ولتقييم أدائها ورسم آفاق نشاطها، تعتمد شركات الإيجار الماليّ على عدّة مؤشّرات، من أبرزها:
* العائد على حقوق الملكيّة
* العائد على الأصول
* ربحيّة السّهم
* معدّل نموّ صافي الرّبح
* معدّل نموّ إجماليّ الأصول
* معدّل نموّ القيمة الدّفتريّة
* معدّل نموّ ربحيّة السّهم
* معدّل نموّ صافي النّقد من التّشغيل
2 -  الإيجار الماليّ: الواقع والآفاق
تشير تقارير البنك المركزيّ التّونسيّ المكلّفة بالرّقابة البنكيّة لعام 2024، إلى نجاح قطاع الإيجار الماليّ في تونس في الحفاظ على ديناميكيّة إيجابيّة ونموّ مستمرّ، على الرّغم من محدوديّة حجمـه. ويتجلّى هذا النّمـوّ في ارتفـاع العقود المفعّلة بنسبة 10.4 % لتصل إلى 2387 مليون دينار، وزيادة قائم العقود بنسبة 9.3 % ليبلغ 4447 مليون دينار، مع تسجيل تباطؤ طفيف في وتيرة النّموّ مقارنة بعامي 2022 و2023.
وفي سياق متّصل، أبرزت التّقارير الحديثة جملة من المؤشّرات لعام 2024، عكست مصادر موارد القطاع، ومستوى ملاءمته، وأدائه الماليّ، إلى جانب المخاطر الّتي تمثّل تحدّيات تستوجب حسن التّعامل لتجاوزها. ومن أبرز هذه المؤشّرات:
* محافظة القطاع على تمويلاته الأساسيّة عبر الاقتراض، إذ بلغت النّسبة 74 % من مجموع موارده، ممّا يجعله عرضة لمخاطر إعادة التّمويل.
* ارتفاع قائم الدّيون المصنّفة بنسبة 5.7 % ليصل إلى 418 مليون دينار، تزامنا مع زيادة في هامش الفائدة بنسبة 4.1 %.
* استقرار المردوديّة الماليّة عند حدود 13 % كعائد على الأموال الذّاتيّة.
* نموّ النّتائج الصّافية للقطاع بنسبة 3 % لتبلغ 106.2 مليون دينار.
* تحسن جودة رأس المال، إذ مثّلت الأموال الذّاتيّة الصّافية الأساسيّة 84 % من الإجماليّ، وسجّلت معظم المؤسّسات نسبة ملاءمة تفوق 15 %.
وعموما، شهدت الوضعيّة الماليّة لمؤسّسات الإيجار الماليّ تحسّنا في مجمل أنشطتها بين عامي 2022 و2023(1). وعلى الرّغم من التّقلّبات الاقتصاديّة في العشريّة الأخيرة، أثبت هذا القطاع صلابته؛ فلم ينزلق في أزمات، بل حقّق تطوّرا زادت معه مردوديّته، وتعزّزت أسُسه، ونجح في رفع التّحدّيات الكبرى. ولضمان توسّع مستدام، يبقى القطاع مطالبا باتّباع ثلاث أولويّات: حسن التّصرّف في المخاطر، وتنويع مصادر التّمويل، والابتكار في الخدمات المعروضة»(2).
3 -  الإيجار الماليّ الإسلاميّ بتونس
لا يختلف الإيجار الماليّ الإسلاميّ في تونس عن الإيجار التّقليديّ من حيث إنّه خيار وحلّ تمويليّ أمام المؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة، إلّا أنّه يتميّز عنه بكونه أداة تمويل متوافقة مع الشّريعة الإسلاميّة. وتقدّم هذا الخيار بنوك إسلاميّة، مثل بنك البركة وبنك الزّيتونة، لتمويل المعدّات والعقارات والسّيّارات للمهنيّين والمؤسّسات.
وتعتمد هذه الآليّة على قيام البنك بشراء الأصل وتأجيره للعميل، مع منحه خيار التّملّك في النّهاية (غالبا مقابل دينار رمزيّ). كما يتميّز هذا النّظام بخلوه من الفوائد الرّبويّة، واعتماده على أجرة معلومة.
ومن خصائص الإجارة الإسلاميّة في تونس نذكر:
* إشراف هيئات رقابة شرعيّة على معاملات قطاع الإيجار الماليّ، بما يضمن توافقها التّامّ مع أحكام الشّريعة.
* اعتماد صيغة الإجارة المنتهية بالتّمليك (لشراء التّجهيزات، المعدّات، العقارات، والسّيّارات).
* احتفاظ البنك الإسلاميّ (الطّرف المؤجّر) بملكيّة الأصل حتّى نهاية العقد.
* تمتّع الحريف (سواء كان مهنيّا أو مؤسّسة) بصفة المستأجر، مع حقّه في خيار تملّك الأصل مقابل ثمن متّفق عليه (دينار رمزيّ).
ومن مزايا هذا النّظام نذكر:
* المرونة في السّداد، حيث تصل إمكانيّة التّمويل إلى 100% من كلفة الأصل.
* توفير مزايا جبائيّة، كإمكانيّة استرجاع الضّريبة على القيمة المضافة.
خاتمة البحث
ما عرضناه في عدد من المقالات الشّهريّة على امتداد عام كامل على أعمدة مجلّة «الإصلاح الإلكترونيّة» هو بحث أوّليّ عن ملامح نظام ماليّ قويّ ومنصف.
وقد تكوّن هذا البحث من ثلاثة محاور: الأوّل فيه بيان للنّظام الماليّ المهيمن على المستوى الدّوليّ، والثّاني فيه بلورة لملامح نظام ماليّ بديل قويّ ومنصف. أمّا الثّالث، فتضمّن ما يحتاجه تشييد ذلك النّظام من أنماط تمويل (كالتّمويل الجماعيّ والزّكاة والوقف)، ومن هياكل وأسواق ومؤسّسات (كالجهاز المصرفيّ البنكيّ، وأسواق المال، وصناديق الاستثمار، ومؤسّسات التّمويل الصّغير، ومؤسّسات التّأمين، ومؤسّسات الإيجار الماليّ). 
وقد اشتمل المبحث الأوّل على تحليل لإخفاقات النّظام الماليّ المهيمن، المستمرّة سواء في معالجة ظواهر عدم الإدماج والإقصاء والتّهميش، أو في امتصاص معدّلات البطالة الّتي ما فتئت تزداد، وتحليل إخفاقه أيضا في معالجة الفقر المستشري بمظاهره وتداعياته الخطيرة. وفيه بيان للخلفيّة الفلسفيّة للنّظام الماليّ السّائد والمهيمن وطبيعة تصوّرها للوجود الإنسانيّ، ونظرتها له، ورؤيتها للحياة، وما رشح عن تلك الفلسفة من مقاربة نفعيّة التّوجّه وفرديّة الهدف ومادّيّة التّقييم؛ وهي مقاربة تتمحور حول هدف تحقيق أعلى قدر من الرّبح لأصحاب المال أو المستحوذين عليه، والّتي اصطبغ بها النّظام الماليّ السّائد منذ نشأته.
ثمّ قمنا بعرض تطوّر النّظام الماليّ العالميّ المهيمن منذ نشأته أواخر القرن الثّامن عشر إلى يومنا هذا، مبرزين مسؤوليّته فيما آلت إليه أوضاع البشر في غالبيّتهم العظمى في مختلف مناحي حياتهم وعلى مستوى معيشتهم، نتيجة ما أفرزه من أزمات متعاقبة. 
أمّا في المبحث الثّاني، فقد قمنا ببلورة ملامح نظام ماليّ قويّ ومنصف، ضمن بحثنا عن الكيفيّة الّتي يتحقّق بها وعد اللّه بمكوث النّفع للنّاس؛ وهو نظام قادر على توليد المال بما يتناسب مع متطلّبات حياة النّاس، مع صون قيمته لضمان استدامة مقدرته الشّرائيّة والإنتاجيّة. كما عرضنا بنيّة تصوّريّة كفيلة بتأطير هذا النّظام، من خلال بلورة مسلّمات وأحكام، ووضع مفاهيم وتحديد قيم ضمن تصوّر أصيل للإنسان، يكرّمه ويمنحه دورا فاعلا في الحياة. 
وللحفاظ على كرامته الممنوحة له منذ بداية وجوده على الأرض، مصداقا لقوله تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾(الإسراء:70) قمنا ببلورة ملامح «نظام الكرامة». وليكون له موقع يليق به في هذا الوجود، عبر شبكة من العلاقات ينسجها مع ذاته ومع أخيه الإنسان، بلورنا نظاما للتّعاون؛ حتّى يكون المجتمع متماسكا، تجسيدا لما جاء في الحديث الشّريف: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» (3).
وفي انسجام مع مكوّنات الإطار الزّمكانيّ الّذي يحيا ضمنه، بلورنا نظاما للتّسخير والاستخلاف، ليتمكّن من إعمار الأرض والإصلاح فيها، تحقيقا لدوره في الحياة الدّنيا. وقد كان سعينا كلّه موجّها نحو تحرير العقول من التّصوّرات المنحرفة، وإنارتها برؤى بديلة للإنسان والحياة والوجود ككلّ، مبيّنين قدرتها - على المستوى النّظريّ على الأقلّ - على التّأسيس لنظام ماليّ قويّ ومنصف.
ومن أهمّ الاستنتاجات الّتي توصّلنا إليها من خلال هذا البحث نذكر ما يلي:
* الحاجة الملحّة لبلورة ملامح نظام ماليّ قويّ ومنصف، قادر على توليد المال بما يستجيب لاحتياجات النّاس المعيشيّة، مع صون قيمته الشّرائيّة والإنتاجيّة.
* ضرورة إيجاد بنيّة تصوّريّة كفيلة بتأطير هذا النّظام ضمن رؤية أصيلة للإنسان ودوره وموقعه في الوجود؛ وذلك سعيا منّا - بعد تحرير الأذهان من الأفكار المنحرفة - إلى إنارتها ببدائل شاملة تبرهن، على المستوى النّظريّ على الأقلّ، على قدرتها في التّأسيس لهذا النّظام المتوازن.
* اشتراط إرساء ثلاثة نظم متكاملة لضمان قوّة هذا النّظام وإنصافه، ذات قدرة على إفراز إطار جديد نتجاوز عبره مساوئ النّمط السّائد المتسبّب في استضعاف البشر. ويشكّل هذا الإطار مظلّة لاتّفاقيّات قانونيّة أكثر عدلا، ولعمل منظّمات وجهات اقتصاديّة فاعلة (رسميّة أو غير رسميّة)، بما ييسّر التّدفّق الدّوليّ لرؤوس الأموال لأغراض الاستثمار، فضلا عن التّمويل التّجاريّ والتّعاونيّ والتّكافليّ.
ومن أبرز التّوصيّات الّتي نخلص إليها بعد هذا الجهد البحثيّ، نذكر ما يلي:
* اعتماد مسلّمات بديلة عن تلك الّتي ارتكز عليها النّظام الماليّ المهيمن، والّذي أفرز مظاهر الفقر والبطالة. وتتمثّل في ثلاث مسلّمات: أوّلها، أنّ ملكيّة المال للّه، وهو من استخلف الإنسان فيه، ومن ثمّة فالمال ليس حكرا على قلّة قليلة. وثانيها، أنّ سعي الإنسان في هذه الحياة الدّنيا يتّجه نحو إحسان العمل فيما استخلف فيه، متطلّعا للمساهمة في نفع النّاس كافّة. وثالثها، حتميّة المساءلة والجزاء؛ ليرتفع تبعا لذلك سقف أمل الإنسان نحو الخلود في اليوم الآخر، بدل الاقتصار على رفع مستوى كسبه، أو مراكمة الأموال في الحياة الدّنيا بأساليب غير مشروعة، أو إنفاقها إسرافا وتبذيرا أو تقتيرا، بل يتحقّق ذلك عبر انتهاج سلوك سليم في علاقته بالمال انطلاقا من ميثاق وعهد بينه وبين خالقه.
* اعتماد أحكام مبتكرة لتأطير نظم الكرامة والتّعاون ثمّ التّسخير والاستخلاف؛ وهي نظم تقضي بعدم جعل المال دولة بين القلّة القليلة من النّاس، وتمنع أكل أموال النّاس بغير وجه حقّ للكسب، سواء عبر الرّبا أو الاحتكار أو التّحكّم في الأسواق بتشريعات غير متوازنة تحول دون مكوث النّفع للنّاس جميعا.
* الحفاظ على كرامة الإنسان وجعله محورا لهذه النّظم، على نقيض النّظم السّائدة الّتي تتمحور حول المال. وأن يتركّز دورها في حماية كرامة الإنسان المستهدفة من عدوه، وتأسيس علاقة أخوّة وتعاون بين الجميع لتحقيق النّفع المشترك، إلى جانب بناء علاقة تسخير بين الإنسان والأشياء تقوم على الرّحمة. وتضمن هذه النّظم مكوث النّفع من خلال نجاح الإنسان في أداء دور الاستخلاف الّذي منحه إيّاه اللّه (المالك الحقيقيّ)، حتّى يعيش حياة طيّبة، ويحال دونه ودون المعيشة الضّنك، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾(طه: 124).
وإلى بحث آخر أكثر عمقا إن شاء اللّه، دمنا جميعا في حفظ اللّه ورعايته والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته. 
الهوامش
(1)   L’économiste maghrébin / Spécial Finance Edition 2024; p 66 et 68; Bassem Ennaifar
(2)   L’économiste maghrébin / Spécial Finance Edition 2025; p 52 et 54; Bassem Ennaifar
(3) أخرجه البخاري (6026)، ومسلم (2585) عن أبي موسى الأشعري.