شخصيات الإصلاح
| بقلم |
![]() |
| التحرير الإصلاح |
| د.عبد الكريم بكّار |
في ظلّ التّحدّيات الحضاريّة المعقّدة الّتي تواجه العالم الإسلاميّ، تبرز أصواتٌ فكريّة لا تكتفي بتشخيص الدّاء، بل تسعى لتقديم وصفاتٍ عمليّة للدّواء. ويُعدّ الدّكتور عبد الكريم بكّار واحدًا من أبرز هذه الأصوات الّتي كرّست جهدها لـ «هندسة العقل المسلم» وإعادة بنائه ليكون قادرًا على التّعاطي مع استحقاقات العصر.
وُلد الدّكتور عبد الكريم بن محمّد الحسن بكّار في مدينة حمص السّوريّة عام 1951م. وقد قاده شغفه المبكّر بالمعرفة إلى رحاب الأزهر الشّريف في القاهرة، حيث تدرّج في مدارج العلم الشّرعيّ واللّغويّ، فحصل على البكالوريوس والماجستير، ثمّ توّج مسيرته بنيل درجة الدّكتوراه عام 1979م من قسم «أصول اللّغة». ولم يقف بكّار عند حدود التّحصيل، بل انتقل إلى ميدان العطاء الأكاديميّ، فعمل أستاذًا في جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة بالمملكة العربيّة السّعوديّة لنحو ثلاثة عشر عامًا (1989-2002م). غير أنّ هاجس «البناء الحضاريّ» دفعه للاستقالة من العمل الأكاديميّ التّقليديّ، ليتفرّغ كلّيًّا لمشروعه الثّقافيّ والتّأليفيّ الضّخم الّذي أثمر أكثر من مائة كتاب.
لا يمكن اختزال مشروع الدّكتور بكّار في مجرّد كتب تربويّة أو فكريّة متفرّقة؛ بل هو مشروعٌ متكاملٌ يروم «عقلنة الصّحوة» وتأسيس بنية فكريّة رصينة، ويقوم هذا المشروع على مرتكزات عدّة تميّزه عن غيره:
أوّلًا: مركزيّة «بناء الإنسان» قبل «بناء العمران»: ينطلق بكّار من قناعة راسخة بأنّ أزمة الأمّة ليست أزمة موارد أو عقيدة (فالدّين محفوظ)، بل هي أزمة «نموذج بشريّ»؛ إذ يعاني المسلم المعاصر من «عطب» في طريقة تفكيره وفي عاداته. فالحضارة لا تبنيها النّصوص وحدها، بل يبنيها بشرٌ يفهمون هذه النّصوص ويحسنون تنزيلها على الواقع؛ لذا صبّ جلّ اهتمامه على ترميم «الذّات المسلمة» وتخليصها من أعطابها، فكتب كثيرًا في «اكتشاف الذّات» و«تجديد الوعي»، ليعلّم الفرد كيف يفهم نفسه ويحدّد نقاط قوّته وضعفه.
ثانيًا: الانتقال من «الوعظ» إلى «الفكر»: وهذا جوهر مشروعه؛ فلعلّ أهمّ ما يميّز طرح بكّار هو سعيه الحثيث لنقل الخطاب الإسلاميّ من دائرة «دغدغة العواطف» وإثارة الحماس المؤقّت، إلى دائرة «بناء القناعات» والمفاهيم العميقة. فالأمّة شبعت من «الخطاب العاطفيّ» (الّذي يحرّك المشاعر للبكاء أو الحماس المؤقّت)، لكنّها اليوم بحاجة إلى «الخطاب الفكريّ» (الّذي يبني القناعات ويصحّح المفاهيم). لذلك يرى الدّكتور عبد الكريم أنّ العاطفة وقودٌ ضروريّ، لكنّ الفكر هو «المقود» الّذي يمنع الانحراف والكوارث. ولهذا السّبب ركّز الدّكتور في مؤلّفاته على «المفاهيم» (Concepts) وليس فقط «الأحكام»، بهدف تعليم القارئ الفرق بين «الحقيقة» و«الرّأي»، وبين «الظّاهرة» و«القانون».
ثالثًا: امتلاك «أدوات التّفكير»: يعتقد الدّكتور بكّار أنّ العقل مثل العضلة يحتاج إلى تدريب، ومثل الحرفة يحتاج إلى أدوات، لذلك لم يكتف بتقديم المعلومات، بل سعى إلى تبسيط «آليّات التّفكير» للشّباب العربيّ وتدريب عقولهم على «كيفيّة التّفكير». فمن خلال سلسلة كتبه، مثل: «تكوين المفكّر»، و«تجديد الوعي»، و«فصول في التّفكير الموضوعيّ»، و«اكتشاف الذّات»، رسّخ مفاهيم «التّفكير السّننيّ» الّذي يحترم قوانين الكون وأسبابه، ويؤمن بأنّ اللّه وضع «سننًا» (قوانين) في الكون لا تجامل أحدًا؛ فمن يزرع يحصد، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، والنّصر للأقوى والأكثر تنظيمًا، لا للأكثر دعاءً دون عمل. ورسّخ كذلك «التّفكير النّاقد» الّذي يمحّص الأفكار ولا يقبل فكرة دون دليل، و«التّفكير المقاصديّ» الّذي يبحث عن الغايات لا مجرّد الأشكال، وفهم «غائيّة» شرع اللّه.
رابعًا: التّربية بصفتها «صناعة للمستقبل»: خلافًا للنّظرة القاصرة الّتي ترى التّربية شأنًا منزليًّا هامشيًّا، رفع بكّار من شأن التّربية ليعتبرها «السّاحة السّياسيّة والحضاريّة الأولى». فهو يؤمن بأنّ الاستبداد السّياسيّ والتّخلّف الاقتصاديّ، والتّعصّب الفكريّ، كلّها «منتجات» تمّ تصنيعها أوّلًا داخل الأسرة العربيّة من خلال أساليب تربية خاطئة (القمع، التّلقين، عدم الحوار)؛ لذا دعا الدّكتور بكّار إلى تربية تقوم على «بناء الشّخصيّة المستقلّة» وليس «الشّخصيّة المطيعة»، وتربية تحترم عقل الطّفل وتنمّي لديه الحوار. فقدّم عشرات المؤلّفات الّتي ترشد المربّين لبناء شخصيّة الطّفل المستقلّة والمحاورة مثل كتاب «تأسيس عقليّة الطّفل»، وكتاب «دليل التّربية الأسريّة»، وكتاب «المراهق: كيف نفهمه وكيف نوجّهه؟».
خامسًا: جسر الهوّة بين «النّصّ» و«الواقع»: يرى الدّكتور بكّار أنّ الفقهاء التّقليديّين يحفظون «النّصّ» جيّدًا، والمثقّفين العلمانيّين يعرفون «الواقع» الغربيّ جيّدًا، والمطلوب هو مثقّف «فقيه» يعرف الوحي، و«مفكّر» يفهم تعقيدات الواقع (الاقتصاد، السّياسة، علم النّفس). لذا نراه يكثر في مؤلّفاته من استخدام مصطلح «فقه الواقع»، بمعنى استحالة إصدار حكم شرعيّ أو حلّ لمشكلة اجتماعيّة دون فهم أسبابها العميقة وتاريخها.
لقد نجح عبد الكريم بكّار في أن يكون «مثقّفًا فقيهًا»؛ يجمع بين استيعاب الوحي والنّصّ الشّرعيّ، وبين فهم تعقيدات الواقع الحديث سياسيًّا واجتماعيًّا. وهو بذلك يقدّم نموذجًا للمفكّر الّذي يسعى لإنزال الأفكار من أبراج الفلاسفة العاجيّة إلى أرض الواقع، ليجيب عن سؤال: «كيف نحوّل مبادئ الإسلام إلى حلول عمليّة لمشكلاتنا اليوميّة؟ وكيف نجعل من الإسلام حلًّا عمليًّا في الاقتصاد والتّعليم؟ وكيف نبني مؤسّسات قويّة؟»، وذلك بلغة عربيّة سليمة وراقية، لكنّها سهلة الفهم.
إنّ ميراث الدّكتور بكّار ليس مجرّد مكتبة ضخمة من الكتب، بل هو مدرسةٌ في «التّفكير المنهجيّ» تحاول أن تأخذ بيد الجيل الجديد من مرحلة الشّعارات إلى مرحلة العمل والبناء. ويمكن اعتبار مشروع الدّكتور عبد الكريم بكّار الفكريّ «مشروعًا تأسيسيًّا» أو «بنائيًّا» يختلف عن المشاريع الفلسفيّة المجرّدة؛ فهو لا يكتفي بالوعظ، بل يحلّل الظّواهر الاجتماعيّة والنّفسيّة تحليلًا دقيقًا، مبتعدًا عن التّنظير الجافّ، ومقدّمًا لحلول عمليّة لمشاكل الأسرة والمجتمع.
إنّه مشروع «عقلنة الصّحوة» و«هندسة العقل المسلم» ليكون قادرًا على التّعامل مع العصر؛ فهو يحاول أن يأخذ الشّباب المتديّن والمتحمّس من مرحلة «الصّراخ والشّعارات» (الإسلام هو الحلّ، الموت لأعداء اللّه...) إلى مرحلة «العمل والهندسة» |




