خواطر
| بقلم |
![]() |
| شكري سلطاني |
| زفرة في مقبرة الأحياء |
يعيش الإنسان العربيّ اليوم حالة من «إيجاب السّلب»؛ حالة من التّعايش المريض مع الرّداءة والتّكيّف مع العدم. نحن أمام واقع لم يتغيّر، بل ازداد رسوخاً في سباته، حيث تحوّلنا إلى كائنات مجترّة للزّمن، مستهلكة للواقع، لا تشارك في صناعة التّاريخ بل تكتفي بمشاهدته من وراء شاشات هواتفها. إنّها «سيزيفيّة» عربيّة بامتياز، حيث ندحرج صخرة الفشل يوميّاً لنعود في المساء إلى نقطة الصّفر، في دوّامة من كثرة الكلام وقلّة الفعل. إنّها بيئة «آسنة» بطبعها، والبيئة الآسنة لا تنتج إلّا الرّكود، فهي تربة مسمومة تقتل بذور الإبداع في مهدها، وتخنق كلّ محاولة للخروج عن السّائد.
فأين النّباهة النّفسيّة والاجتماعيّة؟ أين الشّعلة والقبس الّذي سيضيء دهاليز قوم ضلّوا الطّريق فلا تحسّ لهم ركزاً؟ فما هي أسباب السّبات العربيّ والتّكيّف مع واقع الرّداءة والبلادة والفشل؟
أوّلاً: العقم الفكريّ واستقالة العقل الاستشرافيّ إنّ أخطر ما يواجهنا هو هذا القحط الفكريّ؛ حيث غابت الإبداعات الّتي تلامس الوجدان وتغيّر الواقع. الفكر العربيّ اليوم إمّا غارق في تمجيد أطلال الماضي أو غارق في استيراد معلّب لنظريّات غربيّة لا تنبت في تربتنا. لقد فقدنا «فلسفة الحياة» الواضحة وخريطة الطّريق الّتي تحوّلنا من الانفعال إلى الفعل. نحن نعيش بلا «أفق»، والواقع الّذي لا يُستشرف مستقبله هو واقع ميّت سريريّاً، ينتظر معجزة لن تأتي ما لم نصنعها بعقولنا.
ثانياً: التّديّن الشّكليّ واغتراب الرّوح في الجانب الدّينيّ، نلمس مأساة حقيقيّة؛ فالمؤسّسة الدّينيّة والخطاب السّائد ما زالا يرتديان جلباباً ضيّقاً لم يعد يسع أسئلة العصر. والمفارقة الكبرى أنّ الخطاب الدّينيّ نفسه تحوّل إلى «حجاب» يحول بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان وواقعه. لقد غابت التّجارب الجريئة الّتي تسعى لتخطّي «واقع الحسّ والكثائف» كما فعل الصّالحون قديماً؛ أولئك الّذين انتقلوا من «علم اليقين» إلى «عين اليقين»، ومن «حجاب الظّلمة» إلى «حجاب الأنوار».
أما واقعنا اليوم، فقد ترسّخ فيه حجاب الظّلمة وزادت حجب الكثافة المادّيّة؛ فأصبحت العبادة «تركاً للعادة» ظاهريّاً، لكنّها في العمق لم تتجاوز «العادة» إلى روح العبادة وجوهرها الأخلاقيّ والعمليّ. لقد استغرقنا في «فقه الطّقوس» ونسينا «فقه الحياة»، فبات الدّين متماهياً مع واقعنا واصطبغ بألوانه وأذواقه عوضاً عن التّجاوز والإحاطة بالواقع الموضوعيّ وعياً وإدراكاً ومعالجة. فأين الاستعلاء الإسلاميّ الإيمانيّ؟ فبدلاً من أن يكون الدّين محرّكاً ومحفّزاً ودافعاً للهمم بفلسفة حياة ربّانيّة ذات مقاربة شاملة تستوعب حاضر الإنسان ومستقبله ومآله، أضحى جزءاً من واقع رتيب يزيّن ويجمّل بخطابه جراح وآلام وتحدّيات الواقع دون تجاوزها ورفعها.
لقد أضحى الفكر الدّينيّ حبيس قوالب فكريّة تخاطب بشراً عاشوا قبل قرون، متناسية الإنسان المعاصر بآلامه المادّيّة وتحدّياته الوجوديّة. الخطب والمواعظ باتت «بيداغوجيا ميّتة» تقفز فوق الحقيقة البشريّة وتكتفي بالتّرهيب أو الوعود الغيبيّة، دون أن تزرع في النّفس «سياسة تربويّة للجنس العربيّ» لكي تصنع منه إنساناً خليفة في الأرض، يعمل وينتج ويحترم قدسيّة الوقت والعمل. لقد أصبح دين العرب أشبه بدين «الطّقوس» الّذي انفصل عن «القيم» وفقه المعاملات فباتت الأخلاق في وادٍ والعبادات في وادٍ آخر.
ثالثاً: السّلطة المستبدّة وتغييب الموطن الحرّ سياسيّاً، ما زال «الفرعون» يسكن في تفاصيل الحكم، حيث السّلطة هي المركز والمنتهى، والمواطن هو مجرّد رقم في حاشية الكتاب. الاستبداد ليس مجرّد شخص يحكم، بل هو ثقافة تتغلغل في النّفوس، تبخس شأن الفرد وتلغي حرّيّته. غياب «المواطن الحرّ» يعني غياب المحاسبة، وغياب المحاسبة يعني تأبيد الفساد والتّمسّك بالكراسي على حساب الأوطان الّتي تنهار. وفي جوّ القمع هذا، يستحيل أن يبرز مبدع؛ فالإبداع وليد الحرّيّة، والسّلطة المطلقة مفسدة مطلقة للعقل.
رابعاً: المقهى والملعب والمهرجانات.. ملاجئ الهروب الجماعيّ في الواقع الاجتماعيّ، نجد مجتمعاً يهرب من واقعه إلى «الهوامش». المقهى ليس مكاناً للنّقاش الفلسفيّ بل هو «ثقب أسود» يبتلع الأعمار في لغو الحديث، والملاعب تحوّلت من رياضة إلى مخدّر جماعيّ يصرف الأنظار عن القضايا الجوهريّة. والمهرجانات يرتادها كلّ من هبّ ودبّ فلا أذواق تحسّنت ولا أرواح ارتقت ولا نفوس صُقلت. نحن نعيش روتيناً قاتلاً يقتل في المهد أيّ بزوغ لمبدع؛ فالمناخ العامّ «مفلس» لا يسمح بنموّ البذور الصّالحة، بل يخنقها بضجيج التّفاهة. فكيف لبزوغ أن يحدث في «واقع مفلس» لا يرى في التّميّز إلّا خروجاً عن القطيع.
خامساً: الانهيار التّربويّ وحضارة الأشياء أمّا المدرسة والجامعة، فقد تحوّلتا إلى «مصانع للتّرسب والفشل». غابت الاستراتيجيّات الّتي تنقذ الأجيال، وانكسر الرّباط المقدّس بين المعلّم والمتعلّم. لقد حلّت «حضارة الأشياء» محلّ «حضارة الأفكار»؛ فبات الطّالب متعلّقاً بالوسائط الاجتماعيّة، مدمناً على استهلاك الرّفاهيّة المادّيّة في حين يفتقر للقيمة الرّوحيّة والتّحفيز العلميّ دون أدنى رغبة في تحصيل المعرفة. الأزمة هنا ليست تعليميّة فحسب، بل هي أزمة «قيم» حيث فقد العلم هيبته أمام سطوة المادّة والوجاهة الفارغة. إنّها أزمة قيم جعلت من التّعليم مجرّد ممرّ للشّهادات الجوفاء، لا منصّة لبناء العقول والنّفوس.
سادساً: التّيه الاقتصاديّ والتّبعيّة المقيتة اقتصاديّاً، نحن في «دوران الفراغ». لم يبرح الفقير فقره، ولم يجد الكادح ثمرة عرقه. غياب المؤسّسات الإنتاجيّة الّتي تحرّك دولاب الاقتصاد جعل منّا «أمّة مستهلكة» بامتياز. نحن نأكل ممّا لا نزرع، ونلبس ممّا لا نصنع، ونعيش على فتات التّكنولوجيا الّتي يصدّرها لنا الآخرون، ممّا عمّق حالة التّبعيّة وسلبنا الإرادة السّياسيّة والقرار المستقلّ. هذا الفشل الاقتصاديّ أنتج «سلبيّة مقيتة»؛ حيث انغمس المواطن في الشّواغل التّافهة وتاه في الشّواغب، متكيّفاً مع رداءة عيشه بدلاً من الثّورة عليها وتغييرها.
متى الاستفاقة من تيه العدم؟ إنّها «صيحة فزع» في غياهب هذا العدم الّذي نغرق فيه. إنّ سبيل الخروج من هذا التّيه يبدأ بتمزيق «حجب الظّلمة» الّتي رانت على القلوب والنّفوس. لا سبيل لليقظة إلّا بقطيعة معرفيّة وروحيّة مع «ثقافة الاجترار»، وبناء إنسان جديد يتجاوز «كثائف المادّة» ليعانق أنوار الفعل الحضاريّ.
إنّ الخروج من هذه «المقبرة» لا يكون بانتظار مخلّص خارجيّ، بل بزلزال يضرب أعماق الوعي الفرديّ أوّلاً. إنّنا بحاجة إلى «ثورة قيميّة» تعيد الاعتبار لمفهوم الوقت كقيمة مقدّسة، ولمفهوم الإنسان كإرادة حرّة قادرة على تجاوز «حجب الكثافة» الّتي رانت على واقعنا. إنّ سبيلنا الوحيد لتمزيق هذا العدم يبدأ بأنسنة الخطاب الدّينيّ، وتوطين المعرفة، واستعادة الميادين من براثن العبث.
لقد آن للإنسان العربيّ أن يدرك أنّ الزّمن لا ينتظر المتثائبين، وأنّ البيئة الآسنة لن تلد إلّا الموت. فهل نرفع الغشاوة عن أرواحنا قبل أن يبتلعنا العدم تماماً؟ فإمّا أن نكون «صنّاعاً للقدر» بوعينا وفعلنا، وإمّا أن نرتضي البقاء أرقاماً منسيّة في هوامش التّاريخ.. والقرار، رغم ثقل الحجب، لا يزال بأيدينا. |




