في السياسة الدولية

بقلم
حسن الطرابلسي
تايوان: عقدة الصّراع في النّظام الدّولي
 تايوان هي مجموعة جزر تقع في جنوب شرق آسيا وتوجد بالجزء الشّرقيّ من بحر الصّين، وهي مطلّة من الشّرق على المحيط الهادئ، ويفصلها مضيق تايوان غربًا عن مقاطعة فوجيان الصّينيّة حيث تبعد عنها مسافة 140 كيلومترًا. وتُمثّل تايوان ديمقراطيّة فتيّة وقوّة تكنولوجيّة كبرى، لكنّها تواجه خطر التّحوّل إلى ساحة صراع بسبب نزاع تاريخيّ مع الصّين الّتي تعدّها إقليمًا منشقًّا وتلوّح بالقوّة، بينما يؤكّد التّايوانيّون استقلالهم.
يرتبط مصير هذه الجزيرة الصّغيرة في جنوب المحيط الهادئ بتوازنات استراتيجيّة واقتصاديّة عالميّة كبرى. فما دوافع الصّين للسّيطرة على تايوان؟ ولماذا تحرص الولايات المتّحدة على دعمها؟ وكيف تشكّل تاريخ تايوان وواقعها الحاليّ؟
تايوان، بطاقة تعريف 
هي دولة جزريّة في المحيط الهادئ شرق ساحل البرّ الرّئيسيّ الصّينيّ، اسمها الرّسميّ: جمهوريّة الصّين، وشكل الحكم فيها جمهوريّ رئاسيّ. تبلغ مساحتها: 36006 كلم² وعاصمتها تايبيه الّتي لا تعترف بها الصّين. اللّغة الرّسميّة هي الصّينيّة، ويبلغ عدد سكّانها 23.5 مليون نسمة حسب إحصائيّات سنة 2021، يدين حوالي 93% منهم بالبوذيّة والطّاويّة مع أقلّيّة مسيحيّة ومسلمة.
التّاريخ 
عندما وصل البرتغاليّون إلى الجزيرة عام 1590، أُعجبوا بجمالها فأطلقوا عليها اسم Ilha Formosa أي «الجزيرة الجميلة»، وأقاموا فيها مستعمرة. ثمّ خضعت لاحقًا للحكم الهولنديّ بين عامي 1624 و1661، قبل أن يتمكّن القائد تشنغ تشنغقونغ (Zheng Chenggong) من طرد الهولنديين وضمّها إلى إقليم فوجيان الصّينيّ. وفي عام 1895 وقعت تايوان تحت السّيطرة اليابانيّة، لتعود مجدّدًا إلى الصّين عام 1945. غير أن الصّين الّتي استعادت تايوان آنذاك كانت تعيش حالة من الاضطراب، إذ كانت غارقة في حرب أهليّة اندلعت عقب سقوط الإمبراطوريّة الصّينيّة الّتي استمرّت نحو ألفي عام، وتحوّل البلاد إلى جمهوريّة.
عُرفت هذه المرحلة من الحرب الأهليّة بـ«حرب أمراء الحرب» (Warlord Era)، وامتدّت من عام 1916 إلى 1928، حين نجح القوميّون في توحيد الصّين تحت راية حزب الكومينتانغ بقيادة شيانغ كاي شيك (1887-1975) Chiang Kai-Shek. وخلال تلك الفترة، تحالف القوميّون مؤقّتًا مع الحزب الشّيوعيّ بقيادة ماو تسي تونغ، غير أنّ الخلافات سرعان ما تفجّرت بين الطّرفين، ليدخلا في حرب أهليّة شرسة انتهت بانتصار الشّيوعيّين عام 1949.
عقب هزيمته، فرّ شيانغ كاي شيك إلى جزيرة تايوان برفقة نحو مليون ونصف المليون من أنصاره. وفي أواخر عام 1949، أعلن هناك قيام الحكومة المؤقّتة لجمهوريّة الصّين، وحكم الجزيرة بقبضة حديديّة وبدعم من الولايات المتّحدة، مدّعيًا تمثيل السّيادة على كامل الأراضي الصّينيّة حتّى وفاته عام 1975. وخلال الحرب الكوريّة عام 1950، تحالفت تايوان مع الولايات المتّحدة، كما شغلت مقعد الصّين الوحيد في الأمم المتّحدة إلى غاية عام 1971، حين فقدته لصالح جمهوريّة الصّين الشّعبيّة. ويعود ذلك إلى سعي الولايات المتّحدة إلى عزل الاتّحاد السّوفياتيّ ومنع قيام تحالف محتمل بين موسكو وبكين. وفي هذا السّياق، شرعت واشنطن، بقيادة الرّئيس ريتشارد نيكسون، في بناء علاقات مع الصّين، تُوّجت بقمّة تاريخيّة جمعته بالزّعيم ماو تسي تونغ عام 1972. وفي عام 1979، شهدت العلاقات الصّينيّة–الأمريكيّة تحسّنًا ملحوظًا، إذ اعترفت الولايات المتّحدة بجمهوريّة الصّين الشّعبيّة باعتبارها الممثّل الشّرعيّ الوحيد للصّين، وأقرّت بمبدأ «الصّين الواحدة». غير أنّ ذلك لم يمنع واشنطن من الإبقاء على علاقات غير رسميّة مع تايوان، شملت الدّعم السّياسيّ وتزويدها بالسّلاح. وقد عُرفت هذه المقاربة المعقّدة بسياسة «الغموض الاستراتيجيّ»، وهي سياسة ما تزال الولايات المتّحدة تنتهجها حتّى اليوم.
بعد وفاة تشيانغ كاي شيك، ولا سيّما مع مطلع تسعينيّات القرن الماضي، بدأت تايوان تخوض تحوّلًا ديمقراطيًّا تدريجيًّا، تُوّج عام 1996 بقيادة لي تونغ هوي، الّذي قاد البلاد نحو تجاوز حقبة الحكم الاستبداديّ وترسيخ التّعدّديّة السّياسيّة. وخلال هذه المرحلة، تأرجحت العلاقات مع الصّين بين فترات من التّوتّر وأخرى من الانفراج، بلغت حدّ إبرام تفاهمات واتّفاقات وُصفت بالتّاريخيّة. وفي 29 أبريل/نيسان 2005، شهدت بكين لقاءً غير مسبوق منذ عام 1949، جمع ليان تشان، زعيم حزب الكومينتانغ، والرّئيس الصّينيّ هو جينتاو، الأمين العامّ للحزب الشّيوعيّ الصّينيّ.
غير أنّ العلاقات عادت إلى التّوتّر مجدّدًا عقب انتخاب الرّئيسة التّايوانيّة الحاليّة تساي إنغ ون، إذ تبنّت مواقف أكثر تشدّدًا تجاه بكين. وزاد من حدّة التّصعيد زيارة رئيسة مجلس النّوّاب الأمريكيّ آنذاك، نانسي بيلوسي، إلى تايوان في مطلع أغسطس/آب 2022، ما أثار غضب الصّين بشدّة. ورغم ذلك، سرعان ما أعادت الولايات المتّحدة التّأكيد على ثوابت سياستها القائمة على «الغموض الاستراتيجيّ» في تعاملها مع ملفّي تايوان والصّين.
تايوان: اقتصاد قويّ وتكنولوجيا فائقة التّطوّر 
تُعَدّ تايوان من الاقتصادات الرّائدة في آسيا، إذ انطلقت مسيرتها الصّناعيّة منذ منتصف خمسينيّات القرن الماضي، وشهدت نموًّا متسارعًا بدعم من اليابان والولايات المتّحدة. ويقوم اقتصادها الصّناعيّ أساسًا على التّكنولوجيا المتقدّمة، ولا سيّما صناعة أشباه الموصلات والإلكترونيّات الاستهلاكيّة. وقد باتت تايوان لاعبًا محوريًّا في هذا المجال، إذ تهيمن على نحو 60% من الإنتاج العالميّ لأشباه الموصلات حتّى عام 2022، فيما تُعَدّ شركة «تي إس إم سي» (TSMC) أكبر مُصنّع للرّقائق الإلكترونيّة في العالم، بقيمة سوقيّة تتجاوز 600 مليار دولار.
الحاضر ورهانات المستقبل 
في السّياق الرّاهن، تكتسب تايوان أهمّيّة جيوسياسيّة واقتصاديّة استثنائيّة؛ فهي ليست مجرّد جزيرة، بل مركز حيويّ تتقاطع فيه الجغرافيا مع التّاريخ والسّياسة، وتُضاعف التّكنولوجيا المتقدّمة من ثقلها الاستراتيجيّ. وتشكّل تايوان حلقة أساسيّة في سلاسل الإمداد العالميّة، ولا سيّما في صناعة أشباه الموصلات الّتي تعتمد عليها قطاعات استراتيجيّة تمتدّ من الهواتف الذّكيّة إلى الصّناعات العسكريّة المتقدّمة. كما يمنحها موقعها في قلب منطقة المحيطين الهنديّ والهادئ مكانة محوريّة، إذ تقع على مفترق طرق التّجارة البحريّة وخطوط الاتّصال العالميّة. وفي هذا الإطار، يبرز بحر جنوب الصّين، الممتدّ عبر ممرّات حيويّة مثل مضيق ملقة ومضيق تايوان، والّذي تزيد مساحته على ثلاثة ملايين كيلومتر مربّع، كأحد أغنى البحار بالموارد وأهمّ الممرّات التّجاريّة عالميًّا، حيث تعبره سنويًّا تجارة تُقدّر بأكثر من خمسة تريليون دولار.
كلّ هذه العوامل تجعل تايوان محورًا رئيسيًّا للتّنافس الجيوسياسيّ بين الولايات المتّحدة والصّين. ومن المتوقّع أن تزيد التّطوّرات الأخيرة، مثل عمليّة اعتقال مادورو، من تعقيد العلاقة بين القوّتين، خصوصًا في ظلّ إدارة أمريكيّة تقلّل من دور الدّبلوماسيّة التّقليديّة. وفي إطار استراتيجيّة جديدة، أعادت الولايات المتّحدة صياغة سياستها العالميّة، حيث تمّ تصنيف الصّين في استراتيجيّة الأمن القوميّ الأمريكيّة لعام 2025 ليس مجرّد «منافس استراتيجيّ»، بل كـ«خصم حضاريّ شامل».