أهل الاختصاص
| بقلم |
![]() |
| أ.د. ناصر أحمد سنه |
| العدوّ الخفيّ للحصن المناعي |
ضغوط الحياة المهنيّة، ومجريات الحياة الأسريّة، ومتابعة أمور الأبناء الدّراسيّة، والمشكلات الشّخصيّة، و«صراع» الإنجازات... إلخ. ففي هذا الزّمن «المتسارع» قد يفقد كثيرون متعاً عديدة، منها: تناول الطّعام على مهل، والجلوس مع الأبناء، وزيارة الأهل والأصدقاء، وقراءة كتاب ورقيّ، وجلسة للتّأمّل والتّفكير الهادئ... إلخ. إنّها أمور تقلّل كثيراً من الشّعور بالتّوتّر، ومن عدم الإشباع، وضياع «الهناء الوجوديّ». فالإحساس بالإشباع و«الهناء الوجوديّ» لا يتأتّى من «الكَمّ» العابر وحده، بل من «الكيفيّة» والجودة الّتي نحيا بها؛ أي من «نوعيّة» الحياة، والقدرة على تعلّم كيفيّة العيش بهدوء، مهما عصفت الرّيح.
وتُعَدّ رياح التّوتّر العاصفة بيئة مناسبة ليفرز الجسم هرمونات التّوتّر مثل هرمون «إيبينفرين» Epinephrine (المعروف أيضاً باسم «الأدرينالين» Adrenaline)، و«الكورتيزول» Cortisol وغيرهما. هذه الهرمونات هي ردّ فعل طبيعيّ تهيّئ الجسم لمواجهة الضّغط Stress.. لحظيّاً وآنيّاً؛ وذلك عبر زيادة ضربات القلب، ومعدّل التّنفّس، وتوسيع الشّعب الهوائيّة، وإفراز العرق، وتحفيز عضلات الجسم للمواجهة والعراك Fight أو الهروب والانسحاب Flight. ولكن عند تواصل التّوتّر بصورة مزمنة، تبقى هذه الآليّة «النّظاميّة» نشطة باستمرار، ممّا قد يؤدّي إلى تثبيط الحصن الدّفاعيّ.. أي الجهاز المناعيّ. وهو الحصن المكوّن من شبكة معقّدة من الميكانيزمات والخلايا (كخلايا العدلات، وخلايا البلعمة، والخلايا اللّيمفاويّة، والخلايا القاتلة الطّبيعيّة) والأجسام المضادّة المصمّمة لحمايتنا من مسبّبات الأمراض الغازية.
فمع التّوتّرات المزمنة Chronic stresses، يحدث خلل في التّوازن بين الخلايا والمضادّات المناعيّة، وبين الطّرائق الدّفاعيّة؛ فتنخفض الاستجابة المناعيّة، ويتحوّل «الكورتيزول» ليؤدّي دوراً مثبّطاً للجهاز المناعيّ. ويمرّ الجسم بعدّة آليّات منها: تقليل وتثبيط الخلايا المناعيّة في الجسم، ممّا يجعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض. وقد يتمّ تقليل إنتاج الأجسام المضادّة، وهي البروتينات الّتي تساعد على مكافحة العدوى، فتتناوش البدنَ الأنواءُ والأعداء كفيروسات الأمراض المعدية، مثل الزّكام والإنفلونزا.
هذا فضلاً عن أنّ التّوتّر المزمن يمكن أن يؤدّي لزيادة الالتهاب وخطر الإصابة بأمراض مزمنة، كضغط الدّم وأمراض القلب والشّرايين، واضطرابات المناعة الذّاتيّة (كالذّئبة الحماميّة، وداء غريفز، والتهاب المفاصل الرّوماتويديّ). وممّا لا شكّ فيه أنّ الغارق في هذه التّوتّرات المزمنة، ليل نهار، لا يستطيع الفكاك منها ويتعرّض لاضطرابات نفسيّة كالاكتئاب والقلق. وتوجد أدلّة بحثيّة عديدة تؤكّد التّفاعل بين الجهازين المناعيّ والعصبيّ، وكذلك مشاكل الجهاز الهضميّ، كمشاكل الشّهيّة، والسّمنة، والقولون العصبيّ.
التوتر، ومشاكل الشهية والأطعمة المعينة
يمكن للتّوتّر على المدى القصير أن يكبح الشّهيّة، إذ يقوم جزء من الدّماغ يسمّى «ما تحت المهاد» Hypothalamus بتوليد هرمون يُحفّز إفراز الكورتيكوتروبين corticotropin، وهو الهرمون الّذي يكبح الشّهيّة. كما يرسل الدّماغ إشارات إلى الغدد الموجودة فوق الكلى بهدف ضخّ هرمون «الأدرينالين»، ممّا قد يؤدّي إلى الامتناع عن تناول الطّعام مؤقّتًا. ولكن عند استمرار التّوتّر المزمن، تقوم الغدد الكظريّة بإفراز هرمون «الكورتيزول» الّذي يزيد من الشّهيّة ويُعزّز الدّوافع عمومًا، ومنها دافع تناول الطّعام. وما إن ينحسر المشهد الّذي أثار التّوتّر حتّى تنحسر مستويات «الكورتيزول». أمّا في حال عدم انحسار التّوتّر – أو بقاء استجابة الإنسان له عند مستوياتها العليا – فإنّ مستوى «الكورتيزول» يظلّ مرتفعًا.
كما يبدو أنّ التّوتّر يؤثّر على خيارات الغذاء المفضّل؛ فالألم البدنيّ أو العاطفيّ يزيد من تناول الأطعمة الغنيّة بالدّهون أو السّكّر أو كليهما، ممّا يؤدّي لزيادة الوزن والسّمنة. وربّما يكون هذا المزيج من المستويات العالية لكلّ من «الكورتيزول» و«الأنسولين» هو المسؤول عن ذلك. وبمجرّد تناول تلك الأطعمة الدّهنيّة أو الغنيّة بالسّكّر، يظهر مفعولها في تهدئة نشاط منطقة الدّماغ الّتي ولّدت التّوتّر وتعاملت معه ومع الأحاسيس المُرتبطة به. ولذا، فإنّ جزءًا من التّوق الشّديد لمثل هذه الأطعمة النّاجم عن التّوتّر، ربّما يعود إلى الرّغبة في التّخلّص منه، أي من التّوتّر. ويُعَدّ هذا التّوجّه محاولةً لتخفيف حدّة المشاعر القويّة النّاجمة عن التّوتّر الشّديد؛ أي إنّه لجوء لتناول أنواع الأطعمة ذاتها الّتي تُهدّئ عادةً من المشاعر الأقلّ حدّة.
مناطق «زرقاء» بلا توتر
تبيّن وجود خمس مناطق يكثر فيها المعمّرون الّذين يعيشون لنحو قرن، وهي: «أوكيناوا» (اليابان)، و«سردينيا» (إيطاليا)، وجزيرة «إيكاريا» (شمال شرق بحر «إيجة»/ اليونان)، وشبه جزيرة «نيكويا» (كوستاريكا/ أميركا الوسطى)، ومدينة «لوما ليندا» («كاليفورنيا»/ أميركا). وتُسمّى هذه المناطق الخمس «المناطق الزّرقاء»، وفق مصطلح دشّنه، منذ أكثر من عقدين، عالم الأوبئة الإيطاليّ «جياني بيس»، والباحث البلجيكيّ في علم الدّيموغرافيا «مايكل بولين»، للإشارة إلى: «المناطق الّتي يعيش سكّانها أعمارًا أطول من المعتاد». وكان هذان العالمان قد اكتشفا ـ خلال بحث مشترك مع المستكشف «دان بوتنير» عن معدّل وفيات المجتمعات حول العالم ـ وجود نسبة عالية من المعمّرين الّذين يقطنون قرى جبليّة بالقرب من مقاطعة «نورو» بجزيرة «سردينيا» الإيطاليّة.
وفي هذه المناطق «الزّرقاء» الخمس المتباعدة جغرافيًّا، تمّ رصد يوميّات سكّانها، وتحرّي مطابخهم للتّعرّف إلى وجباتهم، ومشاركة أنشطتهم وتجوالهم ونزهاتهم، والتّحاور مع هؤلاء المعمّرين، الباسمين دومًا، المفعمين بالحيويّة والنّشاط؛ ومن ثَمّ الحصول على أجوبة عفويّة تُعين على كشف بعض أسرار وصولهم إلى سنّ المئة وهم في صحّة جيّدة، وتركيز مدهش، وأنشطة يوميّة معتادة. كما تعكس أحاديثهم بساطة الحياة الطّويلة الّتي أمضوها في مشاغل يوميّة، ولا يزالون يواظبون على إنجازها دون تأفّف.
إنّهم لم يخطّطوا لأيّ نظام صحّيّ يُطيل أعمارهم، بل جلّ ما فعلوه ـ عندما أفشوا أسرارهم ـ أنّهم ظلّوا أوفياء لـ«فطرة» الكون، مع احترام طبيعة أبدانهم وتوافقها مع نمط المعيشة في بيئاتهم المحلّيّة، والتّضلّع من سحر مناطقهم، وبهاء بيئتهم الّتي ترسم «مشهديّة بصريّة» حافلة بعناصر جمال موزّعة من الأرخبيل اليابانيّ البعيد، مرورًا بالبحر الأبيض المتوسّط، وصولًا إلى الأميركيتين. ووُجد أنّ المعمّرين، وقد بلغوا من الكبر عتيًّا، يبدون أصغر سنًّا، ويتمتّعون بصحّة وعافية، وروح حقيقيّة وثّابة لممارسة أنشطتهم كما لو كانوا في ريعان شبابهم.
فلا مجال للتّوتّر والضّغوط في هذه المجتمعات «الزّرقاء»، بل ثَمّة توازن نفسيّ واجتماعيّ تفرضه طبيعة الحياة البسيطة والعامرة في آنٍ معًا. وتعتمد «أوكيناوا»/ اليابان مبدأ «الإيكيجاي» أي: «قيمة الحياة وهدفها»، ويتلخّص في أربعة عناصر هامّة: «حدّد واعمل ما تحبّه» (شغفك)، و«اعمل ما يحتاجه العالم» (مهمّتك)، و«اعمل ما تجيده» (مهنتك)، و«اعمل ما يمكنك تقاضي أجر مقابله» (وظيفتك).
سبل تقليل تأثير التوتر على الحصن المناعي
1. ممارسة الرّياضة المعتدلة والمنتظمة والمناسبة لكلّ عمر (كالمشي والسّباحة والفلاحة والتّريّض والاسترخاء) تساعد على تقليل التّوتّر وتحسين صحّة جهاز المناعة.
2. الإكثار من المشاعر الإيجابيّة، كالضّحك والفرح؛ إذ يُحفّز ذلك إفراز هرمونات السّعادة كالدّوبامين والسّيروتونين والإندورفين، ويُقلّل من إنتاج هرمونات التّوتّر، وهذا بدوره يعزّز صحّة جهاز المناعة.
3. الاستيقاظ والنّوم الباكر الجيّد (7-8 ساعات/ يوميّاً) يساعدان على تقليل التّوتّر وتحسين صحّة جهاز المناعة.
4. التّغذية السّليمة (الغنيّة بالفواكه والخضروات والبروتينات والعناصر الأساسيّة) هامّة لوجود ارتباط بين الأمعاء والدّماغ، ولأهمّيّة ميكروبات الأمعاء «الميكروبيوم» في توازن الاستجابات المناعيّة وتعديلها. كما أنّ طهي الطّعام الصّحّيّ تجربة ماتعة ومريحة ومخفّفة للتّوتّر.
5. قضاء وقت أطول مع الأسرة والأصدقاء والأقارب.
6. قضاء وقت في الطّبيعة و«الاستشفاء» بها يساعد على الاسترخاء وتقليل التّوتّر.
7. قراءة الكتب والاستمتاع بالقصص وسيلة لتوازن وتيرة الحياة.
8. تقليل استخدام الهواتف الذّكيّة والحواسيب يخفّض من وتيرة التّوتّر والقلق.
9. اختيار الدّوائر الأسريّة والاجتماعيّة الّتي تدعم السّلوكيّات الصّحّيّة والرّوحيّة والأعمال التّطوّعيّة.
الخلاصة:
المناعة مرهونة بالتّوتّر، والتّوتّر جزء لا يتجزّأ من حياتنا اليوميّة المعاصرة والمتسارعة، ولكن يمكن السّيطرة عليه لتقليل تأثيره على الحصن المناعيّ. وقد يصعب على المرء إصلاح حياته ـ جذريًّا ـ بين عشيّة وضحاها، ولكن ينبغي ألّا ننسى: أنّه من السّهل تعلّم قيادة الحياة بسرعة، لكن من الصّعوبة تعلّم قيادة الحياة بهدوء ودون توتّر. |




