نوافذ

بقلم
د. حميد حقي
هل يدعو القرآن إلى التفلسف؟ قراءة في أطروحة محمد يوسف موسى
 مقدمة
لم يكن حضور العقل في القرآن الكريم مسألة طارئة في تاريخ التفكير الإسلاميّ، بل ظلّ موضوعًا لإعادة النّظر كلّما أثير السّؤال عن طبيعة العلاقة بين الوحي والنّظر العقليّ؛ ذلك أنّ النصّ القرآنيّ -وهو يخاطب الإنسان في أبعاده المتعدّدة- لا يقتصر على توجيه السّلوك أو ضبط الفعل، وإنّما يستدعي في مواضع كثيرة فعل النّظر، ويضع القارئ أمام أسئلة تتّصل باللّه والكون والإنسان والمصير. وقد انخرط عدد من مفكّري الإسلام قديمًا وحديثًا في مساءلة هذا الحضور، كلّ من زاوية تخصّصه، ساعين إلى تحديد حدوده ووظيفته ومآلاته. وفي هذا السّياق يندرج كتاب «القرآن والفلسفة» لمحمّد يوسف موسى، الذي حاول فيه مقاربة العلاقة بين الخطاب القرآنيّ والتّفكير الفلسفيّ، انطلاقًا من قراءة طبيعة هذا الخطاب، وطريقة معالجته لقضايا شغلت الفلاسفة في تجارب فكريّة متعدّدة.
ويرى المؤلّف أنّ القرآن الكريم بأسلوبه وبنيته الحجاجيّة لا يقف موقف التحفّظ من التّفلسف؛ بل يفتح له أفقًا خاصًّا، ويهيّئ له شروطًا مخصوصة، دون أن يتحوّل إلى خطاب فلسفيّ بالمعنى الاصطلاحيّ كما استقرّ في تاريخ المدارس الفلسفيّة. وهذه الأطروحة -في تقديري- تستحقّ أن نتوقّف عندها بالتّحليل والمساءلة، كما تستحقّ تتبّع الأسس التي أقيمت عليها، والنّظر في مدى انسجامها مع طبيعة النّصّ القرآنيّ ووظائفه التّرشيديّة.
ولهذا فإنّ قصدي من هذه القراءة يتجاوز مجرّد تلخيص الكتاب أو تتبّع فصوله، لينصرف إلى مناقشة أطروحته المركزيّة، باعتبارها مدخلًا لفهم أوسع لطبيعة التّفكير الذي يستثيره القرآن، وحدود ما يمكن نسبته إليه من أنماط النّظر. وستنطلق هذه المناقشة من داخل المشروع نفسه، وتتعامل معه باعتباره جهدًا فكريًّا جادًّا في مجاله.
وتزداد أهمّيّة هذا السّؤال في سياقنا المعاصر؛ حيث تتجدّد الدّعوات إلى إعادة بناء العلاقة بين الدّين والعقل، أحيانًا بدافع الانتصار للنصّ، وأحيانًا بدافع الانتصار للعقل، وهو ما يجعل الحاجة قائمة إلى قدر من التّمييز المنهجيّ، حتّى لا تختلط مستويات التّفكير، ولا تسحب على القرآن تصنيفات نشأت في سياقات مغايرة، إن من حيث الزّمان أو المرجعيّة.
1. ملامح أطروحة محمد يوسف موسى وسياقها الفكري
ينطلق محمّد يوسف موسى في كتابه من مُسلّمة مفادها أنّ القرآن الكريم لم ينزل في ساحة فارغة؛ فقد توجّه خطابه إلى مجتمع عرف أنماطًا متعدّدة من الاعتقاد، ومستويات متباينة من التّفكير في قضايا الإله والكون والبعث. ولذلك يرى أنّ الخطاب القرآنيّ صِيغ بأساليب مختلفة، وتدرّج في الحجاج، ووُجّه إلى عقول متفاوتة الاستعداد، وهو ما أتاح له مخاطبة فئات متعدّدة داخل المجتمع الواحد. ويذهب المؤلّف إلى أنّ هذا التّنوّع في الخطاب لم يكن مقصودًا لذاته، إذ ارتبط بوظيفة القرآن في الهداية والبيان. غير أنّ أثره -بحسب المؤلّف- تجاوز هذه الدّائرة، ففتح مجالًا للنّظر العقليّ في قضايا ارتبطت تاريخيًّا بالاشتغال الفلسفيّ. فعندما يتناول القرآن موضوعات الخلق، والنّظام، والعلّة، والغاية، والعدل، والمسؤوليّة... فإنّه لا يكتفي بتقرير معانٍ إيمانيّة جاهزة، ولكنّه يضع القارئ أمام أصول في التّفكير، تقوده إلى التّساؤل والمقارنة والاستنتاج، ثمّ الاقتناع فالاعتقاد.
كما يرى تبعًا لذلك أنّ القرآن قد اشتمل من حيث المبدأ على أصول ما يمكن تسميته بالفلسفة الإلهيّة، والطّبيعيّة، والإنسانيّة والاجتماعيّة. غير أنّه ينبّه إلى مسألة غاية في الأهمّيّة؛ وهي أنّ هذا القول لا يعني اعتبار القرآن كتاب فلسفة بالمعنى الاصطلاحيّ، وإنّما يفيد أنّه رسم أفقًا عامًّا للتّفكير في تلك القضايا، وحدّد اتّجاهاتها الكبرى، وحسم كثيرًا من إشكالاتها الجوهريّة؛ خاصّة ما يتّصل بالألوهيّة والخلق والمصير.
ويعزّز المؤلّف هذا الطّرح بملاحظة دقيقة مفادها أنّ كثيرًا من الأسئلة الّتي شغلت الفلاسفة قديمًا وحديثًا قد عالجها القرآن بمنهجه الخاصّ، ذلك المنهج الّذي يجمع بين الخطاب الإيمانيّ والحجاج العقليّ، أو إن شئنا بين العرفان والبرهان. فالقرآن -في نظره- لا يقتصر على صيغة الأمر والنّهي ليحدّد بها الواجبات والمحرّمات، بل يعرض أحداث التّاريخ، ويدعو إلى النّظر في الكون، ويستدلّ بالنّظام والاتّساق، ويقيم الحجّة على المخالفين... وهي كلّها محدّدات تجعل التّفكير العقليّ جزءًا من منهجيّته المعرفيّة الفريدة. وبذلك يخلص إلى أنّ فعل التّفلسف لم يكن أمرًا طارئًا على البيئة الإسلاميّة، ولا هو نتيجة احتكاك لاحق بالفلسفة اليونانيّة وحدها؛ فجذوره هي رؤية القرآن الّتي أسهمت في دفع المسلمين الأوائل إلى التّفكير في القضايا الفلسفيّة الكبرى؛ سواء عبر النّصّ القرآنيّ ذاته، أو عبر ما أثارته بعض آياته من تساؤلات وتأويلات.
2. في مساءلة مفهوم التفلسف 
على الرّغم من وجاهة العناصر الّتي اعتمدها محمّد يوسف موسى في بناء أطروحته، فإنّ مناقشتها تقتضي التّوقّف عند مفهوم التّفلسف كما وظّفه في قراءته للقرآن؛ ذلك أنّ توسيع دائرة هذا المفهوم ليشمل كلّ تفكير عقليّ في قضايا الإله والعالم والإنسان يطرح إشكالًا مفاهيميًّا لا يمكن تجاوزه دون تدقيق. فالنّظر العقليّ بما هو استدلال ومحاولة للفهم حاضر في الخطاب القرآنيّ ولا يثير خلافًا من هذه الجهة؛ إلّا أنّ الإشكال يبرز عند الانتقال من هذا المعنى العامّ إلى توصيف هذا اللّون من التّفكير بوصفه تفلسفًا، بما يحمله هذا المصطلح من حمولة تاريخيّة ومعرفيّة خاصّة. فليس كلّ نظر عقليّ تفلسفًا، كما أنّ الفلسفة لا تُختزل في إعمال العقل، بل تقوم على نمط معيّن من الاشتغال، له سياقاته وأسئلته ومنطلقاته.
وأحسب أنّ محمّد يوسف موسى قد مال إلى توسيع مفهوم التّفلسف توسيعًا يجعله قريبًا من معنى النّظر العقليّ المنضبط، وهو اختيار يخدم غرض الدّفاع عن حضور العقل في القرآن، لكنّه في المقابل يُضعف التّمييز بين مستويات التّفكير، ويجعل المسافة بين الخطاب القرآنيّ والخطاب الفلسفيّ غير محدّدة بما يكفي.
ويتأكّد هذا الأمر حين نلاحظ أنّ القرآن وإن دعا إلى النّظر والتّفكّر فإنّه لم يفتح هذه الدّعوة على إطلاقها، ولم يتركها دون توجيه، بل ربطها بالهداية، وحدّد لها حدود السّؤال المشروع، والغاية الّتي ينبغي أن ينتهي إليها التّفكير. وهنا يمكن التّساؤل: هل يمكن عدّ هذا التّوجيه القرآنيّ دعوة إلى التّفلسف، أم هو توجيه للتّفكير ضمن أفق خاصّ يختلف في مقاصده وحدوده عن الأفق الفلسفيّ؟
3. التمييز بين التفكير القرآني والتفلسف بمدلوله السائد
من شأن التّدقيق في طبيعة التّفكير الّذي يدعو إليه القرآن أن يساعدنا على تحديد المسافة الفاصلة بينه وبين التّفلسف كما استقرّ في تاريخ الفكر؛ فالقرآن الكريم حين يدعو إلى النّظر والتّفكّر لا يفعل ذلك بدافع فضول معرفيّ مفتوح، ولا بقصد بناء تصوّرات ذهنيّة مستقلّة، وإنّما يوجّه هذا النّظر نحو مقاصد واضحة، في مقدّمتها بناء المعتقد الصّحيح (التّوحيد)، وتحقيق الهداية، وتقويم السّلوك. فالقصد الأصليّ من التّفكّر في الخلق، والسّير في الأرض، والتّأمّل في المصير... هو الوصول بالإنسان إلى معرفة خالقه، واستحضار أمانة الأرض وواجب الخلافة والإعمار.
وبهذا الاعتبار، يظهر التّفكير الّذي ينشده الخطاب القرآنيّ تفكيرًا موجّهًا، لا ينفصل عن مقاصد الخلق، ولا يفتح باب السّؤال دون ضابط؛ فهو لا يعرض قضايا الألوهيّة والكون والإنسان على أنّها إشكالات نظريّة قائمة بذاتها، وإنّما يقدّمها ضمن نسق معرفيّ خاصّ؛ نسق حضاريّ لا يفصل بين المعرفة والإيمان، ولا بين المعرفة والعمل، ولا بين العمل والقيم، بل لا يؤمن بمثل هذه الثّنائيّات والتّقابلات. وسيكون بمقدورنا إذا استوعبنا هذا النّسق المعرفيّ القرآنيّ أن ندرك كيف يجمع الخطاب القرآنيّ بين الحثّ على التّفكّر في مواضع متعدّدة، والتّنبيه إلى حدود السّؤال في مواضع أخرى، لا سيّما فيما يتعلّق بذات اللّه أو بما لم يجعل للعقل سبيلًا إلى إدراكه.
وفي مقابل ذلك، يقوم التّفلسف في تاريخه المعروف على مساءلة مفتوحة لا تضبطها غاية دينيّة مسبّقة، ولا توجّهها وظيفة ترشيديّة محدّدة. فالفلسفة حتّى في صيغها القريبة من الإيمان نجدها تنشغل ببناء تصوّرات كلّيّة، وتسعى إلى تفسير الوجود داخل التّاريخ، اعتمادًا على العقل الّذي تعده مرجعًا نهائيًّا في صياغة الأفكار والعلوم. وهكذا يختلف التّفلسف -كما هو في التّاريخ- من حيث المنطلق والمنهج والمقصد عن التّفكير الّذي يؤطّره الخطاب القرآنيّ.
إنّ ما يتيحه القرآن الكريم من نظر عقليّ وبرهانيّ لا يؤدّي بالضّرورة إلى التّفلسف بمدلوله السّائد، وإن كان قد أسهم في تنشيط العقل، وتهيئته للنّظر والتّفكّر، وفتح له باب أسئلة كبرى شغلت لاحقًا علماء الكلام والفلسفة؛ فلا ينبغي الخلط بين نصّ يدفع إلى التّفكير، ونصّ يؤسّس لنمط فلسفيّ مستقلّ؛ أمّا الأوّل فتشهد له شواهد كثيرة تعضده، وأمّا الثّاني فيحتاج إلى قدر كبير من التّحفّظ.
ويتحصّل من هذا البيان أنّ أطروحة المؤلّف -على الرّغم من أهمّيّتها البالغة- تميل إلى الجمع بين مستويين مختلفين من النّظر التّأمّليّ؛ مستوى التّفكير القرآنيّ الموجّه والمسدّد، ومستوى التّفلسف باعتباره نشاطًا عقليًّا مستقلًّا. وهذا الجمع، وإن كان مفهومًا في سياق الدّفاع عن حضور العقل في الإسلام، فإنّه يحتاج إلى ضبط وتحقيق، حتّى لا تُنسَب إلى القرآن مقولات لم يصرّح بها، ولا تُفرَض عليه تصنيفات نشأت في سياقات معرفيّة أخرى.
4. بين النص القرآني والتجربة الفلسفية في التاريخ الإسلامي
يقتضي النّظر في أطروحة الكتاب ضرورة التّمييز بين الإمكانات الّتي يتيحها النّصّ القرآنيّ للتّفكير، وبين ما تَشَكّل تاريخيًّا في الحضارة الإسلاميّة من مذاهب فلسفيّة وكلاميّة؛ ولا بُدّ من التّأكيد بدءًا أنّ القرآن سَبَق التّجربة الفلسفيّة زمنّيًا، واشتغل في سياق دعويّ وتربويّ خاصّ، في حين نشأت الفلسفة الإسلاميّة ضمن شروط تاريخيّة وثقافيّة مغايرة، عقب اتّساع الدّولة الإسلاميّة واحتكاك المسلمين بالتّراث الفكريّ لغيرهم من الأمم، وخاصّة اليونان.
فالفلاسفة المسلمون حين انخرطوا في مقاربة قضايا الوجود والعقل والمعرفة، وغيرها من المباحث الفلسفيّة لم ينطلقوا من القرآن وحده؛ إذ وجدوا أنفسهم أمام تراث فلسفيّ ضخم، وأقصد بالأساس التّراث اليونانيّ، مع استحضار ما يحمله من تصوّرات ومفاهيم ومناهج. وقد دخل هذا التّراث إلى السّياق الإسلاميّ مُترجَمًا ومشروحًا، فصار موضوعًا للنّظر والمناقشة والتّهذيب والتّصحيح... ولذلك فإنّ التّفلسف في السّياق الإسلاميّ لم يكن استجابة مباشرة لمقتضيات النّصّ القرآنيّ فحسب، بل كان نتيجة تفاعل مركّب بين الوحي من جهة، والواقع الثّقافيّ الجديد من جهة، والأسئلة الّتي فرضها هذا التّفاعل من جهة ثالثة.
وليس القصد من هذا الكلام التّقليل من أثر القرآن في تشكيل العقليّة الإسلاميّة، كلّا؛ إذ القصد إنّما هو وضع هذا الأثر في حدوده المعقولة. ومن أثره البارز سعيه إلى بناء عقل واعٍ يبحث عن المعنى، ويقيم الصّلة بين العالم وخالقه، ويطرح سؤال الكينونة والوظيفة والمصير، فيتساءل بشكل مستمرّ: من أنا؟ ومن أين أنا؟ وما وظيفتي فوق الأرض؟ وإلى أين أتّجه؟ ولم يكن قصده أن يرسم مسارًا فلسفيًّا بالمعنى الّذي سلكه الكندي أو الفارابي أو ابن سينا أو غيرهم من فلاسفة الإسلام في ذلك السّياق؛ فهؤلاء جميعًا قد اشتغلوا داخل أفق معرفيّ خاصّ، سعوا فيه إلى التّوفيق بين ما انتهوا إليه عقلًا وما تلقّوه وحيًا.
5. بين علم الكلام والفلسفة
إذا كان محمّد يوسف موسى قد أكّد في الفصول الأولى من كتابه أنّ القرآن يفتح مجالات واسعة للتّفكير في قضايا الإله والعالم والإنسان، فإنّ في موقفه من التّجربة الكلاميّة والفلسفيّة في السّياق الإسلاميّ ما يدلّ على تحفّظه في إطلاق كثير من الأحكام بشأنهما، ومردّ ذلك في تقديري إلى ما أفرزته بعض مسالك الاشتغال العقليّ من إشكالات عبر التّاريخ. فهو يميّز تمييزًا واضحًا بين أصل الدّعوة القرآنيّة إلى النّظر، وبين المسارات الّتي سلكها المتكلّمون والفلاسفة وهم يعالجون بعض القضايا العقديّة الكبرى؛ خاصّة ما يتّصل بذات اللّه وصفاته، وبالقدر والعدل الإلهيّ؛ إذ يؤكّد أنّ النّصّ القرآنيّ -حين قرّر أصول الاعتقاد- لم يقصد أن تكون مجالًا للخصومة الفكريّة والتّغالب المذهبيّ، وإنّما جاء لترسيخ الإيمان الحقّ، وصيانة الأمّة من أسباب التّفرقة والتمزّق.
ومن هذا المنظور يفسّر المؤلّف نشأة الخلافات الكلاميّة في التّاريخ الإسلاميّ؛ حيث يربطها بدخول عناصر ثقافيّة جديدة إلى المجال الإسلاميّ، حملت معها أسئلة سابقة عن الإله والعالم، وسعت إلى إعادة صياغتها داخل أفق جديد. وقد وجدت هذه الأسئلة في بعض الآيات المتشابهة مجالًا للاشتغال، فتعدّدت التّأويلات، ثمّ ما لبث هذا التّنوّع أن تحوّل إلى اختلافات حادّة، اتّخذت طابعًا فكريًّا ومذهبيًّا.
ثمّ إنّه لا يُخفي ميله الظّاهر إلى موقف أهل السُّنّة في التّعامل مع هذه القضايا، خاصّة في التّحذير من التّشبيه الصّريح، والتّنبيه إلى مخاطر الخوض في ذات اللّه بغير علم. ومع ذلك فهو لا ينفي مشروعيّة الاجتهاد العقليّ المُسَدَّد بالوحي، والمُسْنَد بما ثبت عن الرّسول ﷺَ وصحابته. وبذلك يفرّق بين التّأويل القائم على منهجيّة معرفيّة ذات معالم وضوابط واضحة، وبين التّأويل الّذي ينطلق من تصوّرات مسبقة، ثمّ يسعى إلى إخضاع النّصوص لها.
ويتّضح من خلال عرضه لمواقف الفِرَق المختلفة أنّه لا يتعامل مع الخلاف الكلاميّ على أنّه صراع بين حقّ وباطل، بل يرى فيه تعبيرًا عن محاولات اجتهاديّة لفهم نصّ واحد، في سياقات معرفيّة مختلفة. غير أنّه يؤكّد في غير ما موضع أنّ هذه المحاولات حين تجاوزت أفق الوحي وأطلقت للعقل حرّيّة غير منضبطة في مسائل الغيب المحض، أفرزت إشكالات لم تكن مطروحة من ذي قبل.
6. مسألة العدالة الإلهيّة بين النصّ والتأويل
يخصّص محمّد يوسف موسى في كتابه حيّزًا مهمًّا لمناقشة مسألة العدالة الإلهيّة، لكونها من أكثر القضايا الّتي أثارت الخلاف بين المدارس الكلاميّة، ولكونها في الوقت نفسه من القضايا الّتي يراها وثيقة الصّلة بطبيعة خطاب الوحي. فالقرآن لا يكتفي بتقرير قدرة اللّه وخالقيّته، بل يؤكّد وصفه بالعدل، وينفي عنه الظّلم، ويربط أفعال العباد بالمسؤوليّة والجزاء.
وينطلق المؤلّف في معالجة هذه المسألة من عرض الخلاف المعروف بين الأشاعرة والمعتزلة، دون تعجّل في التّرجيح، محاولًا فهم المنطلقات الّتي وجّهت كلًّا منهما؛ فأمّا الأشاعرة فقد شدّدوا على شمول الإرادة الإلهيّة لكلّ ما يقع في الوجود، مؤكّدين أنّ اللّه لا يجب عليه فعل أيّ شيء، وأنّه يفعل ما يشاء، ولا يُسأل عمّا يفعل. وأمّا المعتزلة فقد جعلوا العدل أصلًا مركزيًّا، وربطوا بين عدالة اللّه وبين حرّيّة الإنسان ومسؤوليّته عن أفعاله، معتبرين أنّ نسبة أفعال العباد إلى اللّه على وجه الإلزام تؤدّي إلى إشكال أخلاقيّ لا ينسجم مع ما قرّره القرآن من حساب وثواب وعقاب.
ولا يقف الرّجل عند حدود العرض التّاريخيّ لهذا الخلاف، بل يتّجه إلى مساءلة نتائجه، خاصّة حين يتحوّل النّقاش إلى صيغ مغلقة، يستعصي معها الجمع بين كمال القدرة وكمال العدل. ولذلك يرى أنّ كلًّا من الفريقين كان حريصًا من زاويته الخاصّة على الدّفاع عن تصوّره للألوهيّة، بيد أنّ هذا الحرص يؤدّي أحيانًا إلى تضييق دلالة النّصّ بدل استيعاب أفقه الأوسع.
وفي هذا السّياق يطرح المؤلّف تساؤلات دقيقة من قبيل: هل يستلزم الإقرار بقدرة اللّه المطلقة نسبة كلّ الوقائع إليه على وجه الإلزام والجبر؟ وهل يقتضي الإيمان بعدالة اللّه نفي أيّ دور لاختيار الإنسان ومسؤوليّته؟ ويخلص من خلال مناقشته إلى أنّ الإشكال لا يكمن في النّصّ القرآنيّ نفسه، وإنّما في طرائق تلقّيه وتأويله. وبناءً على ذلك يذهب إلى أنّ القرآن لم يقدّم نظريّة كلاميّة مكتملة في مسألة العدل والقدر، وإنّما قرّر أصولًا عامّة توازن بين مسؤوليّة الإنسان وسيادة الإرادة الإلهيّة، دون إلزام العقل بإجابات تفصيليّة في كلّ جزئيّة. وهذا ما يجعل النّصّ قابلًا لتعدّد الفهوم، من غير أن يتحوّل هذا التّعدّد إلى تناقض أو صراع بين أتباع المذاهب.
ويتجلّى هذا التّوجّه في موقفه من مسألة الهداية والإضلال؛ حيث يرفض القراءات الّتي تفصل الآيات عن سياقاتها، أو تحصرها في معانٍ محدودة تراها قاطعة. والحقّ أنّ القرآن –كما ينظر إليه المؤلّف– يربط الهداية والاستجابة باستعداد الإنسان واختياره ومسلكه في طلب الحقّ، دون أن ينفي في الوقت نفسه إحاطة العلم الإلهيّ وشمول القدرة. ويرى أنّ الإخلال بهذه الموازنة من شأنه أن يؤدّي إلى اختلالات خطيرة على مستوى التّأويل؛ سواء باسم العقل أو باسم الوحي.
7. حدود القول بالتّفلسف في ضوء طبيعة النّظر القرآنيّ
إنّ السّؤال الّذي يفرض نفسه في ختام هذا المسار التّحليليّ لا يتعلّق بإثبات حضور النّظر في القرآن، فذلك ممّا استقرّ في مدوّنات التّفسير والكلام قديمًا وحديثًا، وإنّما يتعلّق بضبط ما يجوز نسبته إلى هذا النّظر من اصطلاحات ومفاهيم، خاصّة عندما يُستعمل مفهوم التّفلسف استعمالًا واسعًا قد يتجاوز سياقه التّاريخيّ والدّلاليّ.
وإذا تقرّر أنّ القرآن الكريم يخاطب العقل ويستدعيه في مواضع كثيرة، فإنّ هذا الاستدعاء لا يجري على نسق واحد في جميع المجالات، ولا يفتح الباب أمام كلّ أنماط السّؤال الممكنة. وفي تقديري، فإنّ هذا التّحديد هو الّذي لم يحظَ بما يكفي من العناية عند توسيع مفهوم التّفلسف ليشمل كلّ نظر عقليّ؛ لما في ذلك من نقل لمفهوم نشأ في سياق تاريخيّ معيّن إلى نصّ مطلق له منهجيّته المعرفيّة الخاصّة به.
وعلى الرّغم من حرص المؤلّف على نفي القول بأنّ القرآن كتاب فلسفة، إلّا أنّ اعتماده مفهومًا واسعًا للتّفلسف يجعل هذا النّفي في حاجة إلى مزيد من الضّبط والتّقييد. ويبدو لي أنّ الإشكال هنا ليس في إثبات استعمال القرآن للحجّة أو الاستدلال، وإنّما في جعل هذا الاستعمال كافيًا للحكم بوجود دعوة إلى التّفلسف، وبين الأمرين مسافة لا ينبغي تجاوزها دون احتراز. ولعلّ الفرق يظهر بجلاء إذا انتبهنا إلى أنّ النّظر القرآنيّ لم ينزل في ساحة فارغة، ولم يفتح باب السّؤال على مصراعيه دون ضوابط ومقاصد، وإنّما يجري داخل سياق محدّد المعالم، تحكمه مقاصد معلومة؛ وهذا ما يجعل النّظر في القرآن يتجاوز كونه نشاطًا عقليًّا يبدأ بالسّؤال وينتهي إليه. أمّا التّفلسف كما عُرِف في تجاربه التّاريخيّة فقد قام على بناء الأسئلة من داخل العقل المحض، وعلى اعتبار هذا العقل مرجعًا أوّليًّا في ترتيب القضايا وصياغة الأجوبة.
وقد يقال إنّ القرآن كان سببًا في إثارة أسئلة كبرى شغلت المتكلّمين والفلاسفة لاحقًا، وهذا صحيح في الجملة، إلّا أنّ إثارة السّؤال شيء، وجعل السّؤال أصلًا قائمًا بذاته شيء آخر. فالنّصّ القرآنيّ يوجّه النّظر إلى معانٍ بعينها، ثمّ يطلب من العقل أن يتأمّل دلائلها وآثارها. ومن هنا يبدو لي أنّ ما يصفه محمّد يوسف موسى بالتّفلسف أقرب إلى نمط خاصّ من النّظر القرآنيّ؛ يختلف في بنيته ووظيفته عن التّفلسف بمدلوله المتعارف عليه. وهو نظر يستعمل الحجّة، ويقيم البرهان، ويخاطب العقل، لكنّه لا يفوّض إليه أمر تقرير القضايا العقديّة من أصلها، ولا يجعله حاكمًا عليها من خارج أفق الوحي. ويتحصّل من هذا أنّ القول بدعوة القرآن إلى التّفلسف يحتاج إلى قدر كبير من التّقييد، حتّى لا ينتج عنه خلط بين مستويات مختلفة من التّفكير، وحتّى لا تُحَمّل نصوص الوحي ما ليس مرادًا بها.
على سبيل الختم
لا يسعني هنا إلّا التّأكيد أنّ أطروحة محمّد يوسف موسى تمثّل جهدًا فكريًّا جديرًا بالتّقدير، لما تتيحه من إعادة نظر في العلاقة بين القرآن والعقل، وما تثيره كذلك من أسئلة حول طبيعة النّظر الّذي يستدعيه الخطاب القرآنيّ. غير أنّ توسيع القول بدعوة القرآن إلى التّفلسف بمدلوله المدرسيّ السّائد يستلزم بعضًا من الاحتراز المفهوميّ، تفاديًا للتّسوية بين مفاهيم الوحي المطلقة، وبين مفاهيم وإطلاقات نشأت خارج سياقه، بل نشأت أوّل الأمر في بيئة غير بيئة الإسلام.
فعلى الرّغم من كون القرآن يخاطب العقل ويدعو إلى إعماله من خلال عمليّات النّظر والتّفكّر والتّدبّر... إلّا أنّ هذا الإعمال ينبغي أن يتمّ تحت سقف منطق الوحي ورؤيته الكونيّة. فهذا التّحديد هو ما يمنح النّظر القرآنيّ خصوصيّته، ويميزه عن أنماط التّفكير الّتي جعلت من السّؤال غايةً قائمةً بذاتها.
ولهذا فإنّ التّفكير الّذي يولّده القرآن لا يستقيم وصفه بالتّفلسف بالمعنى المتعارف عليه؛ لأنّه تفكير مرتبط بالقصد والمسؤوليّة، ومشدود إلى معنى الإيمان والعمل، وليس إلى استقلال عقليّ منفصل عن المرجعيّة. وإذا كان النّصّ قد أسهم في إثارة أسئلة كبرى شغلت العقل الإسلاميّ عبر تاريخه، فإنّ هذه الأسئلة ظلّت في أصلها متولّدة داخل أفق الوحي، لا خارجه.