فقه الميزان

بقلم
الهادي بريك
من موازين عصرنا : مقسط وجائر
 إعمال الميزان ـ جنبا إلى جنب مع الكتاب الذي لا ريب فيه ـ فريضة إسلاميّة محكمة وضرورة واقعيّة ملحّة وحاجة عقليّة لا مناص منها في كلّ حقل لأجل بلوغ أقصى ما يمكن من الرّشد والنّضج والعدل والقسط. ليس ذلك خاصّا بزمن ما أو مكان ما ولا حتّى بحقل ما دون غيره.
ترسيخ القسط الذي هو المقصد الأسنى من خلق الإنسان وإستخلافه إستئمانا وتكريما وعمارة للأرض مشروط بتكافل ثلاثية قيمية : 
* حسن فقه التّكليف الإلهيّ من ذينك المصدرين الأوّلين المقدسين الحاكمين على كلّ شيء؛
* حسن إستنباط العلّة المناسبة في كلّ تكليف لفقه المقصد والغاية؛
*حسن فقه الواقع الذي عليه يتنزّل ذلك التّكليف من حيث إمكان إحتضانه له أو عدم إحتضانه له.
تلك هي الثّلاثيّة التكافليّة التي لا يكون قسط وعدل وعمارة في الأرض بدونها. ولو تخلّف منها عضو واحد فسد كلّ شيء لفرط تكاملها وشدّة تكافلها. مثلها مثل الطّبيب الذي يفحص المريض أوّلا، ثمّ يحدّد المرض وسببه ثانيا، ثمّ يقدّم العلاج الأنسب لذلك المريض ذاته. ليس الطّبيب يفحص مريضا واحدا ثمّ يصف الدّواء لكلّ من يليه وهو مثله سنّا ونتائج في تحليل السّوائل وعائلة دم وثمرات تحليل. كذلك الفقيه : لا يصف دواء حتّى يقطع تلك الخطوات الثّلاث بنجاح.
موازين معاصرة مطلوبة 
من فقه الميزان بالضّرورة توفير التّلاؤم الكافي بين الأصل ـ الوحي ـ والعصر. ذلك أنّ الأسّ ـ نصوصا ومقاصد وقواطع ـ متناهية، أي معدودة تأتي على الحصر. ولكنّ ما يثمره الزّمان الجديد والمكان الجديد وكلّ المتغيّرات غير متناهية، سيما في زماننا حيث غشيتنا ثورة تواصل غير مسبوقة تصل شرق الأرض بغربها في طرفة عين واحدة وأدنى من ذلك، فأضحينا كمن يعيشون في غرفة بلّورية صغيرة لو سقطت على سطحها إبرة لسمع صوتها سكّان الأرض كلّهم. في مثل هذا يكون الوعي بالميزان أشدّ وأولى. ومن ذا فإنّه على كلّ جيل إبصار موازينهم التي لا يقوم قسط بين النّاس بدونها، والمقاومة دونها. من موازين عصرنا فيما أرى ما يلي بعناوين كبرى عظمى، وليس بفروع عنها لا تحصى :
الميزان الأكبر لعصرنا هو : 
المقاومة دون التّحرّر على الجبهتين معا
من أسّ شريعة الإسلام أنّ التّحرير ـ في جدول أعمال المصلحين في إثر الأنبياء عليهم السّلام ـ سابق للدّعوة، إذ لا يدعى المرء إلى الإسلام حتّى يؤمّن تحرّره بالكلّية من كلّ طاغوت يحجبه عن التّحرّر. وأوّل طاغوت حاجب هو طاغوت الهوى، أي النّفس الأمّارة بالسّوء. فمن خاض تلك الملحمة التّحرّرية الأولى كان لما بعدها أنسب لمواصلة المعركة. 
كما أنّه من تلك الأسّ العظمى تأمين الحاجات والضّرورات النّفسيّة والغذائيّة كلّ تأمين قبل ما يسمّيه النّاس اليوم تطبيق الشّريعة. فإذا تحرّر المرء فإنّ ميلانه إلى الإسلام ممكن بكلّ يسر وسلاسة. وإذا تأمّنت حاجاته وضروراته الحياتيّة خاض معركة الحياة بتحضّر وتمدّن، وليس ببهيميّة وهمجيّة. تلك قواطع عظمى لا إجتهاد فيها، إذ جاء بها الوحي والعقل والتّجربة معا. 
مردّ إخفاق كثير من التّجارب الإصلاحيّة المعاصرة هو ـ في جزء مهمّ منه ونسبة عالية ـ تأخير المطلب التّحريريّ وتقديم مطالب أخرى يمكن تأخيرها. فقه الإنسان لمن يعالجه برشد يوحي بأنّ الإنسان وعاء بدنيّ يحضن شخصيّة معنويّة هي مخّ إنسانيّته ولبّ آدميّته. تلك الشّخصيّة المعنويّة مقدودة بأقدار من غرائز التّحرّر والتّكريم والعزّة غالبة عالية على نحو أنّه يكون أدنى إلى الصّلاح بقدر تلبية المناخات المحيطة لتلك الشّحنات اللاّظية من الحرّية. فإن دهست أضحى الإنسان قنبلة موقوتة مؤهّلة للإنفجار في كلّ وقت وحين ومكان. ليس هذا من باب التّنظير فحسب، ولكنّه واقع معيش وتجربة مرّة أثبتت أنّ الإنسان جهاز معنويّ صالح كلّ صلاحيّة لعمارة الأرض بالخير والعدل والجمال كلّما تحرّر. وكلّما إسترقّ وإستعبد أوشك أن يكون عدوّا لكلّ ما حوله ومن حوله سواء بسواء. وليس فشل الأنظمة العربية سياسيّا وتنمويّا وسياديّا عدا لتنكّبها حسن معالجة الإنسان في جهازه المعنويّ وشخصيّته الإنسانيّة وليس المادّية فحسب. 
ومن ذا فإنّ أولى الموازين اليوم بحسن الرّعاية من لدن المصلحين ـ أيّا كانت أوعيتهم وحقول عملهم ـ هي موازين التّحرّر، أي تحرير الإنسان من كلّ ما قد يعرقل نشاطه ويجمّد عمله ويعوّق فعله، ليس سياسيّا فحسب كما يهرف كثير من السّاسة. بل إنّ التّحرّر يبدأ من النّفس الأمّارة بالسّوء، ومفتاح ذلك مزدوج إزدواجا تكافليّا : العلم والمعرفة من جهة والتّربية من جهة أخرى. 
أعلى موازين عصرنا في نظري هي : التّحرّر من أكبر طاغوتين يكبّلان حرّية الإنسان ـ الإحتلال في فلسطين والإستبداد القهريّ في البلاد العربيّة ـ. لا تحضّر ولا تمدّن ولا نماء ولا رغد ولا حتّى توحيدا عقديّا ولا صفّا مرصوصا، ولا تآخيّا ولا تكافل ولا مناعة من أيّ شرّ وضرّ وقهر عدا بمشروع إصلاحيّ يشمل تينك الجبهتين. وهما وجهان لقطعة تحرّريّة واحدة، سيما مع محتلّ إستيطانيّ مدعوم دوليّا بكلّ أدوات الدّّعم مثل الكيان الصّهيونيّ. 
هو مشروع ناشئ، وليس لنا سوى مراجعة مساره وتسديد خطواته والمساهمة فيه. كلّ ممّا يليه. ولكن ساهمت في تعويقه وإغتياله مشاريع فاسدة مفسدة علينا مقاومتها، من مثل أنماط تديّنية مغالية، ومن مثل السّلفيّة المغشوشة والصّوفيّة المزيّفة وتشيّع طائفيّ وتقليد قروديّ ببغاويّ أعمى، وغيرها كثير ليس هنا محلّ بسطه. ذلك هو الطّريق الصّحيح الموصل، ولكنّه الأطول. كان هو الأطول لإختبار همم المصلحين وصبرهم. 
تلك موازين معاصرة قدّمها الوحي الكريم كلّ تقديم في نصوصه ومقاصده سواء بسواء. ترى لماذا إمتلأ الكتاب العزيز بذكر الفرعونيّة  والهامانيّة والقارونيّة والسّامريّة والإسرائيليّة وكتمان كلمة الحقّ؟ ليس سوى لإبلاغ رسالة مضمونة الوصول إلينا أنّ نهضتكم عقيدة وعبادة وقيم وعمل في كلّ الحقول لا تتمّ عدا بمقاومة تلك المعوّقات العظمى. أليس الطّريق مفروشا بالأشواك غير معبّد؟ 
عندما يكون المشروع الإصلاحيّ المعاصر في عنوانه الأعظم الأكبر ـ حتّى وتلك المشاريع في حقول مختلفة وبأوعية متنوّعة ـ هو مشروع التّحرير ولا شيء غير التّحرير ـ تحريرا يبدأ بتحرير العقل الذي هو قائد مركبة الإنسان ـ يكون ذلك المشروع قد حفر على درب ظفره لبنة أولى لا نكوص بعدها مهما كبرت المعوّقات وعربدت التّحديات.
الميزان الأكبر الثّاني لعصرنا هو : 
صفّ واحد مهما عربدت الإختلافات.
لا مناص من العمل الدّؤوب لتوحيد الصفّ مهما كان متنوّعا مختلفا. إذ التّعدّد إرادة إلهيّة راسخة مطّردة لا نملك محوها، ولكن نملك حسن فقهها وحسن معالجتها لتكون مكوّناتها موظّفة لخدمة صفّ واحد. ما أراد له كلّ الطّواغيت ـ بدءا بالطّاغوت النّفسيّ القابع في كلّ واحد منّا ـ عدا التّمزّق وتقطّع الأوصال. هذا ميزان عقليّ. لو لم يأت به الدّين لجادت به العقول، كما فعل غير المسلمين الذين وحّدوا صفّهم. 
من خلاصات حياتي وتجربتي أنّ أكبر إبتلاء في طريقنا هو توظيف خلافاتنا الدّاخلية وإنتماءاتنا المتنوّعة ليكون صفّنا واحدا مرصوصا. لا أعرف إبتلاء أعظم منه. ولا أعرف إبتلاء فشلت فيه الأمّة فشلا ذريعا على إمتداد أربعة عشر قرنا كاملة أكثر من فشلها في هذا الإبتلاء. لماذا؟ السّبب عندي بسيط، وهو أنّ الإنسان قد ينجح في كلّ معركة مهما كان الخصم فيها قويّا، ولكنّه يفشل في الأعمّ الأغلب ـ إلاّ قليلا ـ في توظيف إنتسابه ليكون الصفّ واحدا مرصوصا. السّبب هو تلك القاعدة النّفسية العظمى: ﴿ ..إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ..﴾(يوسف: 53). 
النّفس حيال الدّنيا ـ وخاصّة حيال كرسيّ السلطان وصولجان العرش ـ ذات لعاب سيّال منساب لا يشبع ولا يرتوي. أكبر غريزة معنوية في الإنسان هي غريزة حبّ التقدير والإعتبار. فإذا تضخّمت تلك الغريزة وجاوزت حدودها ـ التي هي حدود الآخر إعتبارا مثله وتقديرا ـ ولد الكبر ونشأ العجب وترعرع الغرور. والثمرة المرّة ليست عدا طاغوتا جديدا. تاريخنا شاهد على ذلك. لا أتردّد طرفة عين واحدة ـ ولم أتردّد ـ في القول أنّ حصيلة ميزان تاريخنا وتراثنا السّياسيّ ـ علاقة بين الدّولة والإنسان ـ هو ميزان يغلب عليه السّواد. في ذلك الميزان بياضات كثيرة ليس هنا محلّ ذكرها. ألا ترى أنّ من يدعو اليوم إلى صفّ واحد يوشك أن يوصم بالجنون؟ ولكنّ تنزيل ذلك لا يكون دعوة فحسب، ولكن يكون بخطط مرحليّة واقعيّة يكون فيه الصفّ الواحد في العائلة نفسها قبل كلّ شيء ثمّ في العائلة الكبرى ثمّ في الرّابطة الأدنى في التّركيبة الإجتماعيّة سواء كانت حيّا أو عرشا أو قبيلة أو رابطة مهنيّة أو نقابيّة أو حزبيّة سياسيّة أو جهويّة وطنيّة. كلّ ذلك مطلوب ومشروع ما لم يكن ذلك طائفيّة مشحونة بالسّوء والشّقاق. صفّنا الذي نجحنا نحن أنفسنا في ضربه بعيد موته عليه السّلام بعقود ثلاثة فحسب لا يلتئم جرحه بدعوة أو جيل. للزّمن ثمنه وتكلفته. 
أيّهما أولى : الميزان المعاصر المتعلّق بالتّحرير أم بصفّ واحد؟ الحقّ أنّهما عندي متوازيان يتكافلان ولا يتخاصمان. ميزان التّحرّر أولى من حيث أنّه يحرّر العقول من الطّواف حول الذّات إعلاء لإنتماء طائفيّ، ولكنّه كلّما تقدّم على الطّريق الصّحيح جعل من الصفّ الواحد حقيقة ولبنة أولى. لا يكون الصفّ واحدا عدا بتحرّر عقليّ. ولكن لا يكون تحرّر جامع كفيل بإستقلالنا ماليا عن مقايضات المصارف الربوية الدولية المحتلة وباستعادة سيادتنا المغتصبة عدا بصفّ واحد. لذلك فإنّهما ـ عندي ـ أولى الموازين المعاصرة بالإعمال والتّعاون عليهما أجيالا في إثر أجيال : التّحرّر من كلّ طاغوت وبتواز معه صفّ واحد لبنة لبنة من أسفل الهرم ـ وليس من أعلاه ـ إنتصارا على طاغوت الهوى الذي تستعبدنا فيه الطّائفيّات الفاسدة المفسدة.
الميزان الثّالث المعاصر : تقحّم حمى المعارف والعلوم.
هي موازين معاصرة متوازية وليست متقابلة ولا حتّى متأخّرة بعضها عن بعض في الإهتمام. هي نسق واحد متواز يكفل بعضه بعضا. العدوّ اليوم بماذا يقصفنا ويحتلّ أرضنا ويسلب سيادتنا ويخضعنا إلى الذلّة؟ أليس بالعلوم والمعارف؟ أليس بإكتشافات وإختراعات في عوالم الرّياضيات العقليّة والفيزيائيّة والكيميايّة والفضائيّة وغير ذلك؟ ليس هناك سلطان يرفع صاحبه ـ سيما في مستوى الأمم والشّعوب والمجتمعات وفي أسواق التّقدّم والتّحضّر ـ أكثر من سلطان العلم والمعرفة. وليس هناك مذلّة أخزى من مذلّة الجهل بعلوم العصر في كلّ عصر. 
قولنا بأنّ هذا علم شرعيّ دينيّ وذاك كونيّ هو قول فاسد حضاريا، وهو وعي مفسد. كلّ علم وكلّ معرفة تجعل منك ـ سيما في الأبعاد الجماعيّة ـ إنسانا مكرّما هو علم دينيّ إسلاميّ شرعيّ، وطلبه فريضة مفروضة. كيف وقد طلبه غير المسلمين فبزّوا الدّنيا كلّها به بزّا؟ 
الموازين الحضاريّة العظمى الكفيلة بإستجلاب الكرامة والعزّة لم يأت الدّين ليؤسّسها، إذ هي مؤسّسة في الوعي الباطن. ولكن جاء لبيان ضرورتها في بناء الحضارة. ولذلك إهتمّ بها غير المسلمين وأخذوا بها فظفروا بأسباب القوّة : ميزان التّحرير لولا أنّه عندهم أحول بسبب حول رؤيتهم الفلسفيّة، وميزان الصفّ الواحد رغم تنوّعهم الأشدّ، وميزان العلوم والمعارف التي إقتبسوها من حضارتنا أيّام الإحتكاك الإفرنجيّ ـ الصليبيّ ـ وأيّام غرناطة وقرطبة. 
من أصحّ الأمثلة على ضرورة تكامل تلك الموازين وتكافلها ومسارها المتوازن ـ وليس المتقابل بتأجيل بعضها وتقديم بعضها الآخر ـ هو أنّ الأمّة اليوم غنيّة كلّ الغنى بالإطارات العليا معرفة وعلما. ولكنّها مهاجرة في أصقاع الأرض بسبب غياب الميزان التّحرّريّ الذي يكفل لهم حرّية البحث العلميّ.
خلاصة : 
موازين ثلاثة عظمى كبرى معاصرة لا مناص لنا منها اليوم من حيث أنّنا أمّة لأجل إستئناف المشروع النّهضويّ وعلينا فريضة المساهمة فيها والتّكافل ضمنها أجيالا من بعد أجيال من دون ملل ولا كلل ولا إستعجال لثمرة : ميزان التّحرّر على الجبهتين ـ تحرير الأرض المحتلة وتحرير البلاد من القهر السياسيّ ـ، وميزان الصفّ الواحد قهرا لنفس أمّأرة بالسّوء تعلي طائفيات فتّاكة ولكن بمثابرة وصبر طويل وبناء لبنات محلية صغرى، وميزان العلوم والمعارف الذي به يستعيد العقل عمله في النّظر والتدبّر والتّأمّل والتفكّر وتسخير الأرض لعمارتها بالخير والعقل والجمال. تلك موازين معاصرة ثلاثة لو نتكافل عليها ونصبر عليها ونورّثها الأجيال نكون قد حفرنا لبنات راسخة عميقة على درب مشروعنا النّهضويّ الواعد.
لعلّك الآن تسأل ـ وسؤالك مشروع ـ تلك الموازين الثّلاثة ـ التّحرّر والصفّ الواحد المتنوّع والعلوم والمعارف ـ كيف كانت موازين؟ أي في مقابل ماذا؟ أليس الميزان ـ كما مرّ بنا حتّى الآن في هذه السلسلة ـ هو ثمرة مقارنة وإختيار بين أمرين؟ تلك الموازين الثّلاثة هي ثمرة مقارنة بين حقبات القهر الطويلة المؤلمة التي حصدت قرونا من تقدّم الأمّة نحو الإنعتاق من نير الإسترقاق الذي آلت إليه بسرعة تغذّ السّير غذّا نحو « هرقليّة تارة وكسرويّة تارة أخرى» أو نحو «ملك عضوض بنابه المسموم تارة وملك جبريّ قهار يورّث الذّلّة والمهانة والدّينونة لغير اللّه سبحانه تارة أخرى» بالتّعبير النّبويّ. 
الميزان هنا هو بين حياة يملؤها الإكراه والقهر والذلّة والهوان وبين تحرّر وإنعتاق. وهي ثمرة مقارنة بين حقبات مثلها ـ وأطول منها ـ من التّمزّق والتّفرّق والتّشظّي ممّا أزاحنا عن المحجّة البيضاء وحوّلنا أمّة يقتل بعضها بعضا ويكفّر بعضها بعضا، ولاؤنا للعدوّ أكثر من ولائنا لأنفسنا. حاق بنا الحال الكئيب الذي نقرؤه في الكتاب ونطرب له متجاهلين أنّه حالنا « كلّ حزب بما لديهم فرحون» . وهي ثمرة مقارنة بين حقبات من الأمّيّة والجهل والتّخلّف الحضاريّ في ميادين العلوم والمعارف ـ دينيّة ودنيويّة سواء بسواء بسبب نبذ الإجتهاد في الدّين في محالّه ـ وليس في غير محالّه ـ وبسبب إبتلاعنا لطعم مسموم عنوانه : الدّنيا لهم أي غير المسلمين والآخرة لنا نحن المسلمين، متجاهلين أنّه لا دين عدا بالدّنيا. 
تديّن منزوع الدّسم التحرّريّ هو مخدّر ككلّ مخدّر يذهب بالعقل ويسلب الإرادة ليكون المتديّن جثّة هامدة بين يدي مغسّله. ودنيا منزوعة الدّسم القيميّ ممّا أفاض الوحي الكريم هي دنيا العجماوات وغابة البكماوات والدّوابّ الكاسرة المفترسة. دون ذلك هي نصرانيّة لا علاقة لها بالإسلام عدا التدثّر بألقاب في غير موضعها كما يحكي هرّ صولة أسد.