وجهة نظر
| بقلم |
![]() |
| د. محمد شكري المرزوقي |
| الخطاب الإسلامي في تونس بعد 2011 بين جسارة الثورة وإكراهات الواقع(4-4) |
4) الخطاب الإسلامي في مراكز البحث والدراسات
عرفت البلاد التّونسيّة بعد سنة 2011 موجة من الحرّيات التي لم تعرفها عبر تاريخها، فتكوّنت الجمعيّات ورخّص للأحزاب، ودعي المفكرون والفلاسفة والدّعاة، وأصبحت البلاد خليّة للنّشاط الثّقافي والدّعوي. وفي هذا الإطار بعثت العديد من مراكز البحث والدّراسات التي أصبحت تشارك في تشكيل العقل الإسلامي التّونسي وتوجّه خياراته، من أهمّها: مركز الإسلام والديمقراطية، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، و مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
4-1) مركز الإسلام والديمقراطية
منذ تأسيس فرعه في تونس ركّز مركز الإسلام والدّيموقراطيّة(1) نشاطه على مقاومة التّشدّد الدّيني، فاستقطب كوكبة من النّاشطين في هذا المجال مثل احميدة النّيفر وصلاح الدين الجورشي وسامي براهم... الذين أثّثوا العديد من ندواته، ولكنّ التّركيز الكبير كان على تكوين الأئمّة والفاعلين في المجال الدّيني في العديد من ولايات الجمهوريّة والأحياء الشّعبيّة التي عرفت انتشارا كبيرا للجماعات السّلفيّة المتطرّفة.
ولتكون أشغاله أكثر فاعليّة أبرم المركز سنة 2014 اتفاقيّة مع وزارة الشّؤون الدّينية تمّ بمقتضاها تدريب الأئمة على:
- الدّيموقراطيّة وحقوق الإنسان والمواطنة
- آليّات فضّ النّزاعات والخلافات
- آليّات الخطابة والتّواصل الاجتماعي
كما قدّم المركز الرّعاية والإحاطة النّفسيّة لأسر الإرهابيّين المغرّر بهم في تونس وفي الخارج، وعائلات ضحايا العمليّات الإرهابيّة، وقد أفضت نشاطات المركز إلى:
- تراجع قناعة الأئمّة بوجود تناقض بين الإسلام والدّيموقراطيّة بنسبة 27 %.
- زادت نسبة قبول الأئمة لتولّي المرأة مناصب سياسيّة عليا 105 %.
- زاد قبول الأئمّة بإمكانية تغيير المعتقد بنسبة 66 %.
- زاد قبول الأئمّة بإمكانية تغيير القناعات بنسبة 103%.
- ارتفعت قناعة الأئمّة بلإمتلاكهم لمهارة الإنصات إلى الرّأي المخالف بنسبة 53%.
- ارتفعت قناعة الأئمّة بامتلاكهم القدرة على تسيير الحوار بين الفرقاء بنسبة51 %»(2).
بالإضافة إلى هذا النّشاط أنجز المركز العديد من المطويّات التي صيغت بطريقة علميّة وإخراج جيّد، واحتوت على مادّة علميّة ودعائيّة فيها الكثير من التّجديد وفق مرجعيّة وسطيّة نابذة للتّطرّف والإرهاب، ووزّعها بالآلاف في كلّ ولايات الجمهوريّة، ومن أهم المواضيع التي وقع تناولها:
- المقدّمات السّلوكيّة للتطرّف
- اللاّعنف في الإسلام
- الخطاب المسجدي
- آداب الاختلاف في الإسلام
- المرأة في الإسلام
- التمدّن الإسلامي
- حرّية المعتقد والضّمير
- الأقليّات في المجتمع الإسلامي
- مرتكزات الخطاب العنيف
- حقيقة الجهاد في الإسلام ...
4-2) الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
يعدّ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (3) من أكثر المؤسّسات إثارة للجدل، ربّما بسبب انخراط العديد من القيادات الإسلاميّة التّونسيّة في هذا الهيكل العالمي أو بسبب مواقف مؤسّسه ورئيسه لمدّة طويلة الشّيخ يوسف القرضاوي(4) الذي يعدّ المرجع الرّئيسي لأغلب حركات الإسلام السّياسي في السّنوات التي سبقت ثورات الشّعوب العربيّة في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين والفترة التي تلتها.
من بين أهداف الاتحاد:
- تكوين مضلّة علمائيّة مرجعيّة جامعة
- الحفاظ على هويّة الأمّة
- نشر الوسطيّة بعيدا عن الغلوّ في الدّين أو التّفريط في الثّوابت
- نشر ثقافة التّسامح وتعزيز المشترك الحضاري
- تقديم موقف علماء الأمّة من المستجدّات والاستحقاقات السّياسيّة والاجتماعيّة
إلى جانب نشاطه العلمي يصدر الاتحاد مجلّة « أمّة الوسط» التي تتضمّن مواقف علماء الأمّة ومفكّريها ودعاتها من مختلف المسائل. ففي عددها الثّاني المعنون«الأمّة الوسط الوحدة والاختلاف» يرجع عبد المجيد النّجار الخلافات الدّائرة بين المسلمين إلى عدّة أسباب لعلّ أهمّها حسب رأيه التّباين الثّقافي وخاصّة التّباين في فهم النّصوص وتأويلها حيث «شطّ البعض إلى ظاهريّة غليظة، وشطّ فيه آخرون إلى تأويل باطني مجحف»(5)، والجهد التّربوي المبذول غير كاف لرأب هذا الصّدع، ممّا زاد في توسيع الفجوة ما ذهب إليه البعض من قراءة حرفيّة للنّصوص مع غفلة عن مقاصد الدّين وإكراهات الواقع من جهة، أو إهدار لدلالات النّصوص وتبخيس التّراث والخضوع للثّقافة الحديثة من جهة أخرى، فيسقط الأول في التّكفير ويسقط الثّاني في الانبتات والعلمانيّة واللاّيقين، «فكأنّما أوكلت للتّربية الدّينيّة صحّة المعتقد، وللتّربية الرّوحيّة الإخلاص في التّقوى، وللتّربية الأخلاقيّة استجماع الفضائل تفضي بصفة تلقائيّة إلى تربية فكريّة تصحّ بها الأنظار»(6)، يقصد النّجار بالفكر المنهجيّة التي يجري عليها عقل الإنسان في بحثه عن الحقيقة النّظريّة والعمليّة، وفي هذا الإطار تكون التّربية الفكريّة «هي صياغة المنهجيّة التي يعتمدها العقل في النّظر على أسس معيّنة من شأنها أن تجعل ذلك النّظر نظرا سديدا يفضي إلى تحقيق المقصود وهو إصابة الحقيقة بأكبر ما يمكن من الأقدار»(7)، وشروط ذلك:
- حرّية الفكر، الحوار الحرّ هو الكفيل بتصحيح المواقف والآراء
- نقديّة المدارس، الانفتاح على أفكار الغير، وتقوية ملكة العقل، وقبول الرّأي المخالف
- شموليّة النّظر، استخلاص الكلّي من النّظر في الجزئيّات
- واقعيّة المنطق، الانطلاق من واقع النّاس والبحث عن الحلول المناسبة لها
- حواريّة التّدافع، التّواصل الفكري مع الآخر المختلف في تأويل النّصوص وفهم المسائل من ذلك مفهوم «الجهاد» الذي تناوله بالدّراسة راشد الغنوشي في نفس العدد وذلك في قراءة لكتاب يوسف القرضاوي «فقه الجهاد»، حيث يقدّم هذا الأخير صورة عامّة عن الجهاد من خلال الكتاب والسّنة والسّياقات التّاريخيّة لهذا المفهوم وبالنّظر لواقع الأمّة الإسلاميّة والمواثيق الدّوليّة المنظّمة للصّراعات والحروب.
أمّا العدد الثّالث المعنون«الفقه السّياسي بين التّقليد والتّجديد» فقد صدر منسجما مع الوضع السّياسي الجديد ومتطلّباته، وتبعا للمستجدات التي طرأت على العقل الإسلامي بعد أحداث الثّورات العربيّة، فكتب محمد أمزيان مقالا حول التّمثيليّة الشّعبيّة في الفقه الإسلامي، وترمي هذه الدّراسة إلى «استقراء مختلف الآراء التي راكمها الاجتهاد الفقهي في المجال السّياسي العربي والإسلامي، والتي تشكّل أرضيّة صلبة نحو استخلاص مجموعة من المعايير الضّابطة لصياغة رؤية معاصرة متوازنة في مجال التّمثيل الشّعبي»(8)، فلا أحد يمكنه أن ينكر قيمة النّصّ الفقهي الإسلامي وقدرته على إغناء المنظومة السّياسيّة المعاصرة، وفي أقصى الحالات حمايتها من التّبعيّة المطلقة لمنظومة المفاهيم السّياسيّة الغربيّة صاحبة السّيطرة في هذا المجال، ويجب أن يتم ذلك دون شعور بعقدة النّقص التي تدفع نحو التّجيير الملتبس لـ«إسلاميّة المعرفة»، وعقدة التّفوّق وامتلاك الحقيقة التي ما انفكت تمنعنا عن كلّ تقدّم وتجديد.
فإذا عدنا إلى أسّ العمليّة السّياسيّة كما صيغت في العقل الفقهي الإسلامي نجد أنّ السّقيفة شهدت الاحتكاك الأوّل للمسلمين مع المسألة السّياسيّة، فلم يشر الرّسول ﷺ إلى كيفيّة اختيار خليفته ولا شكل الحكم الأنسب للمسلمين. ففي السّقيفة بدأ العقل الفقهي في صياغة جملة الآليّات القانونيّة والإجرائيّة والمفاهيم السّياسيّة التي سوف تمثّل الجهاز النّظري للمنظومة السّياسيّة الإسلاميّة وأوّلها مفهوم «الإجماع» المعبّر عن «الإرادات السّياسيّة المتفاعلة والمتدافعة».
من جهة أخرى لم يغب النّصّ وما يحتمله من إمكانات تأويليّة عن العقل الفقهي الإسلامي، فتسمية «الأحكام» فيها إشارة بيّنة لمرجعيّتها النّصيّة، في حين أنّ كلمة «السّلطانيّة» فيها إشارة لما هو دنيوي، وكلّ حديث عن انسجام بين المفاهيم السّياسيّة الوافدة وجهاز المفاهيم الفقهيّة الإسلاميّة هو مجانب للصّواب بسبب «اختلاف المرجعيّات الثّقافيّة المؤسّسة لكلّ منهما»(9)، فرغم وجود فقهاء(10) أرادوا مشاركة أكبر للجماهير في العمليّة السّياسيّة، فإنّ الطّابع النّخبوي كان هو العلامة البارزة للسّياسة الشّرعيّة الإسلاميّة خاصّة في القرن الرّابع والخامس للهجرة حيث تركّزت الأفكار السّياسيّة الإسلاميّة مع كبار المعتزلة وأبو الحسن الماوردي والجويني والغزالي... ومن أهمّ هذه الأفكار مفهوم « أهل الحلّ والعقد» الذي أصبح مركزيّا في السّياسة الشّرعيّة في الإسلام.
في تفكيك هذه الفكرة ذكر الكاتب مسألة العدد وضرورة أن يكون اختيارهم من دائرة قريبة من المرشح، ولكن المسألة الأهم بالنّسبة له هي المسألة الوظيفيّة، أي قيمة الأشخاص الذين يقع عليهم الاختيار وقوّتهم وقدرتهم على إنفاذ اختيارهم وهو ما أطلق عليه اسم « الشّوكة» أي القوّة والنّفوذ والوجاهة مع العلم والعدالة...
ينتهي أمزيان إلى القول بضرورة الأخذ بالفقه السّياسي الإسلامي«فقد أثبتت المادّة العلميّة لهذا التّراث أنّنا بإزاء عمل إبداعي بامتياز ...في نظامه الاستدلالي، وإطاره المرجعي، وحقله الدّلالي»(11)خاصّة بعد أن ثبت أنّ المفاهيم السّياسة الغربيّة وعلى رأسها الدّيموقراطيّة ليست هي دائما الشّكل الأنسب لكلّ المجتمعات، فالمشاركة الشّعبيّة الواسعة قد تضع في الولاية العامّة السّفهاء، والموتورين، والفاسدين، والشّعبويين... وتصبح في هذه الحالة مؤسّسة «أهل الحلّ والعقد» إذا ما انسجمت مع الغايات السّامية التي رسمها لها الفقهاء لا كما وظّفها الحكّام في التّاريخ الإسلامي، تصبح صمّام أمان أمام كلّ تجاوز.
قد يقبل هذا الموقف في مؤسّسة مثل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وينشر في أعمدة دوريّاتها ولكن توجد مؤسّسات أخرى انتصبت في تونس بعد الثّورة، تبني نسقها الفكري على نقد الفكر التراثي، تتطلّع إلى آفاق جديدة باعتماد مناهج جديدة، أطلقت على نفسها اسم « مؤمنون بلا حدود».
4-3) مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث
مؤسّسة مؤمنون بلا حدود(12) من أبرز المراكز البحثيّة النّاشطة في منطقة المغرب العربي وخاصّة في تونس والمغرب، وتعدّ دورياتها « يتفكّرون» و«ألباب» و«ذوات» وكتبها الصّادرة في سلسلة من المشاريع البحثيّة تحت إشراف بسّام الجمل(13) بعنوان « تجديد الفكر الإسلامي: مقاربة نقديّة»، التي ظهر الكتاب الأوّل منها في جزأين تحت عنوان « أعلام تجديد الفكر الدّيني»، وظهر الكتاب الثّاني كذلك في جزأين تحت عنوان «محاولات تجديد الفكر الدّيني» وهي الكتب التي سوف نعتمدها في بيان رؤية هذه المؤسّسة للتّجديد وأهمّ المقاربات التي تتبنّاها وتدافع عنها.
الكتاب الأول هو عبارة عن جملة من الدّراسات والأبحاث التي قام بها مجموعة من الباحثين تحت إشراف الباحث بسام الجمل، تقوم هذه الدّراسات على التّعريف بأهمّ الشّخصيّات العلميّة المجدّدة للفكر الإسلامي في عديد الاختصاصات مثل المفكّر السّوداني محمد محمود طه وأبو القاسم حاج حمد، والجابري وأركون، وطه عبد الرحمن، وحسن حنفي، ومحمد شحرور، واحميدة النيفر.
أمّا الكتاب الثّاني فيتكوّن من جزأين تحت عنوان « محاولات تجديد الفكر الإسلامي: مقاربة نقديّة»، وهو مشروع بحثي ضخم يبحث في عدّة مسائل متعلّقة بالتّجديد وفي علاقة مباشرة بالمرجعيّات وهي:
- البحث عن إمكانيّة صياغة تعريف جامع لمفهوم «التّجديد»؛
- التّعرّف إلى الرّهانات الصّريحة والضّمنيّة، والمطالب الواعية وغير الواعية التي حملت الباحثين على تجديد الفكر الإسلامي؛
- تقويم مسارات التّجديد المعتمدة وتعيين المعايير المستخدمة في تطبيقه على منتجات الفكر الإسلامي قديما وحديثا؛
- الوقوف على مدى مواءمة محاولات تجديد الفكر الإسلامي لشواغل المسلمين
- تبين أهمّ العوائق المعرفيّة والتّاريخيّة؛ التي قد تعطّل مشاريع تجديد الفكر الإسلامي» (14)
تعدّدت البحوث والدّراسات في هذا الكتاب لتشمل مختلف العلوم الإسلاميّة (تفسير، وعلم كلام، وفقه، وفلسفة، وتاريخ...)؛ ففي مجال السّيرة مثلا كتب حسن بزاينية(15) مقالا عن جهود بعض المحدثين في تجديد خطاب السّيرة النّبويّة انتقينا منه ما يتعلّق بالمؤرّخ التونسي هشام جعيط ، الذي يدرج تاريخ النّبي محمد ﷺ داخل التّاريخ العام بجوانبه المعيشيّة الإنسانيّة أي الاجتماعيّة والثّقافيّة...، أي يرفع عنه هالة القداسة التي ركّزها القدامى، ويتعامل مع الأحداث وفق المناهج النّقديّة الحديثة. يقرّ جعيط بصعوبة هذا التّناول بسبب التّداخل بين المقدّس والدّنيوي في هذه الفترة، والتّاريخ علم وضعي وأرضي يتناول وضعيّات الأفراد والجماعات في فترة زمنيّة معيّنة دون الالتفات إلى ما هو غيبي وإيماني أو مقدّس، وهو الطّريق الذي انتهجه المستشرقون الذين ركّزوا على الغايات الدّنيويّة التي أصبحت وراء أعمال الرّسول ﷺ في الفترة المدنيّة مثل الغنيمة والتّوسّع، كما شكّك في قصّة غار حيراء وفي أميّة الرّسول ﷺ، وغرضه من هذا العمل هو استخراج تاريخ نقدي للرّسول من خلال قصص السّيرة وهو عمل محكوم بالقصور حسب رأيه لعدم ثقته في المصادر الإسلاميّة التي كتبت في وقت متأخّر (بعد مائة سنة)، كما أنّ أغلب هذه الوثائق كتبت تحت أعين السّلط الحاكمة وهذا ما قد يفقدها وجاهتها العلميّة، لهذا فهو لا ينكر اعتماده على المناهج الغربيّة الحديثة في أعماله.
جاء الجزء الثّاني من الكتاب في شكل بحوث معمّقة حول مسائل تطبيقيّة في مجال تجديد الفكر الإسلامي منها:
- التأويليّة الجندريّة للقرآن قراءة في كتاب « القرآن والمرأة» لأمينة ودود
- قراءة في كتاب عياض بن عاشور «الفاتحة الأخرى، الإسلام وفكر حقوق الإنسان»، وكذلك العمل الدّيني وتجديد العقل عند طه عبد الرحمن، وأعمال محمد أركون ونصر حامد أبوزيد، وحسن حنفي...
الخاتمة
إنّ أحد أهمّ متطلّبات المراجعات النّقديّة الجادّة هو الخروج من المسلّمات والدّوغمائيّات والوثوقيّات التي سيطرت على الفكر الإسلامي بشقّيه اللّيبرالي والسّلفي منذ منتصف القرن التّاسع عشر إلى اليوم، وهي من جهة سيطرة فكرة الاستثناء التي تعتبر الإسلام نسيجا فوق التّاريخ وغير قابل للمراجعة لكونه يستند إلى مرجعيّات فوق إنسانيّة، وفي المقابل تخلّي الشّقّ الحداثي عن إنكار الدّور المحوري الذي لعبه الإسلام في التّاريخ الإنساني ومساهمته الفعّالة في عقلنة الفكر البشري وأنسنته وقدرته اليوم على خلق الحلول لإنسان أنهكه الفقر والجهل والفساد فانتفض بحثا عن الأفضل، وكذلك التّخلّي عن بعض المقالات الاستشراقيّة التي تقدّم صورة مشوّهة عن الفكر الإسلامي.
ففي تونس وبعد الانفتاح السّياسي الذي لم تعرف له البلاد مثيلا طيلة تاريخها وعوض أن تكون الأعين متشوّفة إلى البدائل والمستقبل، والهمم منشدّة إلى التّجديد والتّجاوز، عرفت البلاد حالة من النّكوص والتّراجع بسبب الصّراع على الهويّات والمرجعيّات، وقد أشار المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز إلى حالة المغالبة التي تعيشها الجماعات والمؤسّسات الرّسميّة وغير الرّسميّة الإسلاميّة بسبب ما أسماه وائل حلاّق سلطة المرجيّة فقال « أن يكون الحاضر هو خلفيّة السّؤال عن الماضي معناه أنّ في هذا الحاضر أوضاعا غير طبيعيّة تجبر الوعي إمّا على الهروب منه إلى الماضي، وإمّا على إعادة فحص البدايات والمقدّمات والأصول، ثمّ معناه أنّ هذا الحاضر لم يستطع أن يفرض نفسه على المنتمين إليه بوصفه سلطة وفضاء مرجعيّين يستغنون بهما عن أيّ زمن اجتماعي أو ثقافي سابق لذلك العصر»(16).
أما اليوم وقد أغلق باب العمل السّياسي على الجميع فهل تستطيع المؤسّسات الرّسميّة، والجماعات الثّقافيّة والسّياسيّة الإسلاميّة، والمجاميع الأكاديميّة، ومراكز البحث والدّراسات المهتمة بالفكر الإسلامي عامّة التّفلّت من حالة المغالبة وصراع الأضداد الذي استمرّ لأكثر من ستّة عقود، والعمل بمبدأ التّدافع الإيجابي على إنتاج المعنى وخلق المفهوم وفق أفق الجهد التّنويري التّونسي الذي يستمدّ مقدماته من مرجعيّاته القيروانيّة، والزّيتونيّة بمقاصدها المنفتحة على القيم الكونيّة والتّأسيس لفكر إسلامي تونسي قادر على بعث الفاعليّة في الإنسان والمجتمع وإلحاقه بالمجتمعات القادرة على الاستئناف الحضاري؟
الهوامش
(1) مركز الإسلام والديموقراطية: تأسس في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1999م وله فرع في العاصمة التونسية، من أهم الشخصيات المشاركة في نشاطه رضوان المصمودي، وآمنة النيفر... موقع أكاديمية المركز
بتاريخ 20/04/2022 http://www.csid-academy.org/course/index.php?categoryid=5
(2) التقرير النهائي لمشروع» اليد في اليد « لمكافحة العنف والتطرّف، مركز دراسات الإسلام والديموقراطية، 2017-2018، ص 25.
(3) الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: مؤسسة علمائية تجمع العلماء المسلمين الذين يسلكون طريق الوسطية والاعتدال والاستقلالية، تأسس سنة 2004 وأصبح له فروع في عديد الدول أبرزها تونس وتركيا. انظر الموقع الرسمي للاتحاد https://iumsonline.org/ar/
(4) القرضاوي (يوسف)، من مواليد 1926 بمصر، داعية وعالم وشاعر وسياسي كثير التأليف، متعدّد الاختصاصات، طبعت كتبه بأغلب اللّغات الإسلامية، يعتبر المرجع والملهم لأغلب الشّباب الإسلامي الوسطي والمعتدل بفضل قدرته على التّأصيل الإسلامي والانفتاح على علوم ومعارف العصر، من كتاباته «الحلال والحرام في الإسلام»، و«فقه الزكاة»، وكتاب «الإسلام والعلمانية وجها لوجه» وكتاب « فتاوى معاصرة»
(5) النجار (عبد المجيد)، دور التربية الفكرية في الوحدة الثقافية بين المسلمين، مجلة «أمة الوسط»، العدد الثاني، جوان 2010، ص 111.
(6) مص-ن، ص 113.
(7) مص-ن، ص 115.
(8) أمزيان (محمد) ، مقال بعنوان» التمثيل الشعبي : «آليات الاختيار وإشكالية الشرعية»، مجلة أمة الوسط، العدد الثالث، 2012، ص 225.
(9) مر-ن، ص 232.
(10) من هؤلاء الإمام أبو حنيفة والإمام زيد والإمام أحمد بن حنبل ، يرى صاحب المقال أن هذه المواقف لها ما يبررها تاريخيا، فقد كان هؤلاء من المعارضين للعديد من خلفاء بني أمية وخلفاء الدولة العباسية.
(11) مر-ن، ص 245.
(12) مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث: تعد هذه المؤسسة التي بعثت بعد الثورات العربية من أنشط المراكز العاملة في شمال إفريقيا، وما كثرة الإصدارات، والندوات، والحوارات، وخاصة كثرة المقالات الصادرة في الأربعة دوريات الذين يتبعون المركز وهم مجلة « يتفكرون»، ومجلة «ألباب»، ومجلة «ذوات»، ومجلة «تأويليات» إلا دليل على قوتها العلمية والمالية. انظر موقع المؤسسة https://www.mominoun.com بتاريخ 20/02/2022.
(13) الجمل (بسام) ، باحث وكاتب تونسي من أهم كتبه «أسباب النزول» وكتاب «الإسلام السني ، يشرف على التحكيم العلمي لبحوث قسم الموروث الديني بمؤسسة مؤمنون بلا حدود. الموقع الرسمي لمؤمنون بلا حدود https://www.mominoun.com/auteur تاريخ الدخول 12/2/2022
(14) الجمل (بسام) ، مقدمة كتاب « محاولات تجديد الفكر الإسلامي، مقاربة نقدية، تأليف، مجموعة من الباحثين، ج1، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط، ط1، 2016، ص 23.
(15) بزاينية (حسن)، أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة تونس المنار.
(16) بلقزيز (عبد الإله)، أسئلة الفكر العربي المعاصر، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، سنة 2001، ص77.
|




