في الصميم
| بقلم |
![]() |
| نجم الدّين غربال |
| مَلاَمِحْ نِظَامٍ مَالِي قَوِيٌّ ومُنْصِفْ مؤسسات التّأمين: الواقع والآفاق |
تمهيد
مساهمةً منّا في تقديم الدّراسات والبدائل ضمن أنشطة «منتدى الفارابي للدّراسات والبدائل»؛ توشك سلسلة مقالاتنا المعنونة بـ «نحو بلورة ملامح نظامٍ ماليّ قويّ ومنصف» - التي شرعنا في نشرها عبر مجلّة «الإصلاح» الإلكترونيّة منذ مطلع العام - على الاكتمال. وقبل الخوض في «مؤسّسات التّأمين» بوصفها ثاني ركائز النّظام الماليّ المنشود؛ يجدر بنا التّذكير - تمهيدًا لهذا المقال - بأبرز ما خلصنا إليه خلال بحثنا في «مؤسّسات التّمويل الأصغر»(1) (أولى ركائز ذلك النّظام). فقد رصدنا ثلاثة إشكالاتٍ رئيسة تواجه التّمويل الإسلاميّ أثناء معالجته لظاهرتي الفقر والبطالة؛ وهي إشكالاتٌ شملت: منتجات التّمويل، ومؤسّساته، ومصادره، كما نبّه إليها الباحث أنس الحسناوي(2). وقد أعاقت تلك العقبات عمليّة تمويل الفقراء في الواقع، رغم الفرص الكبيرة التي يُتيحها الطّرح النّظريّ للتمويل الإسلاميّ.
وفي سياق البحث عن حلول، توصّلنا إلى أنّ الالتزام بمقاصد الأحكام الشّرعيّة، وحُسن تفعيل مؤسّسات التّمكين الاقتصاديّ الإسلاميّ، وابتكار صيغٍ جديدةٍ للوقف؛ يُمكنها مجتمعةً معالجة إشكاليّة غياب التّمويل الفعليّ للفقراء. وعمليًّا، برزت مؤسّسات التّمكين الاقتصاديّ، ومفاهيم التّمويل التّنمويّ، والوقف التّنمويّ؛ وهو ما فصّلناه في مقالٍ سابقٍ على أعمدة المجلّة(3).
أمّا اليوم، ولمواجهة الإشكال الثّالث المتعلّق بـ «المنتجات»، تبرز تجربة التّأمين التّكافليّ في ماليزيا أنموذجًا نوعيًّا. ولكن، قبل استعراض تلك التّجربة للاستفادة منها، سنقف أوّلًا عند واقع قطاع التّأمين عالميًّا ومحليًّا في تونس.
1. قطاع التأمين: الواقع والآفاق
يُمثّل قطاع التّأمين ركيزةً أساسيّةً في الاقتصاد العالميّ، ورافدًا تمويليًّا واعدًا في النّظام الماليّ الدّوليّ. وتشير مؤشّرات عام 2026 إلى أنّ هذا القطاع يشهد تحوّلًا جذريًّا في ظلّ الثّورة الرّقميّة وتبنّي تقنيّات الذّكاء الاصطناعيّ؛ إذ ينصبّ التّركيز حاليًّا على «التّأمين القائم على الخوارزميّات»، ممّا يُسهم في تقليص التّكاليف التّشغيليّة بنسبةٍ تصل إلى 20%.
ويصل مجموع أصوله إلى 42 بليار دولار (122 ب د) نهاية 2024 مسجّلاً نسبة نمو بـ 3% مقارنة بسنة 2023، في حين وصل مجموع خصومه 37 بليار دولار (106 ب د) بنسبة نمو بلغت 4.4%(4). كما يتوقّع الخبراء أن تتجاوز أقساط التّأمين العالميّة حاجز 10 تريليون دولار لأوّل مرّة بحلول نهاية عام 2026، مع نموّ قويّ في أسواق التّأمين على الحياة والتّأمين العام، خاصّة في الأسواق النّاشئة.
ومن أهمّ أنواع التّأمين في العصر الحالي: التّأمين ضدّ المخاطر المناخيّة، الذي يُعدّ المحرّك الأكبر لنموّ قطاع التّأمين العامّ؛ والتّأمين السّيبرانيّ الذي يُصنّف الأسرع نموًّا في عام 2026؛ إضافةً إلى التّأمين المرتبط بالتّحدّيات الاقتصاديّة. ويضطلع قطاع التأمين بأنشطة تشمل كراء الأصول وتمويل الاقتصاد، ومن المؤثّرات الفاعلة على القطاع نذكر أساساً حالة الأسواق المالية والوضع الاقتصادي ومستوى الابتكار. أما على المستوى المحلي التونسي فقد عرف حجم الأصول في قطاع التأمين تزايداً ملحوظاً حيث قفز من 4.895 مليون د (م د) سنة 2017 إلى 9.595 م د منتصف سنة 2024، أي بنسبة تجاوزت 196% حسب الهيئة العامة للتأمين (CGA)، إلا أنّ الحجم بقي دون المأمول وذلك لعدّة عوامل منها ضعف السوق المالية التونسية وانكماش الاقتصاد وضعف الابتكار في ميدان التأمين(5).
واستنادًا إلى ما نُشر مؤخّرًا في مجلّة «الإيكونوميست»(6)، تجاوزت مداخيل قطاع التّأمين في تونس 4000 م.د بنهاية عام 2025، في حين رُسم هدفٌ لبلوغ 5000 م.د بحلول عام 2030؛ وهو هدفٌ عدّه المختصّون ممكن التّحقّق، بل إنّ المبلغ المحدّد لا يزال بعيدًا عن التّطلّعات. ورغم ذلك، فالفرصة سانحةٌ ليتّخذ قطاع التّأمين مكانته كمستثمرٍ مؤسّساتيّ بامتياز. وبحسب الهيئة العامّة للتّأمين (CGA)، فإنّ المنح للمؤسّسات سجّلت ارتفاعًا سنة 2024 بنسبة 10.8% مقارنةً بسنة 2023.
وقد شَهِد سوق التّأمين التّونسيّ إثراءً بمؤسّساتٍ تعتمد مبادئ التّمويل الإسلاميّ (التّكافليّ)، وتُعدّ «الزيتونة تكافل» إحدى أبرز هذه المؤسّسات؛ إذ حقّقت صافي ربحٍ تجاوز 8.6 م.د، لتستحوذ بذلك على 3% من سوق التّأمين في البلاد(7). ويغطّي هذا القطاع في تونس مجالاتٍ عدّة، أهمّها: التّأمين على السّيّارات، والحياة، والمرض، والمخاطر المحتملة، والحرائق، والنّقل.
ويكتسي قطاع التّأمين أهمّيّةً قصوى؛ لما يمثّله من رافدٍ أساسيٍّ للتّمويل الضّروريّ لتحقيق التّنمية المستدامة في بلادنا. فأمام ضخامة الاحتياجات التّمويليّة – التي قدّرها البنك الدّوليّ بـ 21 مليار دينار للفترة الممتدّة بين عامَي 2025 و2030 لمجابهة مخاطر التّغيّرات المناخيّة فحسب(8) – وفي ظلّ عجز الموارد الماليّة ومحدوديّة القدرة على التّداين؛ يغدو تطوير القطاعات التّمويليّة، بما فيها التّأمين، مسألةً حيويّةً؛ لضمان تدفّق الأموال اللّازمة لتنشيط الاستثمار، ومن ثَمّ تحريك عجلة الاقتصاد.
وتعترض قطاع التّأمين في بلادنا - ولا سيّما على مستوى الاستثمار - عوائقُ عدّة، أبرزها المخاطر المرتفعة؛ كعدم تطابق الآجال، ومحدوديّة الأسواق، والعراقيل التّشريعيّة، وصعوبة الولوج إلى فرص استثمارٍ ذات جدوى. وفي المقابل، تلوح أمام القطاع فرصةٌ للمساهمة في رفع نسب النّموّ الاقتصاديّ عبر آليّة «إعادة التّأمين»(9)؛ إذ إنّ شركات التّأمين التي تعمل دون هذا الغطاء تتحمّل عبء المخاطر وحدها، ممّا قد يُفقدها القدرة على الاستمرار. ويُعدّ إعادة التّأمين نشاطًا استثماريًّا بحدّ ذاته، يضخّ رؤوس أموالٍ إضافيّةً طويلة المدى في الأسواق. ولكي يُحافظ القطاع على دوره التّمويليّ والتّنمويّ، لا بدّ له من الانخراط الفعليّ في العصر الرّقميّ، وسرعة التّأقلم مع الذّكاء الاصطناعيّ. ولا يتوقّف التّطوّر المنشود على ذلك فحسب، بل يعتمد على كيفيّة إدماج الأدوات الرّقميّة في مراحل العمل كافّة، وتمكين الكفاءات البشريّة من استيعاب الذّكاء الاصطناعيّ وتوظيفه جيّدًا؛ بما يُعزّز قدرة القطاع على توليد موارد تمويلٍ إضافيّة.
2. تجربة التأمين التكافلي الماليزية
تُعدّ تجربة التّأمين التّكافليّ في ماليزيا مرجعًا أساسيًّا لكلّ مَن يؤمن بجدوى التّمويل الإسلاميّ وفاعليّته؛ نظرًا لنجاحها في تطوير قطاع التّكافل، وترسيخ قيم التّعاون والتّضامن داخل النّظام الماليّ؛ ممّا انعكس إيجابًا على نسب النّموّ، ووفرة المنتجات، والقدرة العالية على تغطية المخاطر. ولم يأتِ هذا النّجاح محض صدفة، بل كان ثمرةً لتضافر عوامل عدّة، منها: متانة الإطار القانونيّ، ودعم البنك المركزيّ، وجهود شركات التّكافل المتواصلة لسنوات؛ الأمر الذي أدّى إلى مراكمة الخبرات، وتحسين إدارة الموارد، وحُسن توظيف الكفاءات البشريّة، فضلًا عن ضمان نجاعة استثمار أموال التّأمين. وفيما يأتي نذكر أبرز جوانب التّجربة الماليزيّة التي يُمكن الاستفادة منها:
* الريادة العالمية في صناعة التكافل ومأسسته.
*الاعتماد على إطار قانوني وتشريعي مثمر لنمو قطاع التأمين وتكامله.
* جعل التأمين التكافلي صناعة راسخة ومتكاملة(10).
* ابتكار منتجات تأمينية متنوّعة، وتقديم حلول مبتكرة تلبّي احتياجات العملاء(11).
* اعتماد التكافل كاستراتيجية فعّالة لإدارة المخاطر من خلال التعاون بين المشتركين لتقليل الآثار السلبية للحوادث والأمراض(12).
* الاستثمار في تدريب الأفراد لتعزيز قدراتهم في سوق العمل، ممّا يدعم نمو القطاع(13).
* جعل تجربة ماليزيا نموذجاً يُحتذى به للدول الأخرى لتطوير صناعة التمويل والتأمين الإسلامي.
حتى نلتقي ...
من أهمّ الاستنتاجات التي خلصنا إليها ما يأتي:
* يُعدّ قطاع التّأمين رافدًا واعدًا من روافد التّمويل في النّظام الماليّ الحاليّ والمنشود على حدّ سواء.
* يمتلك القطاع المقوّمات لتبوّؤ مكانته كمستثمرٍ مؤسّساتيّ بامتياز، يُسهم في دفع عجلة النّموّ الاقتصاديّ.
* إمكانيّة البناء على تجربة مؤسّسات التّأمين القائمة على مبادئ التّمويل الإسلاميّ، وتطويرها، مثل تجربة شركة «الزيتونة تكافل»
ختامًا، وسعيًا للمساهمة في إرساء دعائم نظامٍ ماليّ قويّ ومنصف؛ نورد أهمّ التّوصيات المنبثقة عن هذا البحث:
*الاستفادة القصوى من التّجربة الماليزيّة الرّائدة في التّأمين التّكافليّ، عبر توفير المقوّمات والشّروط اللّازمة لنجاحها محليًّا.
* مواكبة متطلّبات العصر الرّقميّ بفاعليّة، وحسن توظيف تقنيّات الذّكاء الاصطناعيّ للارتقاء بصناعة التّأمين في بلادنا..
* تعزيز مأسسة قطاع التّأمين، وترسيخ قيم التّعاون والتّضامن والتّكافل مبادئَ جامعةً لكافّة المتدخّلين فيه؛ لتغدو محرّكًا لنموه، ومفعّلًا لدوره بوصفه رافدًا حيويًّا يوفّر الموارد الماليّة اللّازمة لدفع عجلة النّموّ الاقتصاديّ وتحقيق التّنمية المستدامة.
الهوامش
(1) راجع مقالنا بمجلة الإصلاح الالكترونية عدد 222 ص 32 – 37 www.islah.mag
(2) أنس الجسناوي التمكين الاقتصادي الرؤية والافاق –2018 نماذج من تجارب البنك الاسلامي للتنمية / ملتقى صفاقس الدولي الخامس للمالية الاسلامية تونس 07/04/2018 Anasse.elhasnaoui@4usrna
(3) راجع مقالنا بمجلة الإصلاح الالكترونية عدد 218 ص 28 – 35 www.islah.mag
(4) L’ECONOMISTE MAGHREBIN SPECIAL FINANCE EDITION 2024 N° OCT 2024 p 58
(5) المرجع السابق ص.ص 62-64
(6) L’ECONOMISTE MAGHREBIN SPECIAL FINANCE EDITION 2025 N° 931 NOV 2025 p 42 -44
(7) L’ECONOMISTE MAGHREBIN SPECIAL FINANCE EDITION 2024 N° OCT 2024 p 62
(8) المرجع السابق ص 58
(9) إعادة التامين هو عبارة عن تحويل جزء من المخاطر لمؤسسات تامين أخرى بهدف تقاسم المخاطر ومن ثمة تقليص الأثر المالي للخسائر الهائلة والغير متوقعة.
(10) https://asjp.cerist.dz/en/article/192953
(11) https://bjak.my/blog/car-insurance/takaful-malaysia-car-insurance
(12) https://asjp.cerist.dz/en/article/192953
(13) مجلّة العلوم السياسيّة والقانون - المركز الديمقراطي العربي - العدد 3 - يوليو 2017.
|




