حديقة الشعراء

بقلم
الشاذلي دمق
ماذا في المزاد السرّي
 أتعبتُها حُروفي  
تَنثال عليّ لتَحملَ عنّـي
فيضيق مجالُها وينحسرْ
عَفوًا أحرفي 
ما أضيق أمْداء عِلْمِكِ  
بِتهويمات عقلي وكمائنِ صدريَ العَثِرْ
مُذْ متى كانت الكلماتُ 
تملُك مقاليدَ الأفئدة
وألبابَ البشرْ؟!
يُجلجلُ اللّفظُ حثيثًا 
يُهرول خلف كلّ مغزى 
عَصِيَ فيه اقتناصُ العِبرْ
فما هو بالبالغِ أمره 
ولا كذلك صمتي. 
كلاهما خاسئٌ حَسيرٌ منكسرْ 
قاصرةً واللّه، وباهتة
تَنْتفِض مَلافظي، فأسكُتُ 
ويُربكُها فِيَّ سُكونُ الحَجَرْ
يخونني التّعبيرُ فألوذ بالصّمت
وأنكفئ على ذاتي  
مُنْتَحِيًا دروب التّحنُّثِ وإليها أفِرْ 
فيطُول في نفسي سِجالي 
ما بين بيانٍ وإحجامٍ       
وكلُّ شيء من حولي قد اكْفْهَـرّْ
فَأَيٌّ أَبْلغ؟ وأيُّهما أَفصَح؟
قَوْلي؟ أم سُكوتي
وأكتفي بالسّمعِ ورَصْدِ البصيرة 
 … والبصر 
آهٍ، لَكَمْ شَطَّتْ بيَ الهُوّة واتّسعتْ 
بين فِقه اللَّغْوِ 
والمعنى المُستَتَرْ 
يا إلهي، مُضلِّلة جدّا 
تعاريج لُغتنا الأبيّة
مفاهيمُها زائغة، يشوبها الرَّيبُ والحذَرْ
تُراوغني المُفرداتُ.. تلْتفُّ عليَّ،
وتلتوي على ألف معنى ومعنى
ثُمّ تنهار أمامي كلُّ المقاصد وتندثرْ 
ما عاد اللًّسانُ سيّد الموقف. 
لَرُبّما الصّورة هي وحدها الأفيون   
في عالم مجنون وماجن أشِرْ
تَمَأْسَسَتْ الصّورة 
حتّى صار القول تصدِيَةً 
ومُكاءً هجينا، فيا سُوء الخبرْ
لَكَم حَفِيَت ألفاظُ العُروبة
لا كما عَهِدناها، لها في كلِّ الدُّنَى
أصداءُ عُبورٍ وجوازُ سَفَرْ
فلا نَثْر اليوم يستحقّ تَنويهًا 
ولا شِعرَ على الحقيقة جديرٌ بالثّناء 
فأين اللَّوْذَعِيُّ؟؟ وهل من مُدَّكِرْ؟؟  
ما عاد أَريبُ البلاغة
قُرصانًا لِياقوتِ الكَلِم
غاب تِبرُ المنطق والافتتان بالدُّرَرْ
خِطابُنا صورةٌ لِتعليبِ الكلام 
ليس إلّا، وترويضِ اللّسان
على عَلْك الحروف. فما يُنتظَرْ؟
قَطعًا، لا إبداع.. ولا نبوغ..
ولا حتّى مدائن عَبْقَر
سَتُنجب لنا المَصاقِعَ والغُرَرْ
صرنا قانعين، نَتوارث الضّحالة
وصيَغَ القَماءة وسُقْمَ التّعابير
فبِئْس الحظُّ لغَطٌ! وبئس الظّفَرْ!
كلُّنا اليوم - وبِكَلْكَلِنا -  على المِحَكّ
حضارتُنا المشوبة.. آفاقُنا المعطوبة..
هُويّتُنا المسلوبة ولُغتنا تَحتضِرْ!
مجدُنا الضّائع.. قِيَمنا المهزوزة 
تاريخُنا المزعوم..
وانتماؤنا مُنشطِرْ.
حتّى الأرض أنصفتنا، وما جَنَت علينا.
حين اغتربتْ اللّغة الأم،
لَفَظَتْنا كأعجاز نَخلٍ مُنقعِرْ
ويوما لناظره إن تقاصرت لغتنا،
تفنى أيضا جدوى كل الصُّور
ولن يبقى إلاّ هُمودُ الأعاجم ولَثْغُ الغَجَرْ
غدا، سيعلم الأحفاد 
كم فرّطنا في المحاذير، وتركناها
على الغوارب الأحابيل، ولكل نبإ مستقَرّْ
فمن يشتري منّي لسان العرب؟!
قد مات صاحبه، ولا وريث له
ولم يعد للحرف ألق ..
ولا للأبجديّة.. ذاك الأثَرْ