شخصيات الإصلاح
| بقلم |
![]() |
| التحرير الإصلاح |
| د.عبد الإله بلقزيز |
الدكتور عبد الإله بلقزيز هو أحد أبرز المفكرين والفلاسفة المغاربة المعاصرين، ويُعدّ صوتاً مركزيّاً في دراسات الفكر السّياسي العربي والإسلامي. من مواليد عام 1959. تحصّل على دكتوراة الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالرّباط. وهو أستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثّاني في الدّار البيضاء. كان سابقاً الأمين العامّ للمنتدى المغربيّ العربيّ في الرّباط، ومستشارا ومديرا للدّراسات في «مركز دراسات الوحدة العربيّة» في بيروت. نال جائزة المغرب للكتاب في العامَين 2009 و2014، وجائزة السّلطان قابوس للثّقافة والفكر والفنّ عن مجموع أعماله الفكريّة في العام 2013. صدر له ما يزيد عن ستّين كتاباً في الفلسفة، والإسلاميّات، والفكر العربيّ، والفكر السياسيّ، فضلا عن مئات المقالات والدّراسات.
يرتكز مشروع عبد الإله بلقزيز الفكري حول النّقد المزدوج: نقد الواقع السّياسي العربي المعاصر، ونقد الفكر (التّراثي والحداثي) الذي يتعامل مع هذا الواقع. ويمكن تلخيص ملامح مشروعه في المحاور الرّئيسيّة التّالية:
1. «الدولة» كإشكاليّة مركزية
يُعتبر بلقزيز من أهمّ الباحثين الذين فكّكوا «مسألة الدّولة» في الفكر العربي. وهو يبحث في الدّولة ليس كتاريخ، بل كبنية فكريّة وسياسيّة. ففي كتابه «الدّولة في الفكر الإسلامي المعاصر»، يحلّل كيف ينظّر الإسلاميّون للدّولة، وكيف يختلف مفهومها لديهم عن مفهوم الدّولة الحديثة. كما يبحث في العلاقة الملتبسة بين «الدّولة والمجتمع» في السّياق العربي، وجدليّات الانقسام والتّوحيد التي تحكمها. ويحللّ أزمة الشّرعيّة التي تعاني منها الدّولة العربيّة المعاصرة.
2. نقد «الوساطة» في إشكاليّة الدّين والسّياسة
يخوض «بلقزيز» بعمق في العلاقة بين «الدّيني» و«الدّنيوي» (أو السّياسي)، ويدعو إلى تحرير الدّين من «الوساطة» و«الكهنتة» (سلطة رجال الدّين) التي تحتكر تفسيره، وتحرير السّياسة من هيمنة الفهم الدّيني، وبنائها على أسس «مدنية» و«ديمقراطية» و«عقلانية». ففي كتابه «الدّيني والدّنيوي: نقد الوساطة والكهنتة» (في العام 2018)، يقدّم نقداً جذريّاً لسلطة «الوسطاء» (رجال الدّين أو الدّعاة) الذين يحتكرون تفسير النّصّ ويستخدمونه كأداة سياسيّة. وفي كتابه المثير للجدل «نهاية الدّاعية» (في العام 2000)، يرصد تحوّل «الدّاعية» من رجل دين تقليدي إلى «نجم إعلامي» و«فاعل سياسي». ويرى أنّ هذا التّحوّل أفقد الدّاعية مصداقيته الدّينية، وأثبت فشله في تقديم مشروع سياسي ناجح، لأنّه يخلط بين منطق «الدّعوة» (القائم على المطلق الأخلاقي) ومنطق «السّياسة» (القائم على النّسبي والممكنات والمصالح).
ويُعد «بلقزيز» من أشدّ منتقدي «تسييس الدّين»، أي تحويل الدّين من «رسالة» روحيّة وأخلاقيّة إلى «أيديولوجيا» سياسيّة هدفها الوصول إلى السّلطة.
ففي كتابه «الإسلام والسّياسة» يعارض توظيف الدّين في صياغة المجال السّياسي العربي مبرزا موقفه ممّا يسمّى بالإسلام السّياسي، إذ يعتبر المشروع السّياسي لهذه الحركات «نكوصاً» (تراجعاً) عن مشروع «الدّولة الوطنيّة الحديثة» الذي حاول التّوفيق بين الإسلام والحداثة والذي بدأه الإصلاحيّون الأوائل مثل الطّهطاوي وخير الدّين التونسي. ويرى أنّ الخلل الأكبر في فكر الإسلام السّياسي هو الخلط بين «الدّيني» (الإلهي، المطلق) و«السّياسي» (البشري، التّاريخي، النّسبي). فقد أعادت -حسب بلقزيز- حركات الإسلام السّياسي (خاصّة في مرحلة «الصّحوة») طرح مشروع «الدّولة الإسلاميّة» أو «الخلافة» القائم على مفهوم «الحاكميّة»، وهو نموذج يراه بلقزيز متعارضا مع الدّولة الوطنية لأنّه لا يعترف بالحدود الوطنية أو المواطنة كأساس للحقوق. وهو مشروع ثيوقراطي (ديني) لأنّه يسعى لجعل «الشّرع» (بفهم بشري محدّد) هو مصدر التّشريع الوحيد، ممّا يخول لسلطة «الفقهاء» أو «الدّعاة» الهيمنة على المجال السّياسي.
وعلى الرغم من نقده الجذري لمشروعها السّياسي والفكري، إلاّ أنّ بلقزيز في كتاباته (مثل «الإسلام والسياسة») يعترف لهذه الحركات بالأدوار الاجتماعيّة التي لعبتها في «الممانعة» ضدّ الاستبداد، وملء الفراغ الذي تركته الدّولة، والدّفاع عن الهوية الثقافية. لكنه يرى أن هذا الدور الاجتماعي لا يمنح مشروعها السياسي «صك براءة» من النقد.
3. التراث والحداثة (النّقد العقلاني)
يتعامل «بلقزيز» مع «التّراث» و«الحداثة» كموضوعين للنّقد العقلاني، بعيداً عن التّقديس أو الرّفض المطلق. ففي كتابه «العرب والحداثة: دراسة في مقالات الحداثيين» (في العام 2007)، يدرس مقالات الحداثيين ويحلّل خطابهم، كاشفاً عن نجاحات هذا الخطاب وإخفاقاته. ويدعو في المقابل إلى «إسلاميّات نقديّة» وهو موضوع مشروع بدأ في انجازه «بلقزيز» منذ سنة 2017 ، وتقوم الفكرة المركزيّة لهذا المشروع على ضرورة تأسيس «علم» جديد يُعنى بدراسة التّراث الإسلامي بمنهجيّات نقديّة حديثة، مستفيداً من أدوات الفلسفة واللّسانيّات والتّاريخ وعلم الاجتماع. وقد أشار الدكتور «بلقزيز» نفسه في تصريحات (مثل ما نُشر في «العربي الجديد» عام 2019) إلى أنّ الكتاب الأول «الدّينيّ والدّنيويّ: نقد الوساطة والكهنتة» (صدر عام 2017) هو «جزءٌ أوّل من مشروع سمّاه بالإسلاميّات النّقديّة، وهو في الهندسة المنهجيّة يتألّف من أربعة أو خمسة أجزاء»، وقد وضع في الكتاب الأول الأسس النّظريّة لنقد «الوساطة» التي يمارسها رجال الدّين، داعياً إلى فصل الفهم البشري والتّاريخي للدّين عن النّصّ الإلهي. أمّا في الكتاب الثاني: «السّلطة في الإسلام: نظرة مقارِنة باليهوديّة والمسيحيّة» (صدر عام 2023) فقد واصل بلقزيز مشروعه بتطبيق «النّقد» على مفهوم «السّلطة» وكيف تشكّلت تاريخيّاً في الفكر والتّجربة الإسلاميّة، مقارناً ذلك بالمسارات التي اتخذتها في الدّيانتين الأخريين.
4. الديمقراطية والمجتمع المدني
يخصّص بلقزيز جزءاً مهمّاً من كتاباته للدّفاع عن الدّيمقراطيّة كحلّ لأزمة الدّولة السّلطويّة، ويربطها بضرورة وجود «مجتمع مدني» قويّ وفاعل. ففي كتابه «في الدّيمقراطيّة والمجتمع المدني» (صدر عام 2001)، يحلّل واقع الدّيمقراطيّة المتعثّر في العالم العربي، ويرى في المجتمع المدني الضّمانة لتفعيلها. وتتمحور الفكرة الجوهرية للكتاب في أنّ الأزمة ليست في غياب «المجتمع المدني» بل في طبيعة «الدّولة» القائمة. ويرى بلقزيز أنّه من الوهم (الأسطورة) الاعتقاد بإمكانيّة بناء مجتمع مدني قويّ وديمقراطيّة حقيقيّة في ظلّ دولة سلطويّة لم تنجز مهام الحداثة السّياسيّة. فالدّولة السّلطويّة لا تسمح بوجود مجتمع مدني، بل تخلق «أشباه» مؤسّسات تابعة لها. لذلك، فالحلّ ليس في «مدح الأسطورة» (استيراد شعار المجتمع المدني)، بل في مواجهة «الواقع» (نقد بنية الدّولة السّلطوية وتغييرها) كشرط مسبق لولادة مجتمع مدني وديمقراطيّة حقيقيين ومتلازمين.
|




