همسة
| بقلم |
| محمد المرنيسي |
| الشيخ والمريد |
في قريةٍ نائيةٍ بشمال المغرب، تقع في سفوح تلالٍ وهضاب، يفصلها غربًا عن القرى المجاورة وادي «ورغة»، وشعابٌ من جهتي الجنوب والشّرق، يشتغل أهلها بالفلاحة والرّعي، وبها حرفٌ تقليديّة يحتاج إليها الأهالي في مواسم ومناسباتٍ معيّنة، كالنّجارة والحدادة والبناء.. يتوسّطها مسجدٌ قديم، يتوفّر على جميع المرافق الضّروريّة، به إمامٌ راتبٌ شارطته جماعة القرية وفق الأعراف المعمول بها في القبيلة، من طعامٍ يوميٍّ وحبوبٍ تُجمع في نهاية العام، ومعاملاتٍ موسميّة تقدّم إليه في نهاية الخريف وعصر الزّيتون. مقابل ذلك، يقوم الإمام بمهامّ الأذان والصّلاة والجمعة والعيدين وتحفيظ القرآن للصّغار، والقيام بتجهيز الميّت والصّلاة عليه، والإفتاء عند الحاجة، وكتابة التّمائم لذوي الحاجات والأغراض.
في القرية منابع مياهٍ دائمة، في أعلى القرية ووسطها وفي أسفلها، وكانت مياه السّقي تُجمع في صهاريج طينيّة وتوزّع على الأراضي الفلاحيّة المجاورة للنّبع، يوم كان النّاس يزرعون ما يحتاجون وما يدّخرون. وفي الطّرف الغربيّ من القرية يسكن السّيّد البوهالي في بيتٍ متواضعٍ من طينٍ وخشب، ينتظر في هذه اللّيلة المباركة استقبال الشّيخ وأصحابه من الفقراء الّذين يتناوبون المبيت كلّ ليلة خميسٍ في بيت أحدهم حسب نظامٍ متعارفٍ عليه.
خرج البوهالي من الغرفة المعدّة للضّيوف، بعد أن هيّأها لاستقبال الفقراء، وأخذ ينظر إلى الطّريق الّذي يسلكه الشّيخ علّال عادةً عند زيارته للقرية، فرأى شبحًا بعيدًا في أقصى ما يميّزه شمالًا يتحرّك في اتّجاه القرية السّعيدة، فدخل مسرعًا يبشّر زوجته وأولاده بمقدم الشّيخ، ويحضّهم على بذل المستطاع لخدمة الشّيخ وأصحابه عسى أن تصيبهم بركته ورضاه.
كان السّيّد علّال الدّريوش، الّذي يُعرف بالشّيخ، يتنقّل بين قرى المنطقة على حمارٍ رماديّ اللّون خفيف الحركة، مطواع، قليل المؤونة، كثير المعونة، يحمل الأثقال ويخفّف الأهوال، يقرّب المسافات، ويوهّن العقبات، أصابته بركة الشّيخ فلُقّب بـ «سيّد الحمير»، يتمسّح بناصيته المرضى وأصحاب العاهات والحاجات طلبًا للشّفاء، ورغبةً في تحقيق الرّجاء، ودفع البلاء.
يرتدي الشّيخ جلبابًا صوفيًّا أسود به خيوطٌ صغيرةٌ بيضاء يُطلق عليه «رِجل الفلّوس»، وعمامةً بيضاء، وقد تقلّد على صدره سبحةً طويلةً مثقلةً بحبّاتٍ خشبيّةٍ داكنةٍ بارزة، وبيده عصًا صلبةٌ معقوفة، يتوكّأ عليها في المسالك الوعرة، ويهشّ بها على الكلاب الّتي تعترض طريقه عند دخوله إلى القرى الّتي يزورها في مناسباتٍ متعدّدة.
يُعرف الشّيخ علّال بحسن سمته ولطفه وتواضعه، وأسلوبه الهادئ الدّافئ الرّصين الّذي يؤثّر في السّويّ الرّاشد، كما يؤثّر في الغافل والشّارد، يدعو إلى الله في السّفر والحضر، ويتحمّل في سبيل ذلك الألم والضّرر، من أولئك البائسين اليائسين الّذين يعيشون في مستنقعات الأهواء، ويتمرّغون في مطارح الفساد والخبث والرّذائل.
كان الشّيخ في طريقه إلى قريةٍ مجاورةٍ للوادي المالح، لحضور اللّقاء الأسبوعيّ مع فقراء المنطقة في منزل البوهالي المعروف بزهده وعفّته وحكمته، وها هو الوقت يقترب من الغروب. هزّ الشّيخ شكيمة حماره فانطلق مسرعًا في طريقٍ ضيّق، تحفّه من جوانبه الصّبّار وبعض الأشجار الشّوكيّة، والشّيخ يردّد أذكاره سرًّا وجهرًا، ويسلّم على من يمرّ به دون أن يرفع بصره عن الطّريق حياءً وحشمة، حتّى وصل إلى مسجد القرية مع أذان المغرب، ربط حماره بجذع شجرة التّوت خلف المسجد، ودخل لأداء الصّلاة به، فوجده مليئًا بشيوخ وكهول القرية، بالإضافة إلى الفقراء المدعوّين لمنزل السّيّد البوهالي، الّذي وصل عند إقامة الصّلاة. جلس أغلب المصلّين للاستماع إلى قراءة الحزب بعد الانتهاء من صلاة المغرب، وخُتم المجلس بالدّعاء. خرج الفقراء متّجهين إلى منزل السّيّد البوهالي، ووقفوا ببابه ينتظرون الإذن بالدّخول فخرج مبتسمًا مرحّبًا:
ـ «تفضّلوا يا أحبابي، البيت بيتكم، نرجو منكم القبول بالموجود من نِعَمِ الملك المعبود».
تقدّم الشّيخ علّال وخلفه الأصحاب، ودخلوا إلى الغرفة من بابها الخارجيّ، وجلسوا بترتيبهم المعهود؛ الشّيخ يتوسّط الجمع، وعن يمينه وشماله جلس الفقراء حسب أقدميّتهم في الطّريقة ومحبّتهم وإخلاصهم لتعاليمها. قدّم المضيف ما يحتاج إليه لإعداد الشّاي، وعيّن لتنفيذ هذه المهمّة كالعادة الفقير حمّوش المعروف بكفاءته وخبرته في فنّ الذّوق للمطعوم والمشروب.
افتتح الشّيخ المجلس بكلمةٍ توجيهيّةٍ مع برنامج اللّيلة، وشرع في تطبيقه، فأمر فقيه الفقراء بتقديم درس التّفسير، فقرأ مرتّلًا قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى: 20)، قرأها وفسّرها ثمّ استخرج منها الفوائد والعبر، وبعد استراحةٍ قصيرةٍ بدأت الأمداح النّبويّة وأشعار الزّهد والحكمة بأصواتٍ جماعيّةٍ وفرديّة، وهم يتمايلون منتشين بهذا الجوّ الرّوحانيّ الفريد إلى وقتٍ متأخّرٍ من اللّيل.
عند منتصف اللّيل قُدّم الطّعام وانتهى الكلام، واشتاقت الأيدي إلى السّباحة في بحر القصاع، بحثًا عن لذيذ طعام الضّيافة في القمّة والقاع والحافّة، وما هي إلّا لحظاتٌ حتّى جفّت القصاع وأقفرت توابعها، واشتكت الموائد من الزّوائد، وطالبت بإخلاء الأسطح وتنظيفها، لاستئناف دورة الشّاي الجامع للأحباب والأصحاب.
حان وقت الحضرة، افتتحها الشّيخ بالصّيغة المعتادة لتعظيم الله جلّ جلاله في الطّريقة الصّوفيّة الّتي يمثّلها. فانطلق الفقراء يردّدون وقوفًا، يتمايلون يمينًا وشمالًا، حتّى إذا اشتدّ حماسهم وتغيّر إيقاعهم شرعوا يقفزون ويتنافسون في الارتفاع، وهم في نشوةٍ عارمةٍ من الشّعور بالقرب من الأنوار الرّبّانيّة والمقامات العالية. فجأةً صاح الشّيخ على غير عادته: «توقّفوا، اجلسوا». امتثل الفقراء للأمرين، وأخذوا يتبادلون النّظرات فيما بينهم متعجّبين صامتين. قال الشّيخ: «ألم تروا ما أنتم فيه من قضاء الله وقدره؟ تقبّل الله منّا ومنكم وختم الله لنا ولكم بما يحبّ ويرضى».
التفت الشّيخ إلى البوهالي وقال له في صيغة عتاب: «هات الماء ليغسل الفقراء رؤوسهم ووجوههم من الدّم الّذي أصابهم، بسبب السّقف الخشبيّ المنخفض للغرفة». خرج البوهالي متأسّفًا ممّا حصل، وعاد بأواني الماء، وأخذ يصبّ على الفقراء المصابين واحدًا واحدًا لينظّفوا حالتهم ويستعيدوا نشاطهم وحماسهم جالسين.
استأنف الشّيخ الحضرة وانخرط الفقراء في ترديد صيغ الذّكر من التّهليل والتّكبير والتّسبيح والتّضرّع والابتهال، حتّى اقترب الفجر. خُتم المجلس بالدّعاء والتّوسّل إلى الله لقبول الأعمال وصلاح الأحوال. ودّع الفقراء صاحبهم البوهالي، وبقي الشّيخ وصاحب البيت وجهًا لوجه، أحسّ صاحب البيت أنّ أمرًا ما سيُعرض عليه. رفع الشّيخ بصره، وشكر البوهالي على ضيافته ودعا له، ثمّ قال: «عليك أن ترفع سقف هذه الغرفة حتّى يؤدّي الفقراء الحضرة في سلامٍ وأمان».
أطرق البوهالي قليلًا ثمّ قال بصوتٍ هادئٍ وهو يرفع يمناه مشيرًا إلى السّقف: «يا سيّدي الشّيخ... هذا كثيرٌ لمن يموت!». خجل الشّيخ، وشعر بالنّدم، وتمنّى لو أنّ هذه الحكمة جرت على لسانه، ولكنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
خرج الشّيخ علّال للالتحاق بالفقراء الّذين ينتظرونه في طريق مسجد القرية وهو يردّد: «هذا كثيرٌ لمن يموت... هذا كثيرٌ لمن يموت...». |



