نقاط على الحروف

بقلم
د. سهام قادري
الحركات الباطنيّة
 المقدّمة
لَم يشغَلِ العالَمَ العربيَّ والإسلاميَّ عبرَ التاريخِ أمرٌ كما شغَلَتْه الحركاتُ الباطنيةُ بما أثارته من تساؤلاتٍ، وما خلّفته من تأثيراتٍ عَقَدِيّة وفكريّة. وهذه محاولةٌ لاستجلاءِ الحقيقةِ العلميّةِ المتعلّقة بهذه الطّوائف، من خلال تتبّع ما كُتِبَ عنها من معطياتٍ تاريخيّةٍ وبياناتٍ موثوقة. وقد سُمّيت الباطنيّة بهذا الاسم – كما يذكر الغزالي – «لِدَعواهم أنَّ لظَواهِرِ القرآنِ والأخبارِ بَواطنَ تجري في الظواهرِ مجرى اللّبِّ من القِشرة، وأنها بصورها تُوهِمُ عند الجهّالِ الأغبياءِ صُوَرًا جَليّة»(1) .
وتتّسم الحركاتُ الباطنيّةُ بقدرٍ كبيرٍ من الغموضِ والكتمان، الأمرُ الذي يجعل من العسيرِ على الباحث ضبطَ تاريخ نشأتِها بدقّة، ولأجل هذا اضطربت الأقوالُ في تحديد بداياتها، إلّا أنّ فريقًا من الدّارسين يربطون ظهورَها المبكّر بالعقيدةِ الشّيعية، ويرون أنَّ مسألةَ الإمامة شكّلت نقطةَ الالتقاء الجوهريّة بينهما، ولا سيما بعد تطوّر مفهوم الإمامة حتّى غدت، عند بعضهم، ركنًا من أركانِ الدّين. وقد مثّلت فكرةُ ضرورةِ كون الإمام من نسلِ عليٍّ رضي اللّه عنه منطلقًا رئيسًا لتلك الحركات، التي بنت على هذا الأساس بقيّةَ معتقداتها، واتخذت منه غطاءً تتستّر به لضمان بقائها واستمرار دعوتها.
وسيأتي، في الصّفحات الآتية، عرضٌ لأبرز فِرَقِ الباطنيّة، وبيانٌ لأهمّ معتقداتها، ثم تتبّع أثرِ هذه الحركات في الفكر الإسلامي المعاصر.
1 - الإسماعيليّة
1.1 - النّشأة
ليس من اليسير تحديدُ تاريخٍ دقيقٍ لظهورِ الإسماعيليّة، وذلك لكونها بدأت حركةً سرّيةً، الأمر الذي أدّى إلى اختلاف الأقوال وتضارب الرّوايات حول زمن نشأتها. ومن بين الآراء الواردة في هذا السّياق أنّ ظهورها كان في اليمن سنة 268هـ/881م، فيما ذهب آخرون إلى أنّ نشأتها كانت في سنة 288هـ/890م، كما قيل إنّ بدايتها ترجع إلى عهد الخليفة المأمون سنة 198هـ/813م (2).
ومع غربلة الأقوال ومقارنة التّواريخ، رجّح بعض الباحثين أنّ أبا الخطّاب كان من المؤسّسين الأوائل للدّعوة الإسماعيليّة، وبناءً عليه فإنّ بداية ظهور الإسماعيليّة ترجع إلى الفترة التي سبقت وفاة أبي الخطاب سنة 138هـ/755م (3) . أمّا إذا اعتُبرَت الإسماعيليّةُ متطابقةً مع حركة القرامطة، فإنّ ظهورها يوافق تاريخ ظهورهم، أي سنة 278هـ/891م. ممّا يجعل الأقرب أنّ بدايات الدّعوة الإسماعيليّة ظهرت في الفترة السّابقة لوفاة أبي الخطاب، ثمّ تبلورت لاحقًا في مراحل متعدّدة.
وقد انتشر المذهبُ الإسماعيلي في مدنٍ وبلدانٍ واسعة تمتدّ من المغرب الأقصى إلى آسيا الوسطى، وتشمل بلاد المغرب، وإفريقيّة، ومصر، والشّام، والعراق، وفارس… ممّا جعل تأثيره ممتدًّا ومتنوّعًا في بقاعٍ عديدة.
وكان الإسماعيليّون في بادئ أمرهم فرقةً واحدة، ثمّ انقسموا، بسبب الخلاف في مسألة الإمامة، إلى فريقين رئيسين:
1. المستعلية: وانتشروا في مصر واليمن والهند.
2. النّزاريّة: وتركّز وجودهم في بلاد فارس والشّام.
2.1 - عقائدُ الإسماعيليّة
مرّت الدّعوةُ الإسماعيليّة بمراحلَ زمنيّةٍ متعدّدةٍ تطوّرت فيها أفكارُها بحسب الظّروف والبيئات التي انتشرت فيها. وقد تحدّث المؤرّخون الأوائل عن عقائدها تحت عناوين شتّى؛ كالخطّابية، والباطنيّة، والقرامطة، والإسماعيليّة. وتقوم هذه العقائد على جملةٍ من المرتكزات والتّصورات التي لم يعرفها الإسلام، بل تُناقض أصوله في مسائل عديدة، من أبرزها ما يأتي:
1 - التّوحيد
تسير الإسماعيليّة في باب الصّفات على مذهب المعتزلة، إذ تُعدّ نفيَ الصّفات أساسًا في عقيدتها؛ لأنّ إثبات الصّفات، في نظرهم، يقتضي تعدّدًا، ويفضي إلى التّشبيه واشتراك المخلوقات مع الخالق في صفاته. «وعلى ضوء هذا الاعتقاد الباطني ذي النّزعة الفلسفيّة اليونانيّة التّجريديّة، فإنّ معرفة اللّه عند الإسماعيليّين تقوم على اعتبارين: الأوّل: تنزيه اللّه، بزعمهم، إلى حدّ نفي أسمائه وصفاته. والثّاني: أنّ توحيد اللّه تعالى يعني عندهم معرفة حدوده فقط»(4).
وقد جاءت عقائدهم مزيجًا غيرَ متجانسٍ من الفلسفات. بل يذهب بعض شُرّاح مذهبهم إلى القول بوجود إلهين: السّابق والتّالي، وأنّ السّابق هو عِلّة وجود التّالي، وأنّ الخلق وُجِد بواسطة التّالي. ولا يخفى أنّ القول بوجود إلهين صانعين مدبّرين هو كفرٌ بيّن لا يحتاج إلى بيان(5).
2 - النبوّة
يرى الإسماعيليّة أنّ العقل هو مدبِّر الكون، ومنه تصدر النّبوة والرّسالة، وهم في ذلك يقتربون من مذهب الفلاسفة اليونان. ويعرّفون الوحي بأنّه: «ما قبلته نفسُ الرّسول من العقل، وقبله العقلُ من أمر باريه»، ويصوّرون النبيَّ بأنّه شخصٌ «فاضت عليه من السّابق بواسطة التّالي قوّةٌ قدسيّةٌ صافية»، كما يشترطون، في بنيتهم العقديّة، أن يمرّ النّبي قبل بلوغ مرتبة النّبوة بمرتبة الولاية، لأنّه عندهم يجمع في ذاته الولاية والنّبوة والرّسالة(6).
«ومن أصول عقيدة الإسماعيليّة أيضًا ضرورة وجود الإمام المعصوم المنصوص عليه من نسل عليّ بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، ويجب أن يكون النصّ على الإمام صادرًا من الإمام السّابق، بحيث تستمر الإمامة متسلسلةً في الأعقاب»(7). ولا تزال الإمامة هي المحور الرّئيس الذي تدور عليه جميع التّأويلات الباطنيّة وفلسفتها؛ إذ تُعدّ – في نظرهم – ركنًا أساسًا تقوم عليه بقيّة أركان الدّين.
وترى الإسماعيليّة كذلك ضرورةَ الجمع بين الظّاهر والباطن معًا، فلا يصحّ عندهم الأخذُ بالظّاهر دون الباطن، ولا بالباطن دون الظّاهر(8)؛ لأنّ لكلّ منهما، في تصوّرهم، وظيفةً لا تُستغنى عنها في فهم النّصوص وتأويلها.
3 - الولاية والإمامة
تُعدّ الإمامة عند الإسماعيليّة أصلَ الدّين وركنَه الأساس، وهي، في تصوّرهم، محور الوجود الرّوحي للعالم. ويرون أنّ اللّه لا يترك الأرض خلْوًا من إمامٍ معصومٍ يكون حجّةً على الخلق، وواسطةً بين اللّه وعباده، ومرشدًا إلى معرفة الحقيقة الإلهيّة؛ إذ يمثّل الإمام، عندهم، المعبّر عن باطن القرآن ومعانيه المستترة.
وتقوم الولاية في اعتقادهم على الإيمان بوصاية عليٍّ رضي اللّه عنه، وبإمامة الأئمة المنصوص عليهم من ذريّته وذريّة فاطمة بنت رسول اللّه ﷺ، ووجوب طاعتهم دون غيرهم؛ ومن ثمّ فإنهم يَرَوْن بطلان إمامة من تقدّمهم(9). ولم يثبت له نصٌّ صريح. وتنتقل الإمامة، وفق معتقدهم، بالنّصّ من إمامٍ إلى آخر في نسل عليٍّ وفاطمة، دون انقطاعٍ في سلسلة الأعقاب.
4 - البعث
ترى الإسماعيليّة أنّ البعث لا يُقصد به عودةُ الأجساد بعد الموت، بل هو بعثٌ روحيٌّ باطني، يتمثّل في انكشاف الحقيقة، ورفع الحجاب بين الظّاهر والباطن. وبناءً على هذا التّصوّر، تعدّ القيامة عندهم حالةً معرفيّة تكشف فيها المعاني المستورة، لا حدثًا كونيًّا يعاد فيه الخلق كما هو في معتقد أهل الإسلام.
ويظهر من طروحاتهم أنّهم من بين الفرق التي قالت بالتّناسخ، وإن حاولوا إخفاء ذلك في بدايات الدّعوة. وقد فسّر الدّارسون هذا المعنى من خلال نظريّة البعث عندهم، إذ جعلوا الأنبياء والأئمة شخصًا واحدًا تتعاقب عليه الأرواح؛ تفنى أجسادهم وتبقى الرّوح واحدة تنتقل من جسدٍ إلى آخر. كما يرون أنّ القيامة هي عودة الرّوح إلى مبدئها الأول، وبذلك ألغَوا، بصورةٍ أو بأخرى، مفهوم الثّواب والعقاب الأخرويَّين(10) كما هو ثابت في العقيدة الإسلاميّة.
2 - النصيريّة
1.2 - النّشأة
النّصيريّة، أو العلويّة كما هو شائع اليوم، فرقةٌ شيعيّةٌ باطنيّة تُنسب إلى محمد بن نُصير النّميري (ت 883م)، الذي كان من أتباع الإمام الحادي عشر عند الشّيعة الإماميّة، الحسنِ العسكري. وقد ادّعى ابن نُصير البابويّة بعد وفاة العسكري، فكان ذلك أصلًا لنشوء الجماعة وتفرّع تعاليمها.
وقد صنّفتها كتبُ الملل والنّحل ضمن فرق الغلاة الباطنيّة؛ لما تبنّته من أفكارٍ ومنظوماتٍ عقديّة خرجت، في نظر علماء المسلمين، عن أصول الإسلام، وهم في واقع الأمر يعدّون من غلاة الشّيعة الباطنيّة الذين تبنّوا آراء منحرفة وعقائد باطلة انتهت بهم إلى الخروج من الإسلام»(11).
ولهذا أشار الباحث رشيد الخيون في كتابه «النّصيريّة العلويّة بسوريّة» إلى أنّ الطّائفة نُسبت إلى مؤسّسها المفترض محمد بن نُصير النّميري (ت 270هـ)، «على أنّه كان بابَ الإمام الحسن العسكري (ت 260هـ) (12) .
وتتركّز جماعة النّصيريّة في سوريّة، خاصّة في جبال العلويّين التي سُمّيت نسبةً إليهم، كما لهم حضورٌ متفرّق في بعض المناطق الأخرى مثل قيليقية في جنوب تركيا، وفي عدد من البلدان خارج الوطن العربي، كـ اليونان وأوروبا وأمريكا الجنوبيّة(13). 
2.2 - عقائد النّصيريّة
اتّسمت الطّائفة النّصيريّة عبر تاريخها بدرجة عالية من الغموض بسبب منهج التقيّة الذي التزمت به، فكان الكتمان والسّريّة وسيلتها لحماية نفسها، ولا سيما بعد ما تعرّضت له من فترات اضطهاد متتابعة. وقد جعل ذلك عقائدها محلّ إشكال وشبهة، وصعّب على الباحثين الوصول إلى صورة واضحة ودقيقة عنها.
وتقوم عقيدة النّصيريّة على مجموعة من الأفكار التي ميّزتها عن غيرها من الطّوائف الباطنيّة، من أبرزها: تقديس الإمام عليّ، والإيمان بالتّناسخ، والقول بالباطن والظّاهر مع قصر علم الباطن على الأئمة.
1 - التوحيد والألوهيّة
يعتقد النّصيريّة أنّ اللّه تجلّى في صورة عليّ بن أبي طالب، وأنّ النّبي محمدًا ﷺ هو «الاسم» أو «الحجاب» الذي يُظهِر هذا المعنى للخلق، بينما يمثّل سلمان الفارسي «الباب» الذي يوصل إلى هذه الحقيقة. ويُشار إلى هذه الثّلاثيّة بـ (ع – م – س) أي: علي، محمد، سلمان(14).
وقد جزم الدّارسون بأنّ النّصيريّة يقولون بتأليه عليّ رضي اللّه عنه ومحلوليّة الذّات الإلهيّة فيه؛ إذ أشار عبد الرّحمن بدوي في «مذاهب الإسلاميّين» إلى أنّ النّصيريّين يرون عليًّا بأنّه «إله»، أو حلّت فيه الألوهيّة، وهو يسكن السّحاب، والرّعد صوته، والبرق ضحكته» (15) .
ويرجع بعض الباحثين أصلَ هذا الاعتقاد إلى الجذور الوثنيّة القديمة، وربّما ساعد على ذلك اعتماد الطّائفة على التّقيّة وبقاءُ رواسب وثنيّة في بيئتها الأولى. بينما يرى آخرون، وهو الرّأي الأقرب، أنّ الجهل وسوء الفهم كانا من أبرز أسباب نشوء هذه العقائد المغالية.
2 - النبوّة والإمامة
يرى النّصيريّة أنّ النّبوة ليست وحيًا جديدًا، بل هي تجلٍّ للمعنى الإلهي في صور بشريّة متعاقبة. ويعتقدون أنّ الأئمة الاثني عشر هم مظاهر لهذا المعنى الإلهي، غير أنّ عليًّا هو أكملهم وأعلاهم رتبة. كما يعتبرون الإمامَ المعصوم هو الذي يختصّ بعلم التّأويل الباطني، وهو وحده الذي يملك فهم حقائق النّصوص ومعانيها المستترة.
3 - البعث
يؤمن النّصيريّون بتناسخ الأرواح، ويُعدّ هذا الاعتقاد من أهمّ أركان عقيدتهم. إذ يشير عبد المنعم الحنفي إلى أنّهم يرون أنّ: «المؤمن يتحوّل عندهم سبع مرّات قبل أن يأخذ مكانه بين النّجوم، فإنّ الإنسان إذا مات شرّيرًا وُلِد من جديد نصرانيًّا أو مسلمًا حتّى يتطهّر أو يكفّر عن سيئاته، أمّا الذين لا يعبدون عليًّا فيُوْلَدون من جديد على شكل كلاب أو إبل أو بغال أو حمير أو أغنام»(16).
وبناءً على هذا، ينكر النّصيريّة البعث والنّشور والجنّة والنّار كما ورد في العقيدة الإسلاميّة، ويُعرضون عن مفهوم الجزاء الأخروي. ولهم اعتقاد خاصّ في تعظيم الخمر، ويزعمون أنّها من نورٍ ميتافيزيقي، ولذلك يعظّمون شجرة العنب التي يعدّونها أصل ذلك النّور.
3 -  البهائيّة
1.3 - النشأة 
ظهرت البهائيّة امتدادًا للحركة البابيّة التي نشأت في إيران على يد الميرزا علي بن محمد الشّيرازي (تـ 1265هـ/1849م)، الذي ادّعى أنّه «المهديّ المنتظر»، وروّج لجملة من الأفكار والمعتقدات التي عُدَّت خروجًا عن الإسلام، وهو ما أدّى إلى الحكم عليه بالإعدام رميًا بالرّصاص سنة 1265هـ/1849م (17) .
والبهائيّة ليست نحلة مستحدثة من عدم، بل هي ثمرة تفاعل بين عناصر دينيّة وفلسفيّة قديمة ظهرت في ثوب جديد، ثمّ تطوّرت تدريجيًّا حتّى صارت لها عقائد وقوانين خاصّة، تُستمدّ أساسًا من كتابها المقدّس المسمّى «الأقدس».
وترتكز البهائيّة على مجموعة من المبادئ التي تُعَدّ منطلقًا لتصوّرها الدّيني والاجتماعي، ومن أبرزها:
- وحدة الأديان،
- وحدة الوطن الإنساني،
- وحدة اللّغة،
- المساواة المطلقة بين الرّجل والمرأة،
- الدّعوة إلى السّلام العام.
وقد يُخيَّل للنّاظر في هذه المبادئ، في ظاهرها، أنّها تعبّر عن نزعة إصلاحيّة إنسانيّة، غير أنّ الحقيقة التي تكشفها كتابات النقّاد والباحثين تشير إلى أنّ هذه الحركة تحمل مضامين أخرى تتجاوز هذا الطّابع الظّاهري، وتشتمل على أفكار تخالف الأصول العقديّة المقرّرة في الإسلام.
2.3 - عقائد البهائيّة
يقوم المذهب البهائي على خليط من عناصر دينيّة وفلسفيّة متعدّدة؛ فقد تأثّر، في بنائه العقدي، بجملة من الدّيانات الشّرقيّة القديمة كالبوذيّة والبرهميّة والزّرادشتيّة، إلى جانب عناصر من اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، ممّا انعكس بوضوح على رؤيته للمسائل العقديّة الأساسيّة.
وقد انتهى حسين علي الملقّب بالبهاء في دعوته إلى ادّعاء الألوهيّة بعد أن كان قد ادّعى النّبوّة، ثم أوصى بالأمر بعد وفاته إلى ابنه عباس أفندي (الشّهير بعبد البهاء)(18)، الذي تابع المسار نفسه في تقرير هذه الدّعوى ونشرها بين أتباعه.
1 - البعث والحساب
تنكر البهائيّة البعث الجسماني والجزاء الأخروي، ولها في ذلك تصوّر خاصّ؛ إذ ترى أنّ القيامة إنّما هي قيامة علي محمد الشيرازي (الباب)، وأنّ الخروج هو خروجه، وأنّ اليوم الآخر هو اليوم الذي تُنسخ فيه الشّريعة الإسلاميّة وتبدأ فيه شريعة جديدة جاء بها البهاء(19).
2 - محور العقيدة عندهم
تتمحور العقيدة البهائيّة حول جملة من الأفكار أبرزها:
1. ألوهيّة البهاء: إذ لم يكتفِ بادّعاء النبوّة، بل تجاوزها إلى القول بحلول الذّات الإلهيّة فيه.
2. الحلول والتّجلّي: وهو مسار يشترك مع بعض الفرق الباطنيّة كالإسماعيليّة والنّصيريّة والقاديانيّة، التي فتحت الطّريق لادّعاءات الرّبوبيّة أو الحلول.
3. الادّعاء بالانتساب للتّوحيد: فعلى الرّغم من هذه المقولات المخالفة لأصول العقيدة الإسلاميّة، ترى البهائيّة نفسها من الدّيانات التّوحيديّة.
4. استحداث شرائع خاصّة: حيث انفردت البهائيّة بجملة من الشّرائع والتّكاليف التي استنبطتها من تأويلاتها الخاصّة، ونصّ عليها كتابها الأقدس وغيره من نصوصها المعتمدة.
القاسم المشترك بين الحركات الباطنيّة: 
القول بالظّاهر والباطن
تُعدّ الثّنائية بين الظّاهر والباطن السّمة المميّزة التي تجمع معظم الحركات الباطنيّة، إذ ترى هذه الحركات أنّ النّصوص الدّينيّة تحمل معانٍ ظاهرة وباطنة. وتُعدّ الطّائفة النّصيريّة مثالًا على ذلك، فهي ترى أنّ الشّريعة تحتمل ظاهراً وباطناً، وفي الباطنيّة عموماً يُنظر إلى النّصوص من منظور الحقيقة والشّريعة، والمرموز والرّمز، والمثول والمثال؛ فالظّاهر في تقلّب مستمر وفق حقب العالم وأدواره، بينما الباطن هو طاقة إلهيّة مستقلّة غير خاضعة للصّيرورة الزّمنيّة(20).
وتنتهج البهائيّة نفس المنهج في الثّنائية بين الظّاهر والباطن، فاتبعت طريقًا مشابهًا لما سلكته الفرق الباطنيّة، وغالَت في تأويلاتها إلى درجة أثّرت بشكل كبير على المعنى الدّيني للنّصوص. ويُرجّح بعض الباحثين أن سبب هذا المسلك قد يكون مرتبطًا بالحقد الدّفين تجاه الدّين الإسلامي.
وفي المقابل، قيّدت البهائيّة تفسير كتبها على أيّ شخص، وخصّصت مهمّة التّأويل والبيان لشخص «بهاء اللّه» وحده، ما يعكس غياب الحرّية العلميّة في فهم نصوصهم مقارنة بالمنهج الإسلامي التّقليدي في التّأويل.
القسم الثّاني: أثر الحركات الباطنيّة في الفكر الإسلامي
يتّضح من دراسة الحركات الباطنيّة أنّ أثرها في الفكر الإسلامي كان عميقًا ومتنوّعًا، إذ لم يقتصر على الجانب العقدي فحسب، بل امتد ليشمل الاجتماع والسّياسة والثّقافة الدّينيّة. فقد أسهمت هذه الحركات – من خلال منهجها في التّأويل والقول بالظّاهر والباطن – في خلق تصوّرات مخالفة للأصول الإسلاميّة، تتراوح بين تأليه بعض الشّخصيّات إلى التّحوير في أركان الدّين، كما هو واضح في عقائد النّصيريّة والإسماعيليّة والبهائيّة.
وقد أظهرت هذه الدّراسة أنّ هذه الحركات سعت إلى إلغاء الخلافة التّقليديّة وإقامة مقام الإمامة الشّيعيّة، إضافة إلى فرض مفاهيم غريبة على الشّريعة مثل ركن «الولاية» الذي استحدثته بعض الفرق، الأمر الذي انعكس على تماسك المجتمع الإسلامي ووحدة صفوفه.
ومن خلال ما سبق، يمكن القول إنّ الحركات الباطنيّة لم تكن مجرّد توجّهات فكريّة أو مذهبيّة، بل مثّلت خطرًا على الأمن الفكري والاجتماعي للأمّة الإسلاميّة، إذ جمعت بين التّأويلات العقديّة المتطرّفة والسّعي لبثّ الفرقة بين المسلمين، فضلًا عن تقديم الدّعم أحيانًا للقوى المعادية للإسلام بهدف تقويض الخلافة ووحدة المسلمين.
ختامًا، فإنّ دراسة هذه الحركات تكشف أهمّية الالتزام بالمنهج الصّحيح في فهم النّصوص الشّرعيّة، وتحذّر من الانزلاق وراء التّأويلات الغريبة التي قد تؤدّي إلى تشويه العقيدة وتعميق الفرقة بين المسلمين، ما يجعل البحث العلمي المنصف والرّصين ضرورة لتقويم الفكر الإسلامي وحمايته من الانحرافات الباطنيّة.
الهوامش
(1)الغزالي أبو حامد، فضائح الباطنية، حققه نادي فرح درويش، المكتب الثقافي، ص11.
(2) عثمان هشام، الإسماعيلية بين الحقائق والأباطيل، مؤسسة الأعلى للمطبوعات، ط-1419ه/1998م، ص19
(3) المرجع نفسه، ص20
(4) طعيمة صابر، العقائد الباطنية وحكم الإسلام فيها، المكتبة الثقافية، ط2-1411ه/1991، ص94
(5) المرجع نفسه، ص105.
(6)  المرجع نفسه، ص106.
(7) غالب مصطفى، الحركات الباطنية في الإسلام، دار الأندلس، ط 2-1402ه/1982م، ص98.
(8) المرجع السابق الحركات الباطنية، ص100
(9) طعيمة صابر، العقائد الباطنية، ص114
(10) طعيمة صابر، العقائد الباطنية وحكم الإسلام فيها، ص127
(11) جلي، أحمد محمد أحمد: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين، مركز الملك فيصل، ط3_1429ه/2008م، ص357.
(12) لخيون، رشيد: النصيرية العلوية بسورية السياسة تصادر الطائفة، دار مدارك للنشر، ط1 نوفمبر 2012، ص29
(13) راجع إسماعيل محمود: فرق الشيعة بين التفكير السياسي والنفي الديني، سينا للنشر، ط1_1995، ص141
(14) مدخل إلى المذهب العلوي، ص20
(15) بدوي، عبد الرحمن: مذاهب الإسلاميين، ص1186
(16) الشكعة مصطفى: إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية اللبنانية، ط14_1420ه/2000م، ص342
(17) فكري، أميرة: حقيقة البهائية من هم؟ اعتقادتهم..اتجاهاتهم أصولهم. أفكارهم. مخططهم، هلا للنشر والتوزيع، ط1- 1428ه/2007م، ص 47.
(18) بدوي عبد الرحمن، البهائيون الخطر القادم، دار الأحمدي للنشر، ط1-2007، ص50
(19) المرجع نفسه، ص49
(20) مجموعة من الباحثين، موسوعة عالم الأديان، NOBILIS، بيروت، ط2_2005، ص70