فقه الميزان
| بقلم |
![]() |
| الهادي بريك |
| الحلقة العاشرة من تطبيقات فقه الميزان في التاريخ الإسلاميّ |
لا مناص من التّذكير بمعنى فقه الميزان حتّى لا نغرق في التّطبيقات والأمثلة. فقه الميزان هو الحلقة الوسطى الواصلة بين الواجب والممكن. وهو القنطرة التي تؤمّن تنزيلا حسنا مناسبا للحكم الشرعيّ (بل والعقليّ والعاديّ نفسه) على الأرض والحياة. الحاجة إليه ماسّة بسبب الطّبيعة التّركيبيّة للدّين من جهة وللعقل من جهة أخرى وللحياة من جهة ثالثة. الطّبيعة التّركيبيّة معناها تعدّد الأبعاد وإنتفاء البعد الواحد. المقصد الأسمى من فقه الميزان هو تحقيق العدل وترسيخ القسط في كلّ معاملة قدر الإمكان.
مرّ بنا في حلقة سابقة أنّ فقه الميزان هو قوام العمليّة الفقهيّة والصّناعة الأصوليّة. وذلك على معنى أنّ الوحي نفسه أشار إلى توخّي مصادر تشريعيّة فرعيّة جزئيّة جانبيّة لحسن الفهم وحسن التّنزيل ومنها (الإستحسان) الذي عرف به الأحناف وغيرهم من مدرسة الرّأي بقصد تحكيم الدّليل الأدنى عندما لا يؤمّن الدّليل الأعلى المقصود من الشّريعة. أو العدول عن قياس جليّ إلى قياس أدنى منه للسّبب ذاته. مدار فقه الميزان كلّه هو : تأمين تنزيل صحيح (بل أصحّ) لأجل إصابة مقصود الشّريعة. وليس تنزيلا يكون من حيث الدّليل صحيحا ولكنّه - لأسباب طارئة إستثنائيّة في العادة - لا يحقّق ذلك المقصود.
أمثلة من التّطبيقات التّاريخيّة والمعاصرة
1. نظريّة التترّس
نظريّة التترّس معناها (أو مثالها التّاريخيّ الأشهر) هو أنّه يجب قتل المسلم الذي تترّس به العدوّ (أي جعله ترسا به يحتمي) إذا عزّ قتل العدوّ - أو صده عنّا - عدا بقتل الذي يتترّس به. تلك صورة عسكريّة قديمة معروفة. الميزان هنا هو عدم إختيار ما يشبه الإنتحار والإستسلام في وجه عدوّ يزحف نحونا. ولكنّ صده يقتضي بالضّرورة قتل من يتترّس به. وهو مسلم قد يكون من أسرانا عنده. الميزان هنا هو صدّ العدوّ ولو بقتل أسرانا الذين جعلهم ترسا وحصنا. لأنّ ذلك فرار من ضرّ أعلى إلى ضرّ أدنى. وعلى نظريّة التترّس نقيس حالنا كلّما تعرّضنا إلى الموازنة بين ضرّين لنختار أدناهما شرّا علينا ونصرف أعلاهما شرّا. والأمر نفسه لو كان الإختيار بين خيرين وحسنتين. أي نفوّت أدناهما قصدا ونصيب أعلاهما.
2. نظريّة التّجنّس بين الدّين والوطن
من أمثلة ذلك ما وقع في تونس أيام الإحتلال الفرنسيّ. إذ فتح المحتلّ بعضا من أبواب التّجنيس (أي حمل الجنسيّة الفرنسيّة لبعض التّونسيين) بغرض ترسيخ قدمه. وهو ما يعرف بالحرب العمرانيّة (السّكانيّة/الدّيمغرافيّة) وكان ذلك متوازيا مع (المؤتمر الأفخارستيّ عام 1930 في تونس). إنحاز هنا العلماء إلى فقه الميزان وبه إستنجدوا لتنزيل قيم العدل والقسط. إذ حرّموا حمل الجنسيّة الفرنسيّة. الميزان هنا هو صرف النّظر عن البعد الدينيّ مجرّدا. إذ الدّين لا يحرّم ذلك في الأصل. ولكن لمّا كان ذلك وسيلة لتعويق المقاومة وتذويب الهوية حرّم. ذلك هو فقه الميزان، أي النّظر إلى الأيلولات والنّتائج والعواقب، وليس إلى الأصل الدّينيّ فحسب مجرّدا من مقتضياته. وقريبا من ذلك في أيامنا زيارة القدس الشّريف وهو تحت الإحتلال الصّهيونيّ. الذين منعوه قدّموا البعد المعاصر الذي قد يفضي - مع كثرة الزّائرين وتواتر ذلك - إلى نوع من التّطبيع السّياحيّ أو الدّينيّ مع العدوّ المحتلّ. والذين أجازوه قدموا البعد الدينيّ، إذ هو صنو الحرمين الشّريفين (مكّة والمدينة). لا يعنينا هنا أيّهما إلى فقه الميزان أدنى، ولكن يعنينا أنّ الإجتهاد هنا يرعى فقه الميزان ولا ينبذه.
3. إبن تيميّة وفقه الميزان
ربّما لا تظفر برجل إختلف فيه النّاس كلّ إختلاف - لا علاقة بين ضلوعه عدا علاقة الإحتراب المفتوح - بعد الإمام عليّ عليه الرّضوان عدا إبن تيميّة. الحقّ أنّها ضريبة التّميّز الشّديد والنّبوغ العالي. ولا تميّز بعد النّبوّة المعصومة عدا بالجمع بين الدّين والعقل، أو بين الوحي والميزان. من أمثلة إهتمام إبن تيمية بفقه الميزان أنّه نهى أصحابه عن زجرهم لمجموعة من جنود المغول يحتسون خمرا، وعلّل ذلك بقوله أنّ شربهم الخمر يصرفهم عن قتل النّاس. هذا نظر في صميم الميزان. كلّ عمل - سيما خارج دوائر المعتقدات والعبادات - لا يقترف حتّى ينظر في مآله، فإن كان مآله أسوأ منه عدل عنه مهما كان شره وضره.
كما إشتهر بتحريمه زيارة القبر النَبويّ، ممّا جعله محطّ حرب لا أوّل لها ولا آخر، ولكنه ما قال بذلك سوى لصرف النّاس عن عقيدة فاسدة قوامها أنّ محمّدا ﷺَ ينفع من سأله أو يسمع من توسّل به ويجيبه. وقد كانت في تلك الأيام طوائف كثيفة من النّاس على تلك المعتقدات الشّركيّة. ربما يكون هو (مع إبن حزم وغيرهما) ممّن يؤمن بجدوى العلاج بالصّدمة، أو يحتدّ في قول شيء ردّة فعل مساوية في القوّة ومخالفة لإتجاه منكور ظنّا أنّ الغلوّ قد يعالج بغلوّ مثله.
الذي يعنينا هنا ليس تصحيح هذا وترذيل ذاك. ولكن يعنينا أنّ فقه الميزان مطلوب لمعالجة الأوضاع التي يشتبك فيها الدّين مع الواقع والوحي مع الحياة. حتّى ليخيل للسّاذج أنّ الحقّ هنا أو هناك، ولكنّه لا يكون هنا وهناك معا. فقه الميزان وظيفته العليا هي توفير ذلك المشترك بينهما. قد يخطىء المرء في تنزيل فقه الميزان، ولكنّه خطأ عمليّ مغفور وقابل للإصلاح، بخلاف خطيئة نبذ ذلك الفقه نفسه.
4. القرضاويّ ومشروعية العمليّات الإستشهاديّة في فلسطين المحتلة
عندما أستعرض معلوماتي لا أجد عملا إفتائيّا تربّع على ذروة الفقه الحقّ بعد زمن الصّحابة الكرام عدا عملين : أوّلهما سوق العزّ بن عبد السّلام (سلطان العلماء كما يلقّب) زمن الدّولة المملوكيّة خلفاء الأمّة إلى سوق النّخاسة لبيعهم رقيقا بسبب إنحرافهم عن منهج الشّريعة، بسبب أصلهم أنهم مملوكون وليسوا أحرارا. وثاني العملين هو إفتاء القرضاويّ قبل زهاء عقدين بمشروعيّة العمليّات التي درج الإعلام الغربيّ والعربيّ (كلاهما) على تسميتها (إرهابيّة) وسمّاها (أي القرضاويّ) عمليّات إستشهاديّة، وعدّها سلاح الضّعيف المقهور الذي يقاوم لأجل تحرير وطنه السّليب.
هنا يتحرّر الفقه من آساره وأوضاره ليكون في خدمة الإنسان والأوطان، وليس في خدمة السّفاحين وآكلي أموال النّاس بالباطل. الميزان هنا هو عدم حصر النظر في إنسان يقتل نفسه فحسب. ولكنّ الميزان هنا هو رعاية المآل الذي يقول بأنّ ذلك الإنسان الذي يقتل نفسه هو أمضى سلاح وأفتك دبّابة وقاصفة تخيف المحتلّ فيحسب لها ألف حساب، أي الجمع في فقه الميزان بين الإنسان والأوطان. وأيّ قيمة لإنسان لا يحويه وطن؟ وأيّ قيمة لوطن سليب على ذمّة محتل خارجيّ أو مستبدّ داخليّ؟
5. إستخدام القوّة لمقاومة الإستبداد الدّاخليّ
هذا أمر إختلط نابله بحابله كثيرا، وما ذلك سوى لسوء إستخدام فقه الميزان أو لنبذه بالكلّية. الأصل هنا هو تحرير الوطن من المستبدّ. الوسيلة هنا فرع وليست أصلا. لم ينكر أحد ممّن هم أعلم بالدّين على عبداللّه بن الزّبير بن العوّام ولا على الحسين بن عليّ (رضي اللّه عنهما) ولا على غيرهما ممّن بادر بتحرير النّاس من بعض أمراء بني أميّة (الحجّاج مثلا ويزيد وغيرهما) بالقوّة العسكريّة. لماذا؟ لأنّ الأصل هو التّحرير. الفرع هو إعداد العدّة المناسبة لذلك، وليس الأصل هو إستبعاد القوّة العسكريّة إبتداء وأصلاً، بما يوحي أنّها محرّمة تحريما مقاصديّا لذاتها. هنا محلّ الخلط، وهو ما عنون له الفقه بمبحث (لا يغيّر المنكر بمنكر مثله أو أكبر منه)، وهنا محلّ التقدير.
الذي يهمّنا هنا هو إستخدام فقه الميزان الذي يخبرنا أنّ الأصل هو مقاومة القهر الداخليّ. كائنا من كان القهّار ونسبه وتقواه. عدا أنّ ذلك منضبط بتوخّي وسيلة تزيل ذلك المنكر أو بعضا منه، ولكن ليس تنشئ منكرا مثله أو أزيد منه.
6. أخذ الرّبا و صرفه
أكل الرّبا محرّم لذاته وليس لغيره، ولكنّه تحريم بلغ كلّ مبلغ حتّى كان عقابه حربا من اللّه ورسوله. ولكنّ أكل الرّبا محرّم لغيره وليس لذاته. غيره الذي لأجله حرّم هو ظلم النّفس بصرف جزء من مالها إلى ظالم. وهو كذلك الإنتساب إلى المشهد الرّبويّ ليكون مع الزّمن مشهدا طبيعيّا. فلا ينزجر آكل، ولكن يقهر مؤكّل. ولكن أفتى المعاصرون بأخذ ذلك الرّبا من المصارف الرّبويّة في معاملة إكراهيّة (من مثل إكراهنا اليوم على فتح حساب مصرفي تكون فيه معاملاتنا ومنها مرتّباتنا وغير ذلك ممّا بدونه تتعطلّ مصالحنا) وصرفه في وجوه الخير كلّها، وعدم ترك ذلك للمصرف الربويّ الذي عادة ما يتقوّى به. وقد يستخدم تلك الأموال التي يتعفّف عنها المسلمون الملتزمون في أعمال يتقوّى بها عدوّهم، ولكن ليس لصرف تلك الأموال الرّبويّة طابع القربى، ولكنّ تعامل كأنّها لقطة. فقه الميزان هنا هو توفير طريق ثالث وسط بين تقوية المصرف الرّبويّ بتلك الأموال وبين أكلها من صاحب الحساب نفسه. وهو محرّم.
|




