بهدوء

بقلم
د.ناجي حجلاوي
حادثة الإفك من القصّة التّراثيّة إلى التّأويل الاستشراقي(10) «آفاق الفهم»
 يرسم هذا العنصر ملامح المنهج المساعد على المزيد من فهم الحوادث والملابسات الّتي حفت بها، وأُلصقت بالنّصّ القرآني. فقضيّة الفهم، لكلام اللّه تدور حول اعتبار أنّ المعنى لا يتمتّع باستقلاليّة ذاتيّة تجعله أمرا موضوعيّا، وإنّما هو حصيلة التّفاعل الجاري بين الخطاب من جهة قائله ومن جهة قارئه ضمن سياقات مخصوصة من الثّقافة والاجتماع لمقتضياته المختلفة. وإذْ ركّز المفسّرون الأوائل على علاقة النّصّ بقائله، فإنّهم غضّوا النّظر عن علاقة المفسّر بالنّصّ رغم تنبيه القرآن ذاته إلى هذه النّقطة في مواضع كثيرة منها قوله تعالى:﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب﴾(ص:29).
ولربّما اعترض معترض مقيما الحجّة من خلال القول بأسباب النّزول على أنّها وجه من وجوه السّياق. والحقيقة هي غير ذلك، لأنّها ظاهرة ربطت الوحي بالأرض ربطا جعله أقرب إلى النفعيّة، لأنّه يتنزّل تحت الطّلب. وفي هذا الصّدد قال محمّد أركون: «يتحوّل ارتباط معاني الآيات بأسباب النّزول التّقليديّة إلى ظرفيّات تاريخيّة تكشف عن الوضعيّات الثّقافيّة والاجتماعيّة للعرب في بداية القرن السّابع للهجرة. فربط الآيات بالظّرفيّة التّاريخيّة يعني إضفاء مشروعيّة على النّزعة الوضعيّة لوحي مصلحي Révélation opportuniste  ولنبيّ يستنجد بربّه في اللّحظات الحرجة»(1).
ولمّا احتاج النّصّ، على اختلاف أنواعه، إلى مداخل جديدة للوقوف على أبعاده المتعدّدة، فإنّ المعنى الّذي كان يتشكّل كلاّ منيعا، أضحى في مهبّ التّفهّم الّذي يهب كلّ قارئ بدرجة نسبيّة القدر الّذي يتلاءم مع آفاقه النّظريّة، طالما أنّ النّصّ يتمتّع  بظاهر يحجب المضمّن فيه والمخفي والموحى به والمشار إليه والمسكوت عنه. وفي هذا الإطار، من نسبية المعرفة بدت حادثة الإفك بوجه لم تش به الصّورة المرسومة لها في التّراث.
  إنّ التّفسير قد احتلّ قيمة لا تُضاهى لدى المسلمين إلى درجة أضحى معها حاجبا يحُول بين الدّارس للقرآن، والقرآن بوصفه نصّا تأسيسيّا. والغالب الأعمّ من المسلمين يعتبر أنّ القدامى أكثر إلماما بأسرار العربيّة وأكثر اطّلاعا على الأحوال الحافّة بالتّنزيل. وفي هذا الإطار، يُلفي الدّارس شهادات يُستدلّ بها على أنّ الجيل الأوّل أكثر علما من المتأخّرين، ولاسيّما في العلوم الّتي تُسمّى «بالعلوم الشّرعيّة». واللّافت أنّ هذه الشّهادات تصدر من علماء عديدين يحتلّون مكانة قصوى في الضّمير الدّيني من أمثال أبي حامد الغزالي وابن تيميّة وابن القيّم الجوزيّة. ومثل هذا القول يرمي عرض الحائط، بمسيرة العقل البشري وما أنجزه من ثورات علميّة كبرى غيّرت بُناه وجدّدت أساليب وعيه وتفكيره. وهكذا يتمّ إهمال كلّ المعارف الإنسانيّة والنّفسيّة والاجتماعيّة والبُنيويّة والتّفكيكيّة والسّياقيّة، وهي لعمري من أجلّ المداخل المساعدة على سبر أغوار الآيات وتوليد عديد المعاني، الّتي تكون أكثر ملاءمة لخطاب العقل وأكثر إقناعا له.
 لقد قُسّمت العلوم مع المسلمين الأوائل إلى قسميْن: علوم مقاصد وعلوم وسائل. وعُدّت العربيّة، على سبيل المثال، من العلوم الوسائل، ومعنى ذلك أنّ إلمام المفسّر باللّغة العربيّة معجما وصرفا ونحوا وبلاغة يُعتبر شرطا من شروط التّصدّي لفعل التّفسير. ولكنّ تطوّر المعارف، اقتضى أنّ الدّلالة كامنة في صلب الدّال، وأنّ كلّ تغيير يمسّ المبنى مهْما كان ضئيلا، فإنّه يعبّر عن تغيير في الدّلالة تغييرا جذريّا، وهو أمر جليّ يجعل اللّغة تتجاوز أن تكون مجرّد وسيلة لبلوغ المعنى، ولكنّها أضحت هي المعنى ذاته. وبعبارة أخرى، لقد بُني الوعي التّفسيري في فضاء ثقافة تفصل بين الشّكل والمضمون، وبين الدّال والمدلول. واللّغة تُعتبر مجرّد حامل للمعنى. وهكذا اتّضح الانقلاب الجذري في التّعامل مع الجهاز اللّغوي وهو ما شرع الأبواب أمام علوم الخطاب وأنحاء النّص ومختلف المناهج المساعدة على إنتاج المعنى. وإذا كان المنهج من شأنه أن يساعد على تقصّي الحقائق العلميّة من خلال تقصّي مقاصد النّص، فإنّ المفسّرين القدامى، وعلى رأسهم الطّبري، إذا أراد أن يُفسّر آية من الآيات فإنّه يقول: عنى اللّه بقوله هذا(2). وهو ما يجعل رأيه مُتماهيا مع القول الإلهي.
ولمّا كان الخطاب القرآني ينهض على الجهاز اللّغوي ومنه يتشكّل، فإنّ التّحدّي الأكبر الّذي يواجهه المفسّرون، هو أنهم  ظلّوا بعيدين عن سياق الثّورات اللّسانيّة، الّتي حقّقها علماء اللّغة. واللّافت، هو أنّ هؤلاء المفسّرين يدركون تمام الإدراك أنّ الفارق النّوعي بين مُعجزات الأنبياء جميعهم ممّن سبق النّبي محمّد ﷺَ، كانت منفصلة عن طبيعة الرّسالة الّتي بشّروا بها. فرسالة موسى تمثّلت في دعوة بني إسرائيل إلى التّوحيد، ومُعجزته تجلّت في مظهر مادّيّ من قبيل الآيات التّسع البيّنات. وكذلك عيسى الّذي دعا إلى التّوحيد، وكانت معجزاته منحصرة في إحياء من هم في عداد الموتى وإبراء الصّم والبُكم والبُرص. وأمّا معجزة الرّسول محمّد ﷺَ، فهي جزء لا يتجزّأ من رسالته، إذ تزاوجت النّبوءة الدّالة على صدق هذه الرّسالة  في كتاب واحد وفي نسيج نصّي متداخل. وعلى المفسّر أن يُرتّل الآيات المتفرّقات في أرتال منسجمة من أجل الحصول على بناء متكامل، فآيات النّبوءة قابلة للتّصديق والتّكذيب باعتبارها أخبارا وأنباء. وأمّا آيات الرّسالة، فهي قابلة للطّاعة والعصيان، وهما نوعان من الخطاب بارزان، يُشكّلان نصيبا مهمّا من المصحف. 
 واللّافت في كتب التّفسير التّقليديّة، هو أنّ المُفسّرين، لم ينتبهوا إلى قسم كبير من الآيات يُسمّيه القرآن بتفصيل الكتاب. وهذا القسم، هو بمثابة الفهرس، وهو يحتوي على عدد غير قليل من الآيات. وأهمّية هذا الجزء تكمن في كونه مجال الاجتهاد وتطوير الأفهام، لأنّه يُمدّ القارئ بمفاتيح الفهم الدّاخليّة الّتي تُساعده على التّحليل. لقد مثّلتْ فكرة الفهرس هذه مشغلا مهمّا لدى الدّارس واتّخذتْ من وعيه حيّزا، إذْ بدتْ مدخلا يُسهّل الولوج لعوالم المُصحف، ففيه الأحرف المقطّعة في مطالع السّور وفيه الإمام المُبين والكتاب المُبين، وفيه اللّوح المحفوظ وأمّ الكتاب، وفيه الرّسالة والنّبوءة، وفيه الألوهيّة والرّبوبيّة. ولقد لاَحَ أنّ الوقوف على خطّ التباين بين هذه المُصطلحات من شأنه أنْ يُسهّل الفهم بطريقة مُغايرة للمألوف (3) . 
  لم تُسعف الأدوات المنهجيّة، الّتي كانت سائدة، المفسّرين القدامى كي ينتبهوا إلى هذه المفاصل الكبرى المشكّلة للمصحف، وهي النّبوءة والرّسالة وتفصيل الكتاب. فظلّوا يلُفّون حول المحكم والمتشابه لفّا غير مجد ولا مفيد. فلم يستطع أحد منهم تحديد الآيات المحكمات ولا الآيات المُتشابهات، عدّا ونصّا، بل ألفى الدّارس أنّ المحكم عند هذا المفسّر هو متشابه عند الآخر وينعكس، ومثل ذلك الآيات النّاسخات والمنسوخات، والآيات المخصّصة والآيات المعمّمة. فلا يستطيع طالب المعرفة الدّينيّة أن يقف على أرض صُلبة. والحقيقة أنّ الّذي زاد الأمر ضبابيّة وتعقيدا هو الاتّكاء على المداخل الرّوائيّة والآثار والأخبار، الّتي من شأنها التّشجيع على مُباشرة النّظر إلى القرآن بأعين غير قرآنيّة. ومثال ذلك الأعيْن الّتي قرأت سورة النّور بروايات حاولت حجب نورها ولكن دون جدوى. 
 إنّ الباحث يتفطّن من وقت إلى آخر، إلى أنّ المرويات العديدة الّتي نُسبت إلى الرّسول والصّحابة، تمثّل حاجزا في كثير من الأحيان يحُول دون فهم ما ورد في القرآن، وأكثر من ذلك، تقود القارئ إلى نتائج معاكسة لما تضمّنه القيل القرآني، والأمثلة على ذلك كثيرة كمفهوم الشّهادة. فالشّهيد في كامل المُصحف لا يرتبط مطلقا بالموت. فاللّه شهيد، والرّجل يُطلب للشّهادة في القضايا فيُسمّى شهيدا، وعيسى بن مريم أشار إلى كونه شهيدا على بني إسرائيل ما دام فيهم حيّا، وأمّا في حالة وفاته، فالله هوّ الرّقيب عليهم. والأدلّة القرآنيّة على ذلك كثيرة. بالإضافة إلى أدلّة أخرى تُدعّم هذا الرّأي، مثل ما قيل يوم غزوة بدر على لسان الرّسول: قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار، ولم يقل: شُهداءنا. وقد سُمي المقتول في الجهاد شهيدا لأنه شَهد المعركة. والجدير بالمُلاحظة، هو أنّ الرّبط بين مفهوميْ الشّهادة والموت قد تسرّب إلى الثّقافة العربيّة الإسلاميّة من الثّقافة المسيحيّة الّتي شهدت في عهد الإمبراطوريّة الرّومانيّة تعذيب المُؤمنين في المسارح على مرأى من النّاس حتّى الموت. وكان يُطلق على الميّت آنذاك اسم الشّهيد.
  لقد اعتقد المُتأخّرون أنّ العلوم بمُختلف أنواعها قد حقّقت كمالها على أيدي علماء أفذاذ فهموا وأفهموا، وهم الّذين بنوْا حضارة خالدة بما استنبطوه من القرآن من طرائقَ في التّفكير وأدوات في العمل. فلا حاجة، حينئذ، تدعو المُتأخّرين في الزّمن إلى مخالفة الأوّلين السّابقين في أقوالهم وأفعالهم. وتدريجيّا اكتسى الموروث الفكري والثّقافي قداسة ليست منه، تحجب نواقصه وتحول دون نقده ومحاولة تطويره وتجاوزه.
إنّ المُصحف الّذي استخدم لسانَ القوم الّذي أُنزل فيهم حاول أن يُجريَ علاقات تفاعليّة بين المُفردات المُشكّلة لنصّه، فأقام بذلك بينها علاقات بنائيّة ووظائفيّة، ومثال ذلك، ما أجراه من معنى في لفظة «الأموات» من جهة، وقصد بها الأحياء الّذين لا يعقلون، و«لفظة الموتى» من جهة أخرى، وقد عنى بها الّذين فارقوا الحياة. ودون هذا التّفريق، اختلط على المفسّرين الوقوف على هذا الفارق الدّلالي، فاعتبروا أنّ الشّهيد لم يمت، ونُسجت روايات عديدة حول هذا المعنى، وقالوا: إنّ الرّسول كلّم الموتى يوم  بدر. وأمام استغراب الصّحابة وتساؤلهم عن الأمر أبان لهم قدرة الموتى على السّماع والتّعقّل ولكنّهم لا يُجيبون رغم تأكيد القرآن بُطلان هذا المعنى في الآية الصّريحة: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾(النمل :80) . 
 لقد تمّ الجنوح إلى هذه الأمثلة، لبيان أنّ حادثة الإفك تتنزّل ضمن الأفهام المغلوطة الّتي أُلصقت ببعض الآيات القرآنيّة. وهذه الحقائق وغيرها دعت إلى مزيد التّأمّل في صفحات التّفسير بفرعيْه: المُعتمد على الأثر والنّاهض على النّظر، فكان التّباين بينهما ضئيلا، لأنّ المُنطلقات النّظريّة واحدة وأدوات الفهم واحدة. فبدا الحلّ ماثلا في الاستزادة من البحث لاستبانة الأعطاب الثّاوية ثِني الوعي التّفسيري.
وقد أفضى البحث إلى الانتباه إلى أنّ النّصّ القرآني قد احتوى على صنفيْن من الآيات: الصّنف الأوّل يمكن اعتباره آيات مفهوميّة، وهي الّتي تتضمّن أفكارا وتصوّرات إزاء الكون والإنسان، وعالم الغيب كالملائكة وإبليس والجنّة والنّار. والصّنف الثّاني، يحتوي على آيات يُمكن اعتبارها مصداقيّة، وهي الّتي تتمتّع بأبعاد شديدة الصّلة بالظّروف الّتي كانت حافّة بعمليّة التّنزيل. والعلامات اللّغويّة الدّالة عليها تكون من قبيل اسم الموصول المختصّ وأسماء الإشارة المتعيّنة، وهي الّتي يتّضح معناها بربطها بالمسمّيات المشار إليها. وهذان النّوعان إذا لم يُلمّ المفسّر بهما، فإنّه يُصبح معرّضا للخلط، ومن ثمّ يُعمِّم ما كان مرتبطا بنازلة طارئة ويُخصِّص ما كان يُفترض فيه التّعميم. 
ولقد حاول المفسّرون القدامى، وهم يقتحمون هذا المجال، أن يوضّحوا حدود التّخصيص والتّعميم باعتماد القاعدة الشّهيرة المتمثّلة في أنّ العبرة ليست بخصوص السّبب ولكنّها في عموم اللّفظ، إلّا أنّ هذا المخرج أوقعهم في مضايق عديدة، نذكر منها، على سبيل المثال، الآيات الّتي يُعاتب فيها اللّه النّبي كالّذي جرى معه حين حرّم على نفسه ما أحلّ اللّه له، وهو أمر لا يمكن تعميم معناه على كلّ ما أوتيَه من أعمال. والحاصل من هذا المثال، هو أنّ المنهجيّة التّقليديّة حتّى وإن استطاعت، في آونة بعيْنها، أنْ تتجاوز صعوبة في فهم القرآن، فإنّها اليوم تثير أسئلة وتطرح قضايا أكثر ممّا توفّر أجوبة، فلا مفرّ أمام من يروم معالجة نصوص المُصحف من أن يتوخّى أدوات في النّظر جديدة من أجل تجاوز السّقطات الّتي يعجّ بها التّفسير التّقليدي من قبيل المدخل الفيلولوجي وإعادة النّظر في ظاهرة الإعجاز.
تبيّن للدّارس أنّ الثّغرة الكبيرة الّتي يشكو منها الوعي التّفسيري، هي غياب المدخل الفيلولوجي، والقصد منه البحث عن أصول الكلمات واشتقاقها واختلاف معانيها باختلاف الأزمنة والمقامات وضبط دلالتها البنائيّة والسّياقيّة، وهو عمل يُسهّل الغوص في أعماق التّحليل التّاريخي لعناصر اللّغة وما يمكن أن يطرأ من تغيّرات على كلّ جزء من أجزاء اللّغة، علما بأنّ اللّغة تتمتّع بتماسك شديد فيما بين عناصرها، وكلّ علاقة من هذه العلاقات التّفاعليّة تُكسب العلامات دلالات مخصوصة.
 وهكذا اتّسعت مجالات البحث اللّغوي، بالتّركيز على ما يُحدثه الاحتكاك اللّغوي بين الألسِنة من تأثّر وتأثير، ما يحيل على التّداخل الثّقافي والمعرفي، وهو ما ورد في الآية القرآنيّة الّتي تُشير إلى عبارة «التّعارف»، وهو ما يُعادل دلالة التّثاقف، فالقرآن في نسخته المتعالية باللّوح المحفوظ أمر ميتافيزيقي لا يعلمه إلّا الله. أمّا وقد أشارت الآيات إلى أنّه جُعل عربيّا، فمعناه أنّه مرّ بعمليّة تحويل وتغيير في الكينونة، وهو الشّرط في أنْ يستوعبه العقل البشري.
إنّ هذه الصّيرورة الّتي مرّ بها الخطاب القرآني، جعلته في مهبّ الاحتكاك الجاري بين الألسِنـة contact des langues، كما عرّضته لمبدأ التّداخل اللّغوي les interférences linguistiques. ولا يُضير ذلك من طبيعة النّصّ القرآني شيئا، لأنّها ظواهر ملازمة لكلّ لسان. وفي هذا الفضاء، انتبه المفسّرون إلى أنّ القرآن يتضمّن ألفاظا عديدة ذات أصول حبشيّة أو فارسيّة أو أراميّة أو سريانيّة.
ولاريب في أنّ الّذي توصّل إليه عبد القاهر الجرجاني من تحديد لمقولة النّظم واستفاضة في بيان أهميّتها في ضبط المعنى، تظلّ أداة منهجيّة جدّ ناجعة. فاللّفظ قد يُفيد بأكثر من معنى بحسب السّياق الّذي يحتويه، ولا أدلّ على ذلك من كلمة «بنين»، الّتي هي جمع «ابن» في مقام، وتعني «البنايات» في مقام آخر. وكذلك كلمة «النّساء» فهي تعني جمع «امرأة» في سياق، وتجري مجرى المصدر من فعل «نَسَأ» في مقام آخر، وهذا المصدر سماعيٌّ على وزن فِعال مثل ضِراب وقِتال ودِفاع وشِجار.
لقد رسمت اللّغة القرآنيّة أفقا واسعا يسمح بالتّأويل وإعادة التّأويل وفق الوعي اللّغوي المتاح في كلّ ظرف من الظّروف، من أجل الوقوف على الضّمني والمخفي والمسكوت عنه، ما خوّل لبعض الدّارسين، من أمثال عبد الحميد أحمد يوسف هنداوي، إمكانيّة الحديث عن معجزة صرفيّة في القرآن. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة، إلى أنّ اللّسانيّات الحديثة لا تقرّ بوجود التّرادف في اللّغة مهما تقاربت المعاني بين الألفاظ. وبالرّغم من وجود أنصار قدامى لهذه الأطروحة، فإنّ القول بالتّرادف هو الرّأي الّذي ساد في المنظومة التّفسيريّة التّقليديّة، وهو ما جعل المعاني مُجانبة للدّقة العلميّة. فالمُتأمّل في هذه التّفاسير يجد، على سبيل المثال، لفظة «الأمّ» مرادفة للفظة «الوالدة»، وتبعا للقول بالتّرادف، أضحت عبارة «الوالديْن» كعبارة «أبويْن»، فتبخّر الفرق الجليّ بين الوصيّة والإرث. والملاحظ، أنّ أقلّ مجهود يكشف عن الفرق بين العبارتيْن، إذ الوصيّة للوالديْن والإرث للأبويْن، والآية صريحة في تحريم الأمّهات وهنّ لسن بالضّرورة الوالدات، وما ذِكر الأمّهات إلّا عن قصد، وذلك لبيان المعنى الأكثر اتّساعا، باعتبار عنصر التّربية والأبعاد المعنويّة والثّقافيّة، وكلّ ما من شأنه أن يُقوّي الإنسانيّة في الإنسان ويُميّزه عن الحيوان، ومثال ذلك أنّ نساء النّبي هنّ أمّهات المؤمنين ولسن والداتهم. وقِس على ذلك الألفاظ العديدة، الّتي إذا أُهمل الفارق بينها ضاعت المعاني وتداخلت الدّلالات. 
وقد لا يجد الدّارس تبريرا مقنعا ولا سببا كافيا لإغضاء الطّرف من علماء تصدّوا للتّفسير عن مثل هذه المعاني، الّتي تبدو شديدة الظّهور للعيان إلّا أن تكون هذه الثّقافة قد صيغت تحت أعيْن الخلفاء والسّلاطين. وبالإضافة إلى الضّغط السّياسي جنح العقل التّفسيري إلى التّساهل في قَبول المعاني الكامنة في ظاهر القول. ولمّا كانت لغة الوحي لغةً إشاريّة ورمزيّة تقوم على ضرب المثل، فإنّ المِخيال الدّيني قد اضطلع بتضخيم العناصر الخادمة لفكرة الإعجاز، ظنّا منه أنّه يُقدّم خدمة جليلة للخطاب القرآني. 
لقد احتاج كلّ نبيّ عبر تاريخ الإنسانيّة إلى معجزة. وهي الدّليل على صدق ما يقول. ولا تُعدّ المعجزة معجزة إلاّ إذا خرقت عادة مألوفة. ويبدو أنّ هذا الاختراق، المرتبط بالمُعجزة المادّيّة، هو ظرفيّ ومحدود بآونة مخصوصة، لأنّ هذا الخرق في حقيقة أمره إنّما هو مجرّد تجاوز لما تعارف عليه النّاس، وليس خرقا لقانون ثابت من قوانين الطّبيعة. والدّليل الأكثر نصاعة وتدليلا على هذا الاتّجاه هو حبَل مريم ابنة عمران من غير مباشرة رجل من جنسها، وقد أصبح من المُسلّم به والميسور على العقل استيعابه. ذلك بأنْ يتمّ التّكاثر من صُلب الخليّة الواحدة وهو عين الاستنسال والاستنساخ.
ويبدو أنّ العبرة الكامنة من القصص القرآني، ولاسيّما المتعلّقة بالمعجزات، إنّما تكمن في الدّعوة الملحّة إلى البحث عمّا كان يستخدمه الأنبياء في معجزاتهم من مواد ومن قوانين جزئيّة ضمن الأقدار المحرّكة لهذه الطّبيعة بدقّة لامتناهية، كالعقاقير الّتي كان يستخدمها عيسى لإحياء من هم في عداد الموتى أو إبراء الأكمه والأبرص والأعمى، أو الّذي يجعل يد موسى بيضاء مضيئة، أو الوقوف على مكوّنات العصا، الّتي أبكتت فرعون رغم تألّهه وجبروته. إنّ هذا النّوع من الإعجاز المادّي الّذي جاء به الأنبياء بدءا من نوح إلى الرّسالة الخاتمة، يستمدّ إعجازه من الآونة الّتي جرى فيها، وعندئذ لا يؤمن بهذا الإعجاز إلّا من شاهده، أمّا السّمع به فلا فائدة منه، لأنّ المعوّل فيه، هو الحالة الشّهوديّة والحضوريّة.
إنّ اللّافت في إعجاز القرآن، هو أنّه جمع بين الإعجاز والمنهج الّذي دعا إليه الرّسول، فأضحى الدّال من جنس الدّليل. والمُعجزة الدّالة على صدق الرّسالة، هي الوجه الآخر منها، والمُعجزة والرّسالة، كِلتاهما وحي انصهرتا في كتاب واحد. وهكذا عبّرت الإنسانيّة عن كمال نُضجها، إذ ما عاد الإعجاز المتّبع في إقناع العقل مادّيّا محسوسا مشّخّصا، بل أصبح نصّا وخطابا مشكّليْن في صياغة لغويّة بديعة. وما ختم الرّسالة، إلاّ إعلان للعقل البشريّ وإعلام له بأنْ يواصل مسيرة النّظر والتّأويل المنفتح على عوالم المعرفة البشريّة الّتي لا تعرف حدودا. وفي هذا الإطار، يجدر بالدّارس أنْ يُفرّق بين النّبأ والخبر، فإذا كان الخبر يستوجب بُعد الحضور وشرط التّزامن مع الحدث، فإنّ النبأ معلومة مقتضبة وغيبيّة.
والمهمّ في هذا التّفريق، هو أنّ القرآن دعا أصحاب العقول الرّاشدة إلى تقصّي هذه الأنباء في مضانّها من الطّبيعة بحثا وتنقيبا، مشيرا إلى أنّ المعرفة والعلم يستوجبان مسيرة مستمرّة في مجاهل المستقبل. ومصداق  ذلك قوله تعالى: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾(الأنعام:67). وهكذا يحتلّ مفهوم التّأويل معنى الانتقال بالمعلومة من حالة النّبأ إلى حالة الخبر. وقد بدا لي من خلال تفريق القرآن الصّارم بين النّبأ والخبر، أنّ مسألة الإعجاز في الفضاء القرآني، لا تعدو أكثر من أنْ تكون علامة دالّة على أنّ المصدر القرآني، هو مصدر إلهي لا أكثر. 
وفي هذه الحالة، يصبح الإعجاز البيانيّ والدّلالي تحدّيا فعّالا بما يقتضيه من إفشاء للحيْرة المعرفيّة الخلاّقة. وبهذه الصّورة، يضحى الإعجاز مُولّدا للبحث والتّمحيص، إلّا أنّ الّذي عنّ لي، هو أنّ الوعي الدّيني قد أُغرِق في تشعبّات الإعجاز بأنواعه: الفصاحة والبلاغة والصّرفة والنّظم  وأخبار الغيب سواءٌ تعلّقت بالماضي أو بالمستقبل ثمّ الإعجاز العلمي لاحقا.
وإذا حقّق عبد القاهر الجرجاني لحظة فارقة في الوعي اللّغوي البلاغي بتركيزه على مقولة النّظم وما لها من آفاق جدّ واسعة في إثارة أدقّ المعاني وضبطها، بما يعنيه النّظم من مراعاة السّياق وما يتضمّنه من علاقات تفاعليّة بين أجزاء الخطاب، فإنّ المفسّرين في أغلبهم لم يُفعّلوا هذه الأداة المفيدة  في تفاسيرهم، وإنّما جنحوا في أغلب ما أنجزوا إلى تحكيم الآثار والأخبار ففاضت كُتبهم بالأساطير والخرافات، بالرّغم من إدراكهم الآثار السّلبيّة لصنف منها  يسمّونه «بالإسرائيليّات». 
ولقد كان الإعجاز هو المحرّك الأوّل للارتماء في أحضان الغريب والعجيب،  فأضحى الفعل لديْهم لا يتجاوز الانفعال، والإعجاز دافعا في غالب الأحيان إلى العجز. ولاغرو في ذلك مطلقا، لأنّ الإعجاز في مبدئه اللّغوي، هو إظهار العجز. ومن ثمّ بات المُصحف علامة إعجاز وبات التّفسير مبرهنا  على عجز العقل المسلم عن فهم الآيات القرآنيّة فهما يخالف ما رسمه السّابقون الأوّلون، وما ذلك إلاّ ثمرة طبيعيّة لما ضُرب على التّفكير من أسيِجة قاطعة من قبيل كلّ «بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار». و«التّفسير بالرّأي فاسد وإنْ أصاب» و«المعلوم من الدّين بالضّرورة» و«لا اجتهاد فيما فيه نصّ» و«دفع الضّرر مقدّم على جلب المنفعة». وكلّ ذلك يتساوق مع إرادة السّلطة السّياسيّة، الّتي تتّسم بالمحافظة والتّقليد، وتخشى من ضياع مصالحها ومن كسر شوكة الاستبداد، فتسعى إلى الرّكون والسّكون وتشجّع على التّقليد المريح والمميت وتنتدب لذلك رجال دين يُفتون ويُبرّرون. ويبدو أنّ هذه الأعطاب، قد شلّت الثّقافة العربيّة الإسلاميّة منذ وضع السّلطان الأمويّ والعبّاسي بكلكله على المعرفة والعلم، حتّى أعلن المُسعتصم عن غلق باب الاجتهاد، حين أمر علماء الفقه في المدرسة المستنصريّة أن يتوقّفوا عن تدريس أيّ فكر خلاف أقوال الأئمّة الأربعة.
وهكذا سقط الفكر الدّيني رسميّا في الحفظ والاجترار وتبرير الاختيارات السُّلطويّة بالفتاوى، فساد الجمود وعمّ التّقليد. وهكذا ضاعت أنبل المعاني وأسماها وأرقى القيم الإنسانيّة وأجداها، لقد تضاعف الاقتناع بأنّ التّضخيم من ظاهرة الإعجاز، هو الّذي سهّل على المُسلمين تضخيم الوعي الميثولوجي في تفسيرهم للقرآن. وهو أيضا العامل الأساس الّذي جعلهم يجنحون إلى المجهود الأدنى في تعاملهم مع اللّغة القرآنيّة فجعلوا الألفاظ تستقرّ على دلالة واحدة، رغم اختلاف المقامات والسّياقات الّتي جرت فيها. وهو أمر يؤكّد باستمرار ضرورة إعادة النّظر الجدّي في فهم النّص القرآني وتجنب هذه الجوانب المعرقلة. كلّ ذلك من أجل إنتاج وعيّ تنويريّ ينهض بالعقول. 
 والنّتيجة الكبرى الّتي أفضى إليها النّظر والتّدقيق، هي أنّ المداخل التّقليديّة لفهم النّصّ القرآني من قبيل أسباب النّزول والنّاسخ والمنسوخ والمُحكم والمُتشابه، والخاصّ والعامّ بالشّكل الّذي تضمّنته كُتب التّفسير، ما عاد كافيا للإجابة عن الأسئلة العديدة الّتي يطرحها الوعي الدّيني المُعاصر، ومن ثمّ لا يجد الدّارس مناصا من التّفكير في الولوج إلى عوالم هذا النّصّ من خلال المناهج المعرفيّة الّتي توصّل العقل البشري الحديث إلى إبداعها، وهو مجال يتطلّب جُهدا مُضاعفا وجماعيّا ووقتا طويلا. وحسْب الدّارس ألّا يدّخر جُهدا في النّظر والتّدقيق والمُراجعة النّقديّة.  
الهوامش
(1)   Mohamed Arkoun, lectures du coran, ed Alif, Tunis, 1991, p60. 
(2) انظر على سبيل المثال تفسيره للآية 2 من سورة آل عمران3. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مج3، م ن، ص1670.
(3) يمكن العودة في هذا المجال إلى محمّد شحرور، الكتاب والقرآن، دار الأهالي للنّشر، سورية، د ت. و يزوتسو، توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم، تعريب وتقديم هلال محمّد الجهاد، ومراجعة فضل الرحمان، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ط1، مارس 2007.