رسالة فلسطين
| بقلم |
![]() |
| م. خالد بن عمر |
| لماذا يصرّ الاحتلال على نزع سلاح المقاومة؟ |
أوّلاً: الحرب ليست عسكريّة ولا سياسيّة... بل عقديّة
طول الحرب التي تجاوزت العامين لا يمكن تفسيره بالأسباب العسكريّة وحدها؛ فالكلفة الباهظة لم تُقنع المؤسّسة الإسرائيليّة بالتّراجع، ولا الخوف من السّقوط السّياسيّ دفع الحكومة نحو التّهدئة، ولا حتّى تهديد المحاكم الدّوليّة شكّل رادعاً أخلاقيّاً. السّبب الجوهريّ أعمق: ما يجري في غزّة والضفّة هو حرب دينيّة عند الجماعات الصّهيونيّة التي تمسك اليوم بمفاصل القرار. ففكرة «أرض إسرائيل الكبرى»، الممتدّة –وفق المخيال التّوراتيّ– من النّيل إلى الفرات، ليست مجرّد شعار، بل هي مرتكز أيديولوجيّ لمشاريعهم الاستيطانيّة منذ بدايات الحركة الصّهيونيّة. ومع صعود «الصّهيونيّة الدّينيّة» إلى الحكم، تحوّلت هذه العقيدة إلى سياسة ميدانيّة مباشرة، رغم الصّراعات والانشقاقات داخل المشهد السّياسيّ الإسرائيليّ.
رئيس الوزراء يقدّم نفسه على أنّه يتحمّل مسؤوليّة تحقيق الحلم اليهوديّ في أرض إسرائيل الكبرى، وهو ليس الوحيد ممّن يروّج لهذه الرّؤية، بل وزراء الماليّة والأمن القوميّ أيضاً، الذين يستندون إلى قاعدة شعبيّة يمينيّة متشدّدة ترى في الحرب فرصة تاريخيّة لاستعادة «الأرض الموعودة».
ثانياً: تحويل الجيش إلى ذراع للاستيطان
أضاف جهازا الجيش والشّرطة مهمّة جديدة في التّصعيد والحرب؛ فقد وفّرت المؤسّستان العسكريّة والأمنيّة غطاءً كاملاً لإرهاب المستوطنين واعتداءاتهم اليوميّة الوحشيّة في الضّفّة الغربيّة. دون أن ننسى ما فعله الجيش من اقتحام المخيّمات وتدمير القرى وعمليّات الاعتقال والتّهجير، في إطار خطّة التّطهير العرقيّ في الضفّة كما يحدث في غزّة. وفي القطاع، سعى جيش الاحتلال منذ الأيّام الأولى إلى دفع الفلسطينيّين للنّزوح التّدريجيّ نحو الحدود المصريّة، عبر التّهجير القسريّ والطّوعيّ عبر «الممرّات الآمنة» المزعومة. وكان الهدف واضحاً: إخلاء الشّمال تماماً وحصر مليونيّ غزّاويّ في الجنوب قبل دفعهم لاحقاً إلى خارج القطاع.
ولم يخفِ رموز اليمين المتطرّف ذلك، كما ظهر في تصريحات لسياسيّين، وخاصّة تلك الشّمطاء «دانييلا فايس»، مؤسّسة حركة «نحالا» استيطانيّة، التي قالت صراحةً: «فليذهبوا إلى أيّ مكان... إلى الدّول العربيّة، كندا أو أستراليا». هذه العقليّة الإقصائيّة هي جوهر الحرب: غزّة والضفّة تُعاملان كأرض يهوديّة ينبغي تفريغها من سكّانها. غير أنّ حسابات الاحتلال قوبلت بصمود غير متوقّع رغم التّوحّش في التّقتيل والتّدمير: رفض جماعيّ فلسطينيّ للنّزوح الدّائم، كان أبرز تجليّاته في عودة عشرات الآلاف نحو الشّمال المدمّر تماماً عبر شارع الرّشيد، رغم الجوع والقصف والمجازر.
ثالثاً: نزع السّلاح... وصفة لمجازر أكبر
هنا تظهر قمّة النّفاق والاستغباء عبر فكرة نزع السّلاح. وللكيان المحتلّ تجارب سابقة: كلّ حركة مقاومة تُنزع أسلحتها تتحوّل إلى مجتمع مكشوف بلا حماية. ذكر المقال مثال «صبرا وشاتيلا» التي حدثت بعد تسليم حركة «فتح» سلاحها للقوّات الدوليّة عام 1982. لكنّ المأساة لا تتوقّف هناك: من العراق إلى البوسنة إلى سريبرينيتسا، شهد العالم أنّ نزع السّلاح في ظلّ احتلال هو تمهيد مباشر للإبادة. لهذا تدرك المقاومة أنّ تسليم السّلاح لا يعني السّلام، بل يعني مجازر بأضعاف ما وقع خلال السّنتين الماضيتين.
رابعاً: العدوّ فقد القدرة على الحسم العسكريّ
هناك سبب آخر يجعل الكيان يصرّ على نزع السّلاح: فقدان القدرة على الحسم العسكريّ. قبل عقود، خاض جيش الاحتلال حرب 1967 بثلاثة عشر إلى خمسة عشر لواءً فقط، خُصّص أكثر من نصفها للجبهة المصريّة، فيما وُزّع الباقي بين الجبهتين الأردنيّة والسوريّة، وهو ما سمح له بحسم المعركة في ستّة أيّام رغم محدوديّة حجم القوّات.
اليوم، يحارب بأضعاف هذا العدد في قطاع لا يتجاوز 365 كلم²، ولم يتمكّن من تحقيق نصرٍ واحد واضح. الكيان يدرك أنّ «أسطورة الجيش الذي لا يُقهر» سقطت، وأنّ المقاومة –رغم الحصار– كسرت ميزان الرّدع. وبما أنّ الجيش فقد القدرة على الحسم، فإنّ البديل الوحيد أمامه هو تجريد المقاومة من سلاحها.
خامساً: مشروع «إسرائيل الكبرى» يفتح الحرب على حدود أخرى
حلم إنشاء دولة إسرائيل الكبرى لا يقتصر على فلسطين، بل يمتدّ إلى أجزاء من لبنان وسوريا ومصر. من هنا نفهم الاعتداءات الأخيرة في الجنوب اللّبنانيّ، والغارات في سوريا حيث وُضع حجر أساس لبناء مستوطنة، والاعتداءات المتكرّرة في الضفّة. المهمّ بالنّسبة للقيادة الإسرائيليّة اليوم ليس وقف الحرب، بل توسيع رقعة السّيطرة وفرض واقع جديد، حتّى لو أدّى ذلك إلى نزوح عشرات الآلاف بلا عودة.
سادساً: معركة وعي بقدر ما هي معركة سلاح
يسعى قادة الكيان منذ سنوات إلى ترسيخ فكرة أنّ «المقاومة عبثيّة»، وأنّ التمسّك بالسّلاح لا يجلب إلّا الدّمار. هذه الدّعاية ليست جديدة؛ فهي امتداد لرواية قديمة بُنيت عليها العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة: جيشٌ لا يُقهر... شعبٌ مختار... أرضٌ موعودة. لكنّ الواقع اليوم ينسف هذه الرّواية: الجيوش الإقليميّة التي كان يُفترض –نظريّاً– أن تكون خصوماً للاحتلال، باتت عاجزة حتّى عن حماية حدودها، كما ظهر في الاعتداءات الأخيرة على الدّوحة، والتي مرّت بلا ردّ.
خاتمة
إنّ سؤال «ماذا لو سلّمت المقاومة سلاحها؟» لا يمكن عزله عن المشروع الصّهيونيّ الأوسع الذي يتجاوز القطاع والضّفّة إلى المنطقة بأكملها. فالمقاومة ليست مجرّد تنظيم مسلّح، بل حاجز أخير أمام التّهجير الكامل، وأمام تحويل فلسطين إلى مجال جغرافيّ مفرّغ يمكن ضمّه دون عناء.
قد يختلف النّاس حول جدوى السّلاح، لكنّ التّاريخ يحسم الجدل: الشّعوب التي سلّمت سلاحها قبل أن تنال حرّيّتها... لم تنل حرّيّتها قطّ. |




