في الصميم
| بقلم |
![]() |
| نجم الدّين غربال |
| مَلاَمِحْ نِظَامٍ مَالِي قَوِيٌّ ومُنْصِفْ (10) مؤسّسات التَّمْوِيل الصَّغِير |
تمهيد
لا يختلف المختصّون في أنّ النّظام الماليّ لا يكتمل بنيانه إلاّ بتضافر أنماط تمويلٍ وهياكلَ وأسواقٍ ومؤسّسات. وقد تعرّضنا، في مقالات سابقة، لتلك الأنماط، كالتّمويل الجماعيّ والزّكاة والوقف، ولتلك الهياكل، كالجهاز المصرفيّ وصناديق الاستثمار وسوق المال(1). ونشرع في هذا المقال في بحث مؤسّسات التّمويل الصّغير، بصفتها أولى لبنات ذلك النّظام، قبل أن نختم البحث بدراسة مُؤسّستي التّأمين والإيجار الماليّ؛ ويأتي هذا الجهد مساهمةً منّا في بلورة دراساتٍ وبدائلَ ضمن نشاط «منتدى الفارابي للدّراسات والبدائل»، واللهُ المَقصِدُ وهو وليّ التّوفيق.
من المعلوم أنّ فقدان الإنسان لما يتصرّف فيه، أو عجزه عن التّصرّف والتّحكّم فيما يملك، يعني بالضرورة قصور الموارد الكافية لتلبية حاجاته. والموارد في الحقيقة مُتعدّدة؛ فالقيم والعلم والمعرفة والخبرة والمهارات والعلاقات كلّها موارد، تضاف إليها الموارد الماليّة.
وفي سياق مواجهة الفقر في عالمنا المعاصر -والّذي تُعدُّ مؤشّرات تفاقمه أكبر حُجّة على قصور النّظام الماليّ السّائد والمهيمن عالميًّا، ودافعًا للبحث عن ملامح نظام ماليّ قويّ ومنصف- اقتُصِر الاعتماد بالأساس على الموارد الماليّة، دون إيلاء القيم الأهميّة المستحقّة؛ كتلك الّتي نادى بها الأمريكي «جون رولس»، من عدلٍ يُنصف الجميع عبر توزيع عادل للثّروات، ومساواةٍ في الحرّيّة والفُرص، وتعاونٍ مشترك.
كذلك لم تُؤخذ قيمتا العدل والتّعاون -اللّتان شدّدَ عليهما ابن خلدون كأساسين لسلامة العمران البشريّ وديمومته- مأخذ الجدّ. إذ ظلّ الاعتماد في مُواجهة الفقر محصورًا في التّمويل، وتحديدًا التّمويل الصّغير وفق مبادئ الماليّة التّقليديّة القائمة على نظام القروض بفائدة؛ وهو النّظام الّذي تسبّب -حسب جلّ خبراء المال، إن لم نقل كلّهم- في الأزمات الماليّة المتعاقبة، وما تبعها من أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة.
وقد أُنشِئت لهذا الغرض بنوكٌ للفقراء، ومؤسّسات للتمويل الصّغير، وتعاونيّات للادّخار والإقراض، وجمعيّات الإقراض وصناديق التّمويل الأصغر وغيرها، ولكن، ما هي حصيلة تلك التّجربة؟
1 - من نتائج تجربة التّمويل الصّغير التّقليدي
على الرّغم من كثرة مؤسّسات التّمويل التّقليديّ المعتمدة على الإقراض بفائدة (حيث تجاوز عددها 10,000 مؤسسـة)، وضخامة حجم تمويلاتهـا (أكثر من 110 مليار دولار سنويًّا)، وما سجّلته من نموّ سنويّ قُدّر بـ 10 %، وربحيّة تخطّت 8 %، وتنوّع مصادر تمويلها بين ادّخار (57 %) واقتراضٍ بنكيّ (23 %) ورأس مال ذاتيّ (20 %)؛ إلا أنّها لم تقدر على أن تكون وبشكل يتناسب مع حجمها واهميتها مؤسّسات تنمية ومحاربة للفقر بالرغم من استفادة أكثر من 140 مليون شخص من خدماتها حسب تقييم د. أنس الحسناوي(2).
وفي ظلّ غياب مؤشّرات اقتصاديّة واجتماعيّة ملموسة، كنسبة الخروج من دائرة الفقر، ومعدّل التّأثير على الإنتاجيّة، وعدد فرص العمل المستحدثة سنويًّا؛ تظلّ تلك المؤسّسات -بحسب تقييم د. الحسناوي- عاجزةً عن الإخراج من الفقر وتحقيق التّنمية بشكل ملموس(3).
وقد أُرجِع ذلك القصور إلى تركيزها الحصريّ على الجانب الماليّ، في حين أنّ الفقر والإقصاء يتخذان أشكالًا متعدّدة؛ فالفقر ليس ماليًا فحسب، بل هو فقرٌ متعدّد الأبعاد يشمل الحرمان من الإمكانات الأساسيّة، والفرص، والمكانة الاجتماعيّة، والمبادرة، وشبكة العلاقات، والتّعليم، والخبرة(4).
من جهة أخرى، واستنادًا لما سلف من عرضٍ لتجربة التّمويل التّقليديّ الصغير، يرجع عجز هذه المؤسّسات في مواجهة الفقر إلى ارتفاع معدّلات الفائدة على الإقراض (تتراوح بين 27 % وأكثر من 60 %)؛ الأمر الّذي يجعل الفقراء الّذين يلجؤون إليها يكدّون لسداد ديونهم، دون تحقيق أيّ نقلة نوعيّة في حياتهم، أو التخلّص من الفقر.
وإجمالًا، أظهرت عمليّات تقييم التّمويل الصّغير التّقليديّ أنّ نتائجه ظلّت محدودة، وبقيت مؤسّساته تتخبّط في إشكاليّات هيكليّة حدّت من فاعليّتها، ناهيك عن ندرة مواردها ممّا عرّض استدامتها لمخاطر جمّة، فضلاً عن تعقيد آليّاتها الماليّة.
وأمام هذا العجز، برز التّمويل الصّغير وفق المبادئ المستمدّة من القرآن الكريم. فما دور هذا النّوع من التّمويل؟ وما نتائج التجارب التي اعتمدته؟ وما دلالاته ضمن منظومة «التمويل الإسلامي»؟ وكيف يمكن تطويره ليكون جزءًا من النّظام الماليّ المنشود، القويّ والمنصف، بما ينفع النّاس كافّة؟
2 - دور التّمويل الصّغير الاسلامي
سعيًا لتحقيق استراتيجيّته لمواجهة الفقر، أنشأ البنك الإسلاميّ للتّنمية «صندوق التّضامن الإسلاميّ للتّنمية»، متطلّعًا لدور رياديّ في تعزيز التّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة في الدّول الأعضاء. وقد تبنّى الصندوق خيار «التّمكين الاقتصاديّ» من منظور إسلاميّ، إيمانًا منه بأنّ الفقر ليس مجرّد نقص في الفُرص والقدرات والأمن، بل هو فقر في التّمكين أيضًا. فكيف يساهم التّمويل الإسلاميّ الصّغير في إنجاح هذا التّمكين؟
يؤدي التّمويل الإسلاميّ الصّغير دورًا محوريًا في إنجاح التّمكين الاقتصاديّ نظرًا لصبغته التّشاركيّة التّعاونيّة، التي تتقاطع مع جوهر مقاربة التّمكين الاقتصاديّ كما عكستها قصة ذي القرنين، والعناوين الكبرى التي يمكن استنباطها حين نتدبر آيات القرآن الكريم (خواتيم سورة الكهف). كما تكمن أهميّته في تغطيته لكلّ قطاعات الاقتصاد الحقيقيّ المؤثثة لفضاء التّمكين الاقتصادي، وهو ما تعكسه طبيعة عقوده التّمويليّة وتعدّدها وتنوّعها.
ونظرًا لما تمتاز به مقاربة التّمكين الاقتصاديّ من دمج بين الكفاءة الاقتصاديّة والأهداف الاجتماعيّة، يمكن لها -بالاعتماد على الماليّة الإسلاميّة- أن تنجح كمقاربة في معالجة الفقر والبطالة عبر مؤسّسات التّمكين. ولكن، كيف يتم ذلك؟
إنّ مؤسّسات التّمكين الاقتصاديّ لا تكتفي باستقبال طلبات التّمويل، بل تبادر باقتراح المشاريع وتمويلها، وتعمل جنبًا إلى جنب مع الفقير. فهي لا ترى نفسها مجرّد داعم أو مساند، بل شريك متضامن؛ فالمسؤوليّة مشتركة، وليست ملقاة على عاتق المستثمر وحده كما هو الحال في مؤسّسات الإقراض.
وتنطلق هذه المؤسّسات من مبدأ عدم الفصل بين التّمويل والاقتصاد، بل تربط سداد ما بذمّة الفقير بنتائج العمليّة الإنتاجيّة، وتتعاطى معه بشكل تضامنيّ لا ماليّ بحت؛ فهي تؤمن بعدالة توزيع الثّروات، لا بعدالة توزيع القروض كما هو الحال في مؤسّسات الإقراض.
ميدانيًا، أُحدثت مؤسّسات للتمكين الاقتصاديّ في تونس («الزّيتونة تمكين») وأخرى قيد الإنشاء في فلسطين والسّنغال والسّعوديّة، إضافة إلى مؤسّسات تقدّم خدمات مماثلة في السّودان وفلسطين وغيرهما.
وفي العالم الإسلاميّ، يوجد أكثر من 650 ألف شخص يعيشون على أقلّ من دولارين يوميًا، منهم 200 مليون في فقر مدقع (أقلّ من دولار واحد)(5). ورغم هذه الأرقام المفزعة، والطّلب المتزايد على خدمات التّمويل المتوافق مع أحكام الشّريعة الإسلاميّة، لا يزال التّمويل الإسلاميّ يمثّل أقلّ من 1 % من إجمالي سوق التّمويل الصّغير(6).
وقد أظهرت دراسة لتقييم تجربة التّمويل الأصغر في السّودان(7) خلال الفترة 2000-2010 النّتائج التّالية:
1 - انخفاض نسبة التّمويل الأصغر الممنوح بشكل كبير.
2 - استحواذ المصارف المتخصّصة (مصرف الادّخار للتّنمية الاجتماعيّة، وبنك الأسرة) على النسبة الأكبر من التمويلات الممنوحة.
3 - لعب ديوان الزّكاة دورًا بارزًا عبر دعم مصرفي الفقـراء والمساكين بنسبــة 69 % من إجمالي المصارف الشّرعيّة، سواء كدعم نقديّ أو تمويل مشروعات خدماتية جماعية وفردية صغيرة.
4 - الحاجة الماسّة لتطوير التّمويل الأصغر عبر تفعيل دور الدّولة في الصّناديق والمؤسّسات الاجتماعيّة، مع الدّعوة لإنشاء وزارة خاصّة للمشاريع الصّغيرة، وتعديل عوائد التّمويل بتوجيه من البنك المركزيّ.
5 - الحاجة الى نشر ثقافة الفروع المصرفيّة المتنقلة، وزيادة الوعي لدى العاملين والعملاء لترسيخ ثقافة التّمويل الأصغر.
3 - من دلالات وجود التّمويل الاسلامي الصّغير
رغم الجوانب الإيجابيّة الّتي عرضناها للتّمويل الصّغير الإسلاميّ، بقي التّعاطي مع الفقير محصورًا في البعد التّمويليّ غالبًا، دون إيلاء الاهتمام الكافي للبعد الاقتصاديّ، ممّا أبقى النّظرة للفقير قاصرة. وهذا ما دفع البنك الإسلاميّ للتّنمية نحو تبنّي مقاربة جديدة سمّيت بـ«مقاربة التّمكين الاقتصاديّ» من وجهة نظر إسلاميّة.
من جهة أخرى، يُعتبر وجود التّمويل الصّغير الإسلاميّ، في حدّ ذاته، إقرارًا ضمنيًا بأنّ التّمويل الإسلاميّ القائم قد أقصى فئاتٍ مجتمعيّة من خدماته. فإن كانت الطّبيعة الاقصائيّة للتّمويل التّقليديّ قد سوّغت ظهور التّمويل الأصغر، فإنّه لا مبرّر لإقصاء أيّ فئة في ظلّ مؤسّسات التّمويل الإسلاميّ المُطالبة بالالتزام بغاياتها الأربع المستوحاة من القرآن الكريم.
فالتّمويل الإسلاميّ، الموصوف بالتّشاركيّ والتّضامنيّ، هو «تمويل تمكين» حتمًا؛ لتقاطع خصائصه مع مفهوم التّمكين. فهو مبدئيًا لا يُقصي أحدًا، وقائمٌ للحيلولة دون حصر تداول المال بين الأغنياء، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(الحشر: 7).
ان الاستنتاج المنطقي القائل بأنّ التّمويل الإسلاميّ القائم قد أقصى فئات من المجتمع من الاستفادة من خدماته، يؤكّد الواقع الإشكالي لهذا النّوع من التّمويل، على مستوى مؤسّساته ومصادره ومنتجاته، كما أكّده د. أنس الحسناوي في «ملتقى صفاقس الدّولي الخامس للماليّة الإسلاميّة يومي 7 و8 افريل 2018»، فما هي الاشكالات الثلاثة التي تُواجه التّمويل الإسلامي؟
حتّى نلتقي
يُواجه التّمويل الإسلاميّ في معالجته للفقر والبطالة ثلاثة إشكالات رئيسيّة شملت المنتجات، والمؤسّسات، والمصادر، كما خلص إليها د. أنس الحسناوي(8). ممّا يعيق عمليّة تمويل الفقراء واقعا رغم الفرص الوفيرة التي يُقدّمها الطّرح النّظري للتّمويل الاسلامي. وللخروج من هذا المأزق، تمّ الاهتداء إلى أنّ الحلّ يكمن في تكامل الالتزام بمقاصد الشّريعة، وتفعيل مؤسّسات التّمكين الاقتصاديّ، وابتكار أوقاف تنموية.
وعلى أنقاض الإشكالات المتعلّقة باقتصار استثمار المصادر (كالمال العام، والزّكاة، والوقف) على المشاريع الكبرى ومشاريع القطاع المنظّم وإقصاء الفقراء والمهمشين رغم استحقاقهم لها؛ برزت «مؤسّسات التّمكين الاقتصاديّ» ومفاهيم «التّمويل الإنمائيّ» و«الوقف الإنمائيّ»، وقد فصّلنا ذلك في مقال سابق بمجلّة «الإصلاح» الإلكترونيّة(9).
ولمواجهة الإشكال الثّالث الذي اعترض التمويل الاسلامي المتعلّق بالمنتجات، برزت تجربة «التّأمين التّكافليّ» في ماليزيا كمنتج نوعيّ. فما هو التّأمين التّكافليّ؟ هذا ما سيكون محور المقال القادم، إن شاء الله جلّ في علاه.
الهوامش
(1) راجع مقالاتنا بمجلة الإصلاح الاعداد 216 – 217 – 218 – 219 – 220 – 221 .. www.alislahmag.com
(2) انس الحسناوي(2018)»التمكين الاقتصادي الرؤية والتجربة نماذج من تجارب البنك الاسلامي للتنمية» ملتقى صفاقس الدولي الخامس للمالية الاسلامية 07 افريل 2018 تونس
(3) ملتقى صفاقس الدولي الخامس للمالية الاسلامية «اشكاليات التمويل الاسلامي» 7 – 8 افريل 2018 تونس
(4) المصدر السابق
(5) العياشي فداد ( 2012) «إدماج مؤسستي الزكاة والوقف في برامج مكافحة الفقر» ص 1 المعهد الاسلامي للبحوث والتدريب – البنك الاسلامي للتنمية – جدة – المملكة العربية السعودية.
(6) https://www.microfinancegateway.org World Bank Group(US)S
(7) عبد المنعم محمد الطيب حمد النيل(2011) «تقويم تجربة التمويل الاصغر في السودان خلال الفترة 2000 - 2010»
abuemona@sudanmail.net.sd Abuemona65@yahoo.com
(8) أنس الجسناوي التمكين الاقتصادي الرؤية والافاق –2018 نماذج من تجارب البنك الاسلامي للتنمية / ملتقى صفاقس الدولي الخامس للمالية الاسلامية تونس 07/04/2018 Anasse.elhasnaoui@4usrna
(9) راجع مقالنا بمجلة الإصلاح الالكترونية عدد 218 ص 28 – 35 www.islah.mag
|




