في العمق

بقلم
خليفة بن مسعود
نظريّة عربيّة جديدة في البنائيّة: قراءة في كتاب «البنائيّة الاستخلافيّة: بديل تربوي حضاري» للدّكتور
 قراءة تحليلية للكتاب:  
استهلَّ الأستاذ الدُّكتور مصدَّق جليدي كتابه «البنائيَّة الاستخلافيَّة بديل تربويّ حضاريّ» (1) بتمهيد ذكر فيه بالخصوص تفوُّق المسلمين التَّاريخيّ على الأوروبيِّين في مجال العلوم والفلسفة والحضارة بصفة عامَّة، فالعرب كانوا معلِّمي الغرب اللَّاتيني ومربِّيه كما نوه بذلك مؤرِّخ العلوم وفيلسوفها «ألكسندر كويريه» في كتابه (دراسات في تاريخ الفكر العلميّ). 
وقد وصل الافتتان بالنَّموذج العلميّ والتَّربويّ الإسلاميّ من قبل الأوروبيِّين إلى أن قلَّد علماؤهم المهاجرون إلى الجامعات الإسلاميَّة في الأندلس علماء المسلمين في لباسهم وهيئتهم(2)، وظلَّ الحديث عن المعجزة العربيَّة كما يؤكِّد ذلك «ماكس جونتاغو» في كتاباته وعن النُّخبة العلميَّة الإسلاميَّة والرُّوح الحضاريَّة الإسلاميَّة يتكرَّر دائماً في سياق حديث هؤلاء المؤرِّخين الغربيِّين والمستشرقين عن مكانة الحضارة العربيَّة والعلوم عند العرب وتقدُّمها، ممَّا لا يدع مجالاً للشَّكِّ في مساهمة المسلمين الفعَّالة في بناء الحضارة الإنسانيَّة إلى درجة أنَّ عالماً أوروبيّاً متميِّزاً مثل «روجر بيكون» يقول إنَّه «لم يملَّ قطُّ من التَّصريح بأنَّ تعلُّم معاصريه اللُّغة العربيَّة وعلوم العرب هو الطَّريق الوحيد للمعرفة الحقَّة»(3).
ولكنَّ الغرب الَّذي كان تابعاً أصبح اليوم سيِّداً ذا قوَّة وسبق في مجال العلوم المتنوِّعة، وبما أنَّ التَّربية هي المدخل إلى إعادة التَّأهيل الحضاريّ الشَّامل فقد حاولت العديد من المجتمعات العربيَّة من خلال قياداتها ونخبها وأنظمتها السِّياسيَّة اللَّحاق بالغرب المعاصر باستجلاب طرقه ومناهجه التَّعليميَّة والتَّربويَّة على علَّاتها. ولكنَّ الإحصائيَّات والاختبارات الدَّوليَّة في مجال اللُّغات والرِّياضيَّات والعلوم تشير للأسف إلى تخلُّف مريع للبلدان العربيَّة وبعدها الشَّاسع عن مصافِّ المدارس التَّربويَّة العالميَّة كالمدرسة الفنلنديَّة والمدرسة النَّرويجيَّة والمدرسة اليابانيَّة.
إنَّ مشكلة تراجع أداء النِّظام التَّربويّ العربيّ مشكلة خطيرة وتبعث على التَّفكير العميق والبحث الجديد في الأسباب والحلول معاً. ويعتبر الباحث أنَّ ذلك الأمر مجرَّد عارض ألمَّ بالأمَّة، وأنَّ لها مقوِّمات ستنهض بها، من أهمِّها عقيدتنا الإسلاميَّة الرَّاسخة في أنَّه لا نيأس من روح اللّه، وأنَّه لا بدَّ أن تتعافى هذه الأمَّة من تخلُّفها وتنهض من جديد. ويؤكِّد الكاتب أنَّ التَّجربة العلميَّة والحضاريَّة الإسلاميَّة الرَّائدة تاريخيّاً تدلُّ على أنَّ الخلل والتَّخلُّف الحاضر لا يمسَّان في شيء روح الثَّقافة الإسلاميَّة الَّتي تولَّدت عنها أصالتنا التَّربويَّة، والَّتي كانت مصدر إلهام وإبداع عظيمين طوال قرون مديدة من تاريخ أمَّتنا المجيد. ومن هنا يجب علينا أن نفكِّر من جديد، وأن نبحث بإيجابيَّة وتفاؤل كبير عن استئناف فعلنا الحضاريّ وريادتنا العلميَّة، والمدخل في رأي الكاتب هو القيام بعمليَّة إصلاح عميق وجذريّ لأنظمتنا التَّربويَّة، والقيام بعمليَّة مراجعات وتقييمات علميَّة وموضوعيَّة لها، ولتراثنا الفكريّ والتَّربويّ، وللتُّراث التَّربويّ الإنسانيّ الحديث معاً، من دون مركَّبات نقص ولا استعلاء(4).ويركِّز الباحث بحثه حول الإشكاليَّة التَّالية:
إشكالية البحث:
طرح المؤلِّف الإشكاليَّة الآتية: ما هي مقوِّمات التَّربية الأصيلة في الثَّقافة الإسلاميَّة؟ وإلى أيِّ حدٍّ تحقَّقت في الفكر التَّربويّ في التُّراث؟ وما موقع الفكر التَّربويّ الإنسانيّ الحديث منهما معاً؟ وما هي القيمة المضافة الَّتي يحقِّقها النِّظام التَّربويّ الأصيل المبدع؟ وكيف تكون البنائيَّة الاستخلافيَّة بديلاً تربويّاً إنسانيّاً شاملاً؟
الفكر التربوي الأصيل: الأسس والمقوّمات
حدَّد المفكِّر التَّربويّ الأستاذ مصدَّق الجليدي أسس التَّربية الأصيلة في الإسلام ومقوِّماتها كالآتي: فهي أوَّلاً وأساساً القرآن الكريم ثمَّ تأتي بعد ذلك السُّنَّة النَّبويَّة الصَّحيحة المؤكِّدة لأحكام القرآن الكريم والمفصِّلة لما جاء فيه مجملاً(5). ويعتبر الإنسان هو الموضوع الرَّئيسيَّ في مسائل التَّربية الأصيلة وذلك للمكانة المرموقة الَّتي بوَّأه إيَّاها اللّه عزَّ وجلَّ وللدَّور المنتظر منه في مهمَّة الاستخلاف باعتباره قد تحمَّل مسؤوليَّة الأمانة والَّتي من أهمِّ شروطها العقل وحريَّة الإرادة. 
وتربية الإنسان من المنظور الإسلاميّ هي تربية أصيلة متكاملة بدنيَّة وعقليَّة وأخلاقيَّة وجماليَّة في الآن نفسه. فلقد كرَّم الله عزَّ وجلَّ الإنسان وفضَّله على العديد من مخلوقاته وأودع فيه استعدادات لتحمُّل هذه المسؤوليَّة ولأداء هذه الأمانة والقيام بواجب الاستخلاف الَّذي هو الفعل الحضاريّ في الكون وفق ما هيَّأه الله للإنسان من قدرات وإمكانيَّات تمكِّنه من التَّأقلم مع الموجود ومن بناء وتأهيل المنشود. وقد سخَّر اللّه عزَّ وجلَّ الكون لخدمة الإنسان وزوَّده بالعديد من القدرات اللَّازمة لكي يصنع التَّاريخ الفرديّ والجماعيّ ويشكِّل مصيره على ما رُكِّب فيه من قوى العقل والمسؤوليَّة والإرادة. 
ويُعتبر التَّوحيد محور العقيدة الإسلاميَّة وجوهرها ويقترن ضمنه الإيمان بالعمل الصَّالح وبالعلم النَّافع. وهو شرط أساسيّ لبناء العلم والمعرفة والَّتي من أهمِّ مصادرها كما وردت في القرآن الكريم والفكر الإسلاميّ الأصيل الإدراكات الحسِّيَّة واستقراء جزئيَّات الطَّبيعة. إذ يؤكِّد القرآن الكريم على ضرورة استخدام الحواسِّ من خلال الملاحظة الدَّقيقة ثمَّ وضع فرضيَّات مناسبة لفهم الظَّواهر الطَّبيعيَّة وتؤكِّد التَّجربة هذه الفرضيَّات أو تفنِّدها. ويُضاف إلى هذا التَّمشِّي العلميّ الَّذي يوضِّحه القرآن الكريم والموصِّل إلى الإدراك العلميّ المجرَّد. 
مبدأ آخر من مبادئ التَّربية الأصيلة وأصل آخر من أصول التَّشريع الإسلاميّ وهو الاجتهاد والتَّجديد والَّذي لا يخصُّ علوم الدِّين لوحدها، بل سائر العلوم وكافَّة نواحي الحياة. ليكون المسلم فاعلاً في التَّاريخ ومنسجماً مع متطلَّبات واقعه وتحدِّيَات عصره. فالغاية الأساسيَّة من التَّربية الإسلاميَّة هي الاتِّجاه إلى اللّه ووفق منهج اللّه(6). 
والعلم في الإسلام قرين الإيمان. ويقترن ضمنه العلم النَّافع بالعمل الصَّالح ويكون العمل الصَّالح نحو الذَّات ونحو العائلة ونحو المجتمع ونحو الوطن ونحو الأمَّة ونحو الإنسانيَّة قاطبة. فالمؤمن إذن نافع لنفسه ولمجتمعه وللإنسانيَّة جمعاء يسير إلى نور اللّه وإلى غاية اللّه بهدى اللّه وبأنوار الإيمان، وفق قاعدة مهمَّة وهي التَّواصي بالحقِّ في الاجتهاد والتَّواصي بالصَّبر في الجهاد. فهو جهاد بناء الوطن بالإخلاص في العمل والنِّيَّة الصَّادقة. وكلُّ ذلك من مبادئ التَّوحيد في العقيدة الإسلاميَّة وآثاره.
ويمكن ضبط مقوِّمات المنهج التَّربويّ الأصيل في الإسلام وفقاً لمصادره فيما يلي: العمل على إيجاد توازن بين تجربتي الرُّوح والمادَّة. وتربية النَّاشئة على الأخلاق والمسؤوليَّة والاستخلاف وتحمُّل الأمانة الإلهيَّة. وتدريب المتعلِّمين على حسن استثمار خيرات الطَّبيعة المسخَّرة لهم من قبل الله عزَّ وجلَّ. وتنمية روح الإبداع والإضافة لديهم في التَّعامل مع المحيط الطَّبيعيّ والاجتماعيّ. وتنشئة الشَّباب على التَّواصي بالحقِّ في الاجتهاد (النَّزاهة والموضوعيَّة العلميَّة والحياد) والتَّواصي بالصَّبر في الجهاد (الجهاد الأكبر: العمل يقتضي الاجتهاد في إرساء مقوِّمات المجتمع الإسلاميّ الأصيل وفي التَّعامل مع الآخر المختلف بروح العدل والتَّعارف المخصِّب، والجهاد الأصغر: الدِّفاع عن شرف الأمَّة وأرضها وكلِّ ما يعود إليها من حقوق). وغرس روح الانتماء الحضاريّ والولاء الكامل للوطن وللأمَّة. 
ومن مقوِّمات المنهج التَّربويّ الأصيل كذلك التَّعليم الجيِّد للُّغة الأمِّ واللُّغات الحيَّة لأنَّها هي المحقِّقة للأنسنة الفعليَّة للبشر بصفة متواصلة. وتنمية المدارك العقليَّة للمتعلِّمين ليكونوا أهلاً للتَّكليف ولتحمُّل الأمانة. وضرورة تربية حواسِّ النَّاشئة وتطوير قدراتها على إدراك موضوعات العالم الخارجيّ بهدف تقوية القدرة على الملاحظة لديهم وتعويدهم على التَّحكُّم والسَّيطرة الدَّقيقة على حركات الجسم. والانطلاق من تعليم الصِّغار من المحسوس ثمَّ التَّدرُّج بهم نحو المجرَّد والاهتمام بالتَّربية اليدويَّة. والتَّدريب على ممارسة العمل المنتج وكسب الرِّزق بالجهد الفرديّ وعدم التَّواكل على الغير، بل التَّوكُّل على اللّه والأخذ بالأسباب الموضوعيَّة في المعاش والاستعداد بكلِّ ذلك للمعاد. والحرص على تطبيق مقاربة تكامليَّة شاملة للتَّربية يُعنى فيها بمختلف جوانب شخصيَّة المتعلِّم ضمن محيطه الأسريّ والاجتماعيّ والكونيّ. ومراعاة الفروق الفرديَّة في التَّعلُّم. واعتماد نظريَّة بنائيَّة للذَّكاء تقطع مع نظريَّة الموهبة. وتجنُّب التَّعليم اللَّفظيّ والتَّلقين واعتماد التَّدريب وتنمية قدرة الحواسِّ على الملاحظة والإدراك. والتَّربية العلميَّة وبناء العقل العلميّ الاستقرائيّ التَّجريبيّ. وبناء العلوم الإنسانيَّة على أسس عقليَّة وتجريبيَّة. والتَّربية الرُّوحيَّة بالقدوة الحسنة وبممارسة الطَّاعات ووجوه البرِّ. واعتماد السُّؤال والحيرة العلميَّة منهجاً لليقين: التَّعلُّم انطلاقاً من الوضعيَّات المشكل. والانفتاح على علوم ومعارف وخبرات غير المسلمين بما يتوافق مع أخلاقيَّات الأمانة والاستخلاف. ومساعدة المتعلِّمين على إزالة الأوهام والخيالات العقيمة من أذهانهم (العوائق المعرفيَّة والثَّقافيَّة) واعتماد مقاربة الهدف- العائق في التَّعلُّم. وفتح باب الاجتهاد والعمل على التَّجديد المتواصل في كلِّ ميادين المعرفة والنَّشاط الإنسانيّ. والحرص على اكتساب العلوم النَّافعة وعلى التَّربية على العمل الصَّالح: التَّربية على المواطنة الصَّالحة بالمعنيين المدنيّ (التزام سلوكيَّات مدنيَّة) والدِّينيّ (مراقبة الله في كلِّ الأعمال). واعتماد مقاربة تربويَّة شاملة ومتكاملة لكلِّ أبعاد الشَّخصيَّة الفرديَّة والجماعيَّة.
ولئن تنوَّعت مقوِّمات التَّربية الأصيلة ومرتكزاتها فإنَّها قد تعدَّدت كذلك في مستوى الاتِّجاهات والتَّوجُّهات والتقت في تحقيق معنى الأصالة التَّربويَّة. فالفكر التَّربويّ الأصيل لم يخضع لخطِّ سير واحد. بل له اتِّجاهات وقناعات وفلسفات قد تلتقي وقد تختلف من حيث المبادئ والأهداف. فلئن تحدَّث ابن خلدون مثلاً عن العنف والقوَّة في التَّعامل مع الصِّبيان ورأى أنَّ ذلك يسبِّب فساد ملكاتهم التَّعليميَّة الطَّبيعيَّة فإنَّ ابن سحنون لا يرى حرجاً في ضرب المتعلِّم ويتابعه في ذلك أبو الحسن القابسيّ. فهنالك إذن اختلافات في الرُّؤية في نفس الحضارة الواحدة والتَّاريخ الواحد. فابن خلدون يعتبر التَّعليم صناعة ضمن باقي الصَّنائع الَّتي تنشأ في المجتمعات. فقد اهتمَّ ابن خلدون في كتاباته وخاصَّة في مقدِّمته بالطِّفل والطُّفولة واهتمَّ بالمتعلِّم ودوره في عمليَّة التَّعلُّم. فتحدَّث عن قطب المتعلِّم في ما لا يقلُّ عن خمسة فصول ضمن كتابه المقدِّمة، مؤكِّداً ضرورة اعتماد التَّدرُّج في التَّعليم والعودة على البدء مع الارتفاع بدرجة المعارف وهو ما يعرف اليوم بالمنهج اللَّولبيّ في التَّعليم. آخذاً بعين الاعتبار مراحل النُّموِّ الذِّهنيّ للمتعلِّم. يقول ابن خلدون في ذلك: «اعلم أنَّ تلقين العلوم للمتعلِّمين إنَّما يكون مفيداً إذا كان على التَّدرُّج شيئاً فشيئاً وقليلاً يلقي عليه أوَّلاً مسائل من كلِّ باب من الفنِّ هي أصول ذلك الباب ويقرِّب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعي في ذلك قوَّة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتَّى ينتهي إلى آخر الفنِّ وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم(7)». مؤكِّداً كذلك على ضرورة احترام المرحلة النُّشوئيَّة للمتعلِّم ومدى استعداداته الذِّهنيَّة والفطريَّة للاكتساب والتَّعلُّم. وكذلك الأمر في المشروع الإصلاحيّ التَّربويّ للشَّيخ المصلح محمَّد الطَّاهر بن عاشور في كتابه «أليس الصُّبح بقريب» الَّذي يتنزَّل ضمن المشاريع التَّربويَّة الأساسيَّة الممثِّلة لتيَّار التَّربية الأصيلة والَّذي يرتكز على مرجعيَّات إسلاميَّة ضمن الرُّؤية الإيمانيَّة التَّوحيديَّة وفي إطار مقاصد الشَّريعة الإسلاميَّة. ويدعم هذا التَّوجُّه الشَّيخ محمَّد الخضر حسين بأفكاره الإصلاحيَّة المنبثقة من الرُّؤية الإسلاميَّة الشَّاملة لكافَّة أبعاد النَّفس البشريَّة. 
ولا يقتصر التَّوجُّه الدَّاعم لتربية الأصالة على بلدان الغرب الإسلاميّ، بل يعاضده العديد من المشاريع الإصلاحيَّة التَّربويَّة ببلدان المشرق على غرار المشروع الإصلاحيّ للشَّيخ المصلح محمَّد عبده والمشروع الإصلاحيّ للشَّيخ رفاعة رافع الطَّهطاوي وغيره من المصلحين المشارقة والمغاربة. ولئن كانت هذه أبرز مقوِّمات تربية الأصالة وأهمَّ توجُّهاتها الفكريَّة والتَّربويَّة فما هي خصائص تربية الحداثة وما أبرز مميِّزاتها وتوجُّهاتها؟
الفكر التربوي الحديث: الخصائص والمميّزات 
إنَّ من أهمِّ العوامل الَّتي ساهمت في ظهور الأفكار الَّتي تأسَّست عليها التَّربية الحديثة النَّزعة الإنسانيَّة الَّتي تعتبر ملمحاً جوهريّاً من ملامح عصر النَّهضة الأوروبيَّة وتعبيراً عن التَّحوُّلات العميقة الشَّاملة الَّتي عرفتها أوروبا. فالخاصِّيَّة الأساسيَّة الَّتي تميِّزها هي اهتمامها بالإنسان وتأكيدها على فرديَّته. وساهمت الأفكار الَّتي حملتها النَّزعة الإنسانيَّة في إحداث نهضة تربويَّة تجلَّت ملامحها في ازدهار الكتابات التَّربويَّة الَّتي تعكس أفكاراً جديدة غرضها تكوين الإنسان خاصَّة كتابات «رابليه» و«توماس مورو» و«مونتاني» وغيرهم. وظهرت مؤسَّسات مدرسيَّة ذات روح جديدة ساهمت في بلورة العمل التَّربويّ. وأُدخلت تغييرات على مستوى الموادِّ الدِّراسيَّة والطُّرق البيداغوجيَّة من خلال الدَّعوة إلى تربية ليبراليَّة تعتمد العلوم الإنسانيَّة كمضامين للتَّعليم وتتجاوز الممارسة البيداغوجيَّة القديمة من خلال التَّعامل مع التَّعليم كفنٍّ له قواعده الخاصَّة ويهدف أساساً إلى تنمية نشاط الفكر. ساهمت إذن النَّزعة الإنسانيَّة في توجيه التَّربية والتَّعليم وجهة جديدة وقع فيها التَّركيز على الإنسان كذات وعلى ضرورة الاهتمام به وتنمية قدراته الفكريَّة بفضل التَّعليم.
ومن العوامل الَّتي ساهمت كذلك في تطوُّر الأفكار الَّتي تأسَّست عليها التَّربية الحديثة تغيير التَّصوُّر عن الطِّفل وانعكاساته التَّربويَّة. فلئن قامت الممارسة التَّربويَّة التَّقليديَّة على أساس النَّظر إلى الطِّفل باعتباره كائناً لا يمكن الثِّقة به بسبب «ضعفه وطبيعته الميَّالة إلى الشَّرِّ» وتعيَّن بذلك على المعلِّم ممارسة رقابة دائمة ومسترسلة عليه ومنعه من إقامة أيِّ اتِّصال مع العالم الخارجيّ، وتميَّز الفعل التَّربويّ بكونه فعلاً قصريّاً يمارس على التِّلميذ دون أدنى اعتبار لخصوصيَّاته ويهدف إلى خضوعه للأوامر وقبولها وتنفيذها دون استفسار ولا نقاش، فإنَّه وابتداء من القرن الثَّامن عشر، ظهر تصوُّر جديد للطِّفل يعترف باختلافه وتميُّزه عن الرَّاشد. وأُخرج من حالة الغفلة والإهمال إلى مكانة جديدة لائقة به وبالطُّفولة. 
كان لظهور هذا التَّصوُّر الجديد للطُّفولة انعكاساته على المستوى التَّربويّ، فظهرت دعوات لإحداث قطيعة مع الممارسات البيداغوجيَّة القديمة الَّتي تعتمد القسوة والعنف في معاملة الطِّفل وأُعطيت أهمِّيَّة للموادِّ الدِّراسيَّة الَّتي تتماشى وفضول الطِّفل وتستجيب لتساؤلاته التِّلقائيَّة وتدعم استقلاليَّته ومكانته، وتهدف إلى إكساب الطِّفل ثقة بنفسه وتعويده على التَّفكير النَّقديّ المستقلِّ. وتغيَّر تعامل المدرِّس مع الطِّفل فتخلَّى عن الصَّرامة والقسوة والتَّلقين والاستجواب، فاعتبر الطِّفل محور كلِّ فعل تربويّ تعليميّ وهو مركز الفعل البيداغوجيّ وتدعَّمت هذه النَّظرة الإيجابيَّة نحو الطِّفل والطُّفولة بفضل الاكتشافات العلميَّة والنَّظريَّات التَّربويَّة الحديثة الَّتي أكَّدت هذا التَّمشِّي ومن أهمِّها الطَّريقة النَّشيطة في التَّدريس. فالتَّربية الحديثة وكما يؤكِّد ذلك «جان بياجي» بطرقها البيداغوجيَّة لم تتأسَّس وبشكل علميّ إلَّا بفضل التَّصوُّرات الَّتي عرفها علم النَّفس وخاصَّة في القرن العشرين، فإذا ما أكَّد كبار المربِّين على ضرورة الاهتمام بالطِّفل، فإنَّ معارفهم عنه والَّتي قادت ممارستهم التَّربويَّة كانت نابعة من الحدس وحده، أي أنَّها لم تكن مبنيَّة على معرفة علميَّة دقيقة بنفسيَّة الطِّفل وبقوانين تطوُّر بنياته الذِّهنيَّة، كما أنَّها لم تع كامل الوعي أنَّ المعرفة هي بناء تقوم به الذَّات انطلاقاً من تفاعلها مع الطَّبيعيّ والاجتماعيّ»(8).
وقد تجلَّت الفروق بين المدرسة التَّقليديَّة والمدرسة الحديثة في العديد من المستويات منها بالخصوص الذَّكاء واللَّعب ومعاملة الطِّفل ومراحل النُّموِّ. فلئن يرى علم النَّفس الكلاسيكيّ أنَّ الذَّكاء ملكة أُعطيت دفعة واحدة. فهو نسق من الارتباطات الآليَّة المكتسبة تحت ضغط الأشياء. ومن هنا جاءت أهمِّيَّة التَّقبُّل وحشو الذَّاكرة. غير أنَّ علم نفس الذَّكاء التَّجريبيّ أصبح يعترف بوجود ذكاء يتجاوز مفهوم الارتباطات والعادات. فلم يعد هذا الذَّكاء تلك الملكة، بل أُضيفت إليه صفة النَّشاط الحقيقيّ وهذا النَّشاط هو بمثابة البناء المتواصل. فأصبح الذَّكاء تكيُّفاً مستمرّاً مع متطلَّبات الواقع ومستلزمات المحيط. وهو بذلك تحقيق متواصل للتَّكيُّف والتَّوازن واستيعاب الواقع وتحدِّيَاته. 
أمَّا بالنِّسبة للَّعب، فقد أهملته المدرسة التَّقليديَّة ولم تهتمَّ بما يحمله من دلالات ووظائف. بينما بيَّنت الدِّراسات الحديثة أنَّ اللَّعب بشكله الحسِّيّ الحركيّ والرَّمزيّ هو عمليَّة تمثُّل للواقع وفق النَّشاط الخاصِّ. ولهذا السَّبب تؤكِّد الطُّرق النَّشيطة على ضرورة تزويد الطِّفل بأدوات مناسبة للَّعب حتَّى يتوصَّل إلى تمثُّل الحقائق الذِّهنيَّة، ولا تبقى هذه الحقائق خارجة عن اهتمامه وتؤكِّد التَّربية الحديثة كذلك على أن يكون مجهود الطِّفل نابعاً من ذاته وغير مفروض من الخارج. والاهتمام الحقيقيّ بالأشياء أو الأفكار لا يظهر إلَّا إذا أثارت هذه الأشياء انتباهه واسترعت اهتمامه. 
وتؤكِّد التَّربية الحديثة وبفضل اكتشافات علم النَّفس عن الاختلاف بين البنية الذِّهنيَّة للطِّفل والبنية الذِّهنيَّة للكهل. وترى أنَّ تفكير الطِّفل يتطوَّر ويُبنى تدريجيّاً، فالهدف من التَّربية هو مساعدة الطِّفل على بناء فكره. ويجب إيجاد الوسط الملائم والطُّرق المناسبة لتمكين الطِّفل من القيام بهذا العمل بنفسه. كما تأخذ الطُّرق الحديثة بعين الاعتبار مراحل نموِّ الطِّفل وقوانين هذا النُّموِّ وتؤمن بإمكانيَّة تطويره عن طريق الخبرة والوسط الاجتماعيّ والمادِّيّ برغم ما يلعبه عامل النُّضج الوراثيّ من دور في هذا النُّموِّ. وفي مقابل ذلك تنكر المدرسة التَّقليديَّة وجود عامل النُّضج والتَّطوُّر الذِّهنيّ. ولا تعرف المدرسة التَّقليديَّة إلَّا نمطاً واحداً من العلاقات الاجتماعيَّة وهو سلطة الكهل على الطِّفل. فالمعلِّم يحظى بمكانة مميَّزة تجعل منه المصدر الوحيد للمعرفة وما على الطِّفل إلَّا الطَّاعة والاستجابة. بينما لا تميل الطُّرق الحديثة إلى إلغاء الدَّور الاجتماعيّ للمعلِّم، بل تسعى إلى التَّوفيق بين احترام الكهل من جهة والتَّعاون بين التَّلاميذ من جهة أخرى. كما تعمل على الحدِّ من الضَّغط الَّذي يسلِّطه الكهل وتحوِّل ذلك الضَّغط إلى تعاون يستفيد منه المعلِّم كما يستفيد منه المتعلِّم بدرجة أولى.
ولئن بدا أنَّ بين الفكر التَّربويّ الأصيل في التُّراث وبين الفكر التَّربويّ الحديث اختلافاً جوهريّاً، فإنَّنا لا نعدم وجود العديد من علامات الالتقاء والتَّماثل بين الفكرين. وهذا ما سنعمل على تبيانه وتوضيحه في الجزء الثّاني من هذا المقال، من خلال استقراء مؤلَّف الدكتور مصدّق الجليدي. 
الهوامش
(1) «البنائيّة الاستخلافيّة بديل تربوي حضاري»، د. مصدق الجليدي، الناشر: شركة الأصالة للنشر، الجزائر، الطبعة الأولى، أوت 2022.
عدد الصفحات: 238 من الحجم الكبير. ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، الأوّل:معطيات الفكر التربوي في التّراث، والثاني: الفكر التّربوي الإنساني الحديث، والثالث: جوانب الالتقاء والتمايز بين معطيات الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث
(2) انظر: مصدق الجليدي، البنائيّة الاستخلافيّة، بديل تربوي حضاري، الطبعة الأولى، الأصالة للنشر، الجزائر، 2022، ص: 5.
(3) محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة محمود عبّاس، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1955، ص: 149، نقلاً عن بريفولت Briffault في كتابه «بناء الإنسانيّة» Making of Humanity، ذكره الجليدي، مصدر سابق، ص: 5.
(4) مصدق الجليدي، مصدر سابق، ص: 7.
(5) مصدق الجليدي، المصدر نفسه، ص: 37.
(6) مصدق الجليدي، المصدر نفسه، ص: 71.
(7) ابن خلدون، المقدمة، فصل في وجه الصواب في تعليم العلوم وطرقه، ص: 695-606.
(8) Jean Piaget. Psychologie et pédagogie. Denoël. PUF. p.203. ذكره: مصدق الجليدي، المصدر نفسه، ص: 137.