شخصيات الإصلاح

بقلم
التحرير الإصلاح
الدكتور عبدالسلام المسدّي
 الدكتور «عبد السلام المسدّي»، من مواليد 26 جانفي 1945 بصفاقس، عاصمة الجنوب التونسي، وهو مفكر وناقد ولساني تونسي بارز، يُعد أحد أهم رواد اللّسانيّات الحديثة (Linguistics) في العالم العربي. وهو أستاذ جامعي، وعضو في عدّة مجامع لغويّة (كتونس ودمشق وبغداد)، كما شغل مناصب سياسية ودبلوماسيّة(1). ويُعدُّ واحدا من النّقاد القلائل الذين ترسّخت أسماؤهم في حركة النّقد الأدبي ليس في تونس فقط بل في العالم العربي.  زاول تعليمه الابتدائي والثّانوي بصفاقس ثمّ انتقل إلى العاصمة تونس ليواصل دراسته الجامعيّة التي توّجها بالحصول على الإجازة في اللّغة العربيّة والآداب عام 1969 ثمّ على دكتوراه الدّولة منذ 1979، وارتقى إلى أعلى درجة جامعيّة عام 1984.  
يتحدّث الدكتور عبدالسّلام عن علاقة المثقف بالسّياسة فيقول : «لم يشغلني شيءٌ في حياتي كما شغلتني علاقة المثقّف بالسّلطة حتى إنّي كنت أعْجَب من كلّ مثقّف لا يهتمّ بالسّياسة بقدر ما أعجَب من كلّ سياسيّ لا يهتمّ بالثّقافة». ويرى أنّ صفة المثقّف ووظيفته تتطلّب عدم الحياد، وتُحدَّدُ بمدى التزامه قضايا المجتمع وتعبيره عن هموم الوطن وآلامه أو مدى انحيازه إلى السّلطة التي تسيّره. فهناك المثقّف الذي تنتفع به السّلطة ويظلّ المجتمع معترِفًا له بأنّه مثقّف، وهناك المثقّف المحسوب على السّلطة والذي ينقسم المجتمع في أمره؛ بعض النّاس يصغون إليه وبعضهم يديرون عنه الرّأس. أمّا فرضيّة بقاء المثقّف على الحياد باجتناب الإصداح بموقفه حول علاقة الحاكم بالمحكوم، فهي مرفوضة، مؤكدًا أنّ الحياد ينفي صفة المثقّف عن أي باحث أكاديمي، أو عالم متخصّص، أو أديب مبدِع.
يرى «المسدّي» أنّ مأساة المثقّف الذي يدّعي الحياد حين يستيقظ من غفلته، وإذا بكوابيس الحلم المزعج حقيقة واقعة: الاستبداد ولا شيء سواه، ويرى رأيَ العين الجينات الدّمويّة التي تفرّخ في خلايا الحاكم المُستوحِد، تنمو وتتعاظم، ثمّ تتكاثر تكاثرًا مهولًا حتى تُحوّل الإرادة السّلطانيّة إلى ماردٍ إذا تحرك على الأرض سَوّى بها ما عليها. والفكر الحرّ، بالنّسبة للمسدّي، يزدهر في دائرة الحوار بين الشّأن الثّقافي والشّأن السّياسي، والحرّية في هذا التّقاطع الدّقيق متحدّدة بغياب التّسخير الحزبي، وشأن الفكر النّقدي ألاّ يأتمر بأوامر الحزبيّة، وألّا يكون خادمًا للمذهبيّة الأيديولوجيّة.
المجالات الفكريَّة التي اهتمَّ بها «المسدّي» عديدة؛ فأعماله التي تجاوزت الثّلاثين كتاباً توزَّعت على محاور كثيرة، منها اللّسانيَّات والنّقد الأدبي والمسألة السّياسيَّة والحضاريَّة إلى جانب الكتابة الإبداعيَّة (الرّواية، ...)، وهي مجالات تبدو للنّاظر متفرّقة لا جامع بينها إلَّا اسم صاحبها، بيد أنَّ مجرّد النّظر في تلك الأعمال يجعلنا يدرك جيّداً أنَّ صاحبها يروم وضع لبنات مشروع فكري وثقافي وحضاري متماسك العناصر والمكوّنات والأجزاء، فهو دائم السّعي إلى تقديم قراءة تأليفيَّة للواقع العربي قصد بناء «وعي ثقافي جديد» بإمكانه الدّفع نحو التّقدّم المنشود. 
يتركّز مشروع الدكتور المسدي حول تحديث الفكر اللّغوي العربي و«تبيئة»(Indigenization) المناهج اللّسانيّة الحديثة داخل الثّقافة العربيّة. فكان من الأوائل الذين سعوا لنقل الدرس اللّغوي العربي من «فقه اللّغة» التّقليدي إلى «علم اللّسانيّات» الحديث. ولم يكن مجرّد ناقلٍ للنظريّات الغربيّة (مثل البنيويّة أو التّوليديّة)، بل سعى للاشتباك معها نقديًّا وتطبيق أدواتها على بنية اللّغة العربيّة، بهدف تأسيس مدرسة لسانيّة عربيّة حديثة.
يُعتبر كتابه «الأسلوبية والأسلوب» مرجعاً أساسيّاً في مجال تحليل الخطاب، وركّز على اعتماد الأدوات اللّسانيّة الدّقيقة لتحليل النّصوص سواء كانت أدبية، أو سياسيّة، أو دينية،  وكشف عن كيفيّة عمل اللّغة لإنتاج المعنى والتّأثير. فحوّل بذلك «البلاغة» القديمة إلى «أسلوبيّة» علميّة. ولم يتوقف «المسدي» عند حدود التّحليل التّقني للّغة، بل غاص في أبعادها الفلسفيّة والمعرفيّة. في كتب مثل «التّفكير في اللّغة» و«اللّسانيّات وأسسها المعرفيّة»، حيث بحث في علاقة اللّغة بالفكر، وكيف تشكل اللّغة رؤيتنا للعالم (الإبستمولوجيا). 
وللدّكتور المسدي مقاربة للهويَّة اللغويَّة، خصَّها بمقالات ومباحث عديدة، لعلَّ أهمَّها ما جاء في «نحو وعي ثقافي جديد»، و«العرب والانتحار اللّغوي»، و«الهويَّة العربيَّة والأمن اللّغوي»، وهي كتب تعبّر بوضوح عن رؤية ثاقبة تنظر إلى ما وراء الموجود، وتكشف عن واقع العرب انطلاقاً من أزمة لغتهم ومآزقها، وهي بالإضافة إلى ذلك مؤلّفات تقدّم للعرب، مفكّرين وصنّاع قرار، حلولاً واقعيَّة، وترسم أمامهم المسالك التي ينبغي عليهم السّير فيها للخروج من الوضع المتردّي ثقافيَّاً وفكريَّاً وحضاريَّاً. فالتّقدّم - بالنّسبة للدكتور عبدالسّلام- لا بدَّ له من ظروف محفّزة وعوامل موضوعيَّة وآليَّات بها يتحوَّل من حيز القوَّة إلى حيز الوجود، ومربط الفرس في كلّ ذلك وكلمة السّر التي لا مناص من امتلاكها هي الهويَّة، ولا هويَّة خارج دائرة اللّغة، وبهذا الشّكل تغدو قضيَّة اللّغة قضيَّة حضاريَّة وفكريَّة لا تتَّصل بحيز اللّسان والاستعمال اللّغوي بقدر اتّصالها بمصير العرب ومستقبلهم. يقول الدكتور في خاتمة كتابه «نحو وعي ثقافي جديد»: «ولا ثقافة دون هويَّة حضاريَّة، ولا هويَّة دون إنتاج فكري، ولا فكر دون مؤسَّسات علميَّة متينة، ولا معرفة ولا تواصل ولا تأثير دون لغة قوميَّة تضرب جذورها في التّاريخ وتشارف بشموخ حاجة العصر وضرورات المستقبل».
وتناول «المسدي» في كثير من كتاباته مثل «العرب والمسألة اللغوية» القضايا الشّائكة للهويّة واللّغة، مثل الازدواجية اللّغوية (الصّراع بين الفصحى والعاميّات). وذكر أنَّ علاقة العرب بلغتهم تنطوي على مفارقة عجيبة؛ من أهمّ تجلّياتها «أنَّ أصحاب القرار يتبنَّون في شأن المسألة اللّغويَّة خطاباً يستوفي كلَّ أشراط الوعي الحضاري، ثمَّ يأتون سلوكاً يجسّم الفجوة المفزعة بين الذي يفعلونه والذي قالوه». وهو ما ينبئ، بحسب رأي المسدي، بوضع كارثي لعلَّ من أهمّ نتائجه الممكنة انقراض اللّغة العربيَّة على المدى المتوسط، وذلك بالنَّظر إلى التطوُّرات العالميَّة المتسارعة التي جعلت المنجزات تقاس بالسّنوات والأيام بعد أن كانت تقاس بالعقود والقرون. زدْ على ذلك أنَّ غياب الوعي العربي بمآزق لغتنا وما يحيط بها من تحوُّلات هيكليَّة ساهمت فيها التطوُّرات التكنولوجيَّة التي أسَّست للغة بديلة هي اللّغة الرقميَّة يؤكّد أنَّ ثمَّة خللاً في تعاملنا مع لغتنا، فنحن لا نزال نعالج قضاياها انطلاقاً من مقاربات كلاسيكيَّة ورؤى تقليديَّة. ويُعزى ذلك إلى طبيعة الفكر العربي المعاصر، فهو ميَّال بطبعه إلى البحث عن الإجابات الجاهزة التي تعطيه طمأنينة كاذبة، لا تردُّ البليَّة عنه، وتبعث في نفسه راحة وسكينة زائفة.
الهوامش
(1)  تقلّد وزارة التّعليم العالي في الثّمانينات (87 – 1989)، ثمّ عمل في الحقل الدّبلوماسي مندوبا لتونس في الجامعة العربية (89 – 1990) فسفيرا في السّعودية (90 – 1991)