تمتمات

بقلم
م.رفيق الشاهد
ثورة جيل
 مواكبة للحراك الشّبابي الذي ملأ شوارع العاصمة المغربيّة وأزعج حكومتها، بقطع النّظر عن الدّوافع السّياسيّة وإلى أي مآل سيؤول، لا يمكنني شخصيّا وأنا على أعتاب شيخوخة سابق لهذا الجيل الغاضب المسمّى «جيل زد 212»(1) إلاّ الإنصات والانتباه والإعجاب لا بما ينتجه هؤلاء الشّباب من أفكار فقط، بل بقدرتهم على التّواصل والتّحرّك في انسجام وتنسيق بالاعتماد على أدوات حذقوا إعمالها واستخدامها دوننا بعد أن تدرّبوا عليها خلسة خلف الأبواب المغلقة خوفا من إرهاب آبائهم. ومن الغباء أن نتوقّف عند الإعجاب ولا نحرّك ساكنا. والأغبى أن نرهب من لم نتمكّن من فهمهم وبدوا مختلفين، فلم نسع لمساعدتهم على الاستفادة من وجودنا بقدر ما سعينا للاستفادة منهم وعوّلنا على وجودهم بيننا. 
المسألة لا تنحصر فيما يعرف بصراع الأجيال الذي تعيشه كلّ الشّعوب حسب تجاربها، بل تتجاوز ذلك في بلداننا العربيّة والمسلمة لتتحوّل إلى صدام مستدام. الحياة ما هي إلاّ سباق تتابع بين أجيال توارثت أهدافا مشتركة محدّدة أهمّها غلبة الفرق المنافسة. يمرّر كلّ جيل عصا التّتابع témoin لمن يليه ليكمل عنه السّباق دونه. هكذا نرى بعين الإعجاب والحسرة شعوبا سبقتنا في عَدْوِها. لا يفوتنا أحد قوّة بدن ولا حيلة، ولكن ثمّة شيء لم نفهمه ولم نتوقّف عنده لمعالجته وإصلاحه. 
يحقّ للجيل الجديد أن يثور على سابقه الذي لم يعرف ولم يفلح في تمرير عصا التّتابع بالانسجام والتّوافق المطلوبين، وكان يسقطها مترددا في كلّ مرّة، فيضيع الوقت ويضيع الهدف. السّباق لا يتطلّب فقط قوّة عضلات ولباس تفاخر، بل تنسيق وبروتوكول دقيق يضمن الانسجام والتّوافق بين المسلِّم والمستلِم لعصا التّتابع دون خفض وتيرة الرّكض ولا سرعته. توجِب شروط اللّعبة ألاّ يلتقط العصا إلاّ من أسقطها حتّى يعيد تمريرها. ونقف في كلّ مرّة متفرّجين على مشهد التّعطيل المتكرّر والرّكب أمامنا يزيد ابتعادا. 
لماذا يُسقط الجيل في كلّ مرّة عصاه؟ قد يبدو هذا السّؤال صعبا عن جهل أو تجاهل، أو أنّ الأسباب متعدّدة وأصبحت بالتّراكم معقّدة. وإذا ما عالجنا المسألة ببساطة، وحاولنا استعراض الأسباب بالتّتابع، لأدركنا سببين من بين الأسباب الكثيرة لهما الأثر الأكبر على مرونة تمرير المشعل: 
أولهما: احتقار الجيل القديم للجيل الجديد، وكأنّه لم يسمع ناظم حكمت يقول: «أنا أقل معرفة من ابني الذي لم يولد بعد»(2) وينسب بعضهم هذا القول إلى الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه كما ينسب كذلك إلى سيدنا عيسى ابن مريم بعبارة «النّبي الذي لم يولد بعد» هذه المرّة، إشارة إلى محمد ﷺ. 
ثانيا: الجيل القديم يخشى الضّياع بعيدا عن الجيل الذي أنجبه. فحتّى لا يقع في المحظور ربط كلّ جيل سابق الجيل اللاّحق بمواثيق الطّاعة تجعله دونها في حالة حرب مستدامة كما يشير المثل الأفريقي القائل «من حارب والده سيحارب ابنه يوما ما». وإن كان لهذا المثل الشّعبيّ أن يذكّرنا بأنّ الصّراعات التي لم تحل تمتدّ أصداؤها عبر الأجيال، فهو يؤكّد أنّ العلاقة المتوتّرة مع الأب غالبا ما تحدّد مسار تربية الأبناء، وهو ما يحصل فعليّا مع مجتمعاتنا التي لم تتعظ ولم تتطوّر البتّة، وبقيت في غفلة عن معالجة التّوترات القديمة ومواجهتها لا من أجل السّلام حاضرا ولا من أجل المستقبل. واستمرت لدينا هذه الحرب بين الأجيال المتتابعة ولم يتسنّ ولا مرّة في السّباقات تمرير عصا التّتابع لغياب المبادرة من طرف الجيل الماسك بها. فلم يتمّ تسليم ولا استلام، ولم يتحقّق السّلام ولا الوئام. 
ولعلّ إيمانا منه بعدم الجدوى من الانتظار، عوّل الجيل الجديد على نفسه وغيّر قوانين اللّعبة، وانطلق في العدوِ بكلّ عزم وقوّة دون الحاجة إلى عصا التّتابع. الجيل زد هو مصطلح وضعته المراكز البحثيّة والاستشاريّة الدّولية ضمن تصنيف الأجيال حسب خصوصيّاتها، ويشار به للأفراد المولودين بين منتصف التّسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (1996 - 2012). وقد قلب أفراد هذا الجيل الطّاولة دون المساس من كرامة الجيل السّابق رغم خطئه وفشله في فهم تطلّعات أبنائه. 
نشأ هذا الجيل الجديد في عالم تكنولوجي متقدّم، متصالح مع بيئته، وفي انسجام تامّ مع أدوات الإنترنت والذّكاء الإصطناعي والوسائط الاجتماعيّة، أصبحت كلّها جزءًا أساسيًّا من حياتهم اليوميّة، فقرّبت بين شعوب الجيل الواحد حتّى جمعتهم، فكانوا أكثر تنوّعا في العرق والثّقافة وتفهّما للهويّة الجنسيّة(3) وما يفرّق بين الشّعوب مقارنة بالأجيال السّابقة. كما أنّ معاداة الجيل السّابق لهم جعلتهم أكثر استقلاليّة واعتمادًا على النّفس في اتخاذ القرار دون الرّجوع إلى أحد. ويعمل أفراد هذا الجيل بمرونة دون ارتباط لا بالمكان ولا بالزّمان. 
لم أفرح لمّا سمعت شبابنا يصدح بشعار «ارحل»، لأنّني تمنّيت لو كانت لي الجرأة فلم يسبقوني بها، ولم أصب بالدّهشة لمّا فهمت أنّ الكلمة قد تكون وجّهت لي أصلا ولجميع أفراد جيلي الذين أمسكوا بالمشعل ولم يسلّموه حتّى سقط. ولكن أصابني استياء كبير لمّا ركب السّياسيّون ظهر الجيل الثّائر وغيّروا لافتاته بشعارات الرّبيع العربي. واليوم استبشرت من جديد بحراك جيل ذكيّ ما زادني إلاّ فخرا بأبنائنا. فلا تستكثروا عليهم شكرا ولا يدا تمتدّ إليهم، لتربت على كتف أحدهم دعما لهم واعتزازا بهم. 
الهوامش
(1)  الرّقم «212» الذي يمثّل رمز الاتصال الدّولي للمغرب. و«جيل زد» هي مجموعة شبابية غير رسمية ظهرت في المغرب أواخر عام 2024 عبر منصّات رقميّة مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«تلغرام» و«ديسكورد». تتسم الحركة بغياب هيكل تنظيمي معلن أو قيادة واضحة، وتعتمد على النقاشات الافتراضية وآليات التصويت الرقمي لتحديد توجهاتها.
(2) ناظم حكمت ران (Nâzım Hikmet Ran) (1963– 1902)، أحد أبرز شعراء تركيا في القرن العشرين، ويُعدّ «أبو الشّعر التّركي الحديث»، ويُعرف بلقب «الشّاعر الثّوري» أو «شاعر الرّومانسيّة الثّوريّة». وهو شخصيّة أدبيّة عالميّة تُرجمت أعمالها إلى أكثر من 50 لغة. 
(3) الهويّة الجنسيّة هي الإحساس الدّاخلي العميق للشّخص بكونه ذكرًا، أو أنثى، أو شيئًا آخر، وقد تتوافق أو لا تتوافق مع الجنس المحدّد عند الولادة.