أهل الاختصاص
| بقلم |
![]() |
| أ.د.فوزي أحمد عبد السلام |
| حل حدسيّة بوانكاريه الحلقة الأولى: ما هو التّوبولوجي (علم الموقع) ؟ |
رحلة قرن كامل من التّخمين إلى البرهان «مع المحبرة إلى المقبرة»
تمثّل حدسيّة «بوانكاريه»إحدى أشهر المسائل في الرّياضيّات وأعمقها، طرحها «هنري بوانكاريه»(1) عام 1904، تحدّى بها العقول الرّياضية لأكثر من قرن، إلى أن حلّها العالم الرّوسي المنعزل «جريجوري بيرلمان»(2) في سلسلة من الأوراق البحثيّة الثّوريّة في عام 2002، باستخدام أدوات من هندسة التّدفّق.
لم يقدّم «بيرلمان» الحلّ فحسب، بل أحدث ثورة في فهمنا للمشاكل الهندسيّة والتّوبولوجيّة ذات الأبعاد العليا. وقدّم حلاّ للحدسيّة الهندسيّة التي هي حدسيّة تنتمي إليها حدسيّة بوانكاريه كحالة خاصّة. ولم ينشر «بيرلمان» بحثه في مجلّة محكمة تقليديّة، بل وضع برهانه للعموم على شبكة الإنترنت(3) وترك للمجتمع الرّياضي العالمي مهمّة تدقيقه والتّحقّق من صحّته وإكمال جميع تفاصيله. وقد استغرقت هذه المهمّة التي أنجزها ثلاثة فرق مستقلّة من أبرز علماء الرّياضيّات مثل «بروس كلاينر» و«جون لوت» أكثر من عامين.
في 22 أوت 2006 تمّ الإعلان عن فوز «بيرلمان» بميداليّة فيلدز في المؤتمر الدّولي للرّياضيّات بمدريد لكنّ «بيرلمان» لم يحضر حفل التكريم رافضا الجائزة بالرّغم من وضعه المادّي الذي كان يثير الشّفقة وبالرغم من حضور ملك أسبانيا، وهذا ما لم يحدث في تاريخ الجائزة قطّ.
يقول «بيرلمان» معلّلا رفضه للجائزة : «الجائزة لا تعني لي أيّ شيء على الإطلاق. إذا كان الإثبات صحيحًا، فلست بحاجة إلى أيّ تكريم آخر. لست مهتمًا بالمال ولا بالشّهرة. لا أُريد أن أُعرض كحيوان في حديقة الحيوانات. أنا لست بطل الرّياضيّات. ولست ناجحًا إلى هذه الدّرجة»(4).
لم يكن الأمر قد انتهى بعد، فقد رفض «بيرلمان» جائزة «الألفيّة»(5) وكان الدّافع هذه المرّة أخلاقيّا. إذ اعتبر قرارات المُجتمع الرّياضي «غير عادلة»، فقد أراد أن يتقاسم الجائزة مع «ريتشارد هاميلتون»(6)، لأنّه رأى أنّ مُساهمات هذا الأخير لا تقلّ أهمّية عن مُساهماته. ومن النّادر جدًّا أن نجد شخصًا لديه حسّ أخلاقي بهذه الرّهافة في عالم الأكاديميا. هنا تصدق مقولة الشّافعي على هذا الرّجل :«العلم ثلاثة أشبار، فمن أدرك الشّبر الأول تكبّر، ومن أدرك الشّبر الثّاني ازداد تواضعاً، ومن وصل للشّبر الثّالث أدرك أنّه لا يعلم شيئًا في الحقيقة».
ما هو التّوبولوجي (علم الموقع) ؟ «هندسة بلا أبعاد»
هناك مفردات في اللّغة تبدو وكأنّها متطابقة في المعني لكنّ الفرق الصّغير الذي بينها يبدو أحيانا في غاية الأهمّية، فمثلا مفردات «الموضع» و«الموقع» و«المكان» تشترك في نطاق دلالي متقارب جدّا، فالموضع يصف مساحة محدّدة تخصّص لغرض معين، بينما «الموقع» يشمل مساحة أوسع تتضمّن المنطقة المحيطة بالموضع، فيُنظر للموضع كنقطة، والموقع كمنطقة، أي أنّ «الموضع» جزء من «الموقع». أمّا «المكان» فيقصد به إحداثيّات الوجود في الفضاء، أي أنّه جزء من «الموضع».
إذن «الموقع» يختصّ بتحديد طبيعة العلاقات بين المواضع/الأماكن المختلفة. فأهمّ شيء هو العلاقات التي تربط بعضها ببعض.
نأتي لتعريف «التّوبولوجي» كعلم للمواقع، تخيّل أنّ الأشياء مصنوعة من صلصال يمكنك شده وثنيه وتشكيله كما تشاء، بشرط ألاّ تمزقه أو تلصق أجزاء منه ببعضها. يأتي «التّوبولوجي» ليدرس الخصائص التي تبقى ثابتة مع هذا النّوع من التّشوه المستمر. فلا يهتم «التوبولوجي» بالأطوال أو الزّوايا أو الانحناءات (فهذه من اختصاص الهندسة التّقليديّة) ولا يهتمّ أيضا بالأشكال الظّاهريّة بل يهتمّ بالبنية الأساسيّة التي تربط أجزاءه. لذلك فالتّوبولوجي أحيانا يسمّى بالهندسة المرنة أو هندسة بلا أبعاد. يهتمّ التّوبولوجي بالثّقوب والاتصال والاستمراريّة، لذلك فموضوعات مثل النّهايات والتّقارب جذرها توبولوجي، وأشهر تشبيه «الكعكة» و«كوب القهوة» فهما بالنّسبة للتّوبولوجي شيئان متطابقان لأنّ لهما خاصّيّة ثابتة هي وجود ثقب واحد. كذلك المثلث والمربّع فبرغم كونهما مختلفين من ناحية الهندسة التّقليديّة (زوايا مختلفة)، لكنّهما متماثلان توبولوجيّا إذ لا ثقوب في أيّ منهما، ويمكن تشويه أحدهما للآخر.
يقدّم التّوبولوجي لغة مشتركة لفهم «الشّكل» و«الفضاء» في مختلف المجالات من فروع الرّياضيّات والفيزياء. إنّه العدسة التي ينظر من خلالها الرّياضيّون إلى العالم ليروا الاتصالات الخفيّة بين الأشياء التي تبدو مختلفة على السّطح. ولدراسة «التّوبولوجي» لابدّ من التّعرّض لمفهوم متعدّد الطيّات Manifold كتعميم للمنحنيات والأسطح وتجريدها.
متعدّد الطيّات « الشّيطان يكمن في التّفاصيل»
يدرك كلّ كائن ثنائي الأبعاد «الأمام» و«الخلف» و«اليسار» و«اليمين»، لكنّه لا يدرك «الأعلى» و«الأسفل» (البعد الثّالث). فإذا كان هذا الكائن ينتقل على ورقة وكانت مهمّته استكشاف العالم الذي يعيش عليه واستخلاص شكله العام، فستبدو المساحة من حوله مستوية تمامًا. وإذا مشى في خطّ مستقيم، فسيصل إلى حافة الورقة ويسقط (هذه الحافة هي «الحدود»)، والخلاصة أنّ الورقة المسطّحة هي مثال على «متعدّد طيّات ثنائي الأبعاد» بحدود. محليًا، يبدو مسطّحًا (مثل الخطّ المستقيم)، لكن له شكل عامّ وحدود.
أمّا إذا تحرّك ذلك الكائن على سطح كرة مثل الأرض، فإنّه إذا نظر تحت قدميه، في أي مكان يقف فيه، فستبدو الأرض مسطّحة. هذا هو المعنى الحرفي لـمصطلح رياضي معروف «محليًّا يشبه الفضاء الإقليدي». وإذا مشى في خطّ مستقيم إلى الأمام، فسيعود إلى نقطة البداية من الجهة الأخرى! ولن يسقط لانعدام الحافّة، لأنّ الكرة مغلقة وبدون حدود، أي بدون حواف (تذكّر أنّه على سطح مستوٍ، الخطّ المستقيم هو أقصر مسار بين نقطتين، وعلى سطح منحنٍ، الخطّ الجيوديسي هو نظير «المستقيم»، إنّه أقصر مسار بين نقطتين مقيسًا على السّطح نفسه). وسوف يدرك في النّهاية من خلال رحلاته الطّويلة أنّ العالم الذي يتحركّ فوقه كرويّ الشّكل بشكل عام برغم أنّه يبدو مسطّحًا محليًّا في كلّ نقطة.
والخلاصة أنّ الكرة هي «متعدّد طيّات ثنائي الأبعاد مغلق» (بدون حدود)، محلّيًا مسطّح، لكنّ شكله الكلّي منحنٍ. إنّه عالم ثنائيّ الأبعاد يعيش في عالم ثلاثيّ الأبعاد أو أكثر.
لنأتِ إلى متعدّد طيّات أكثر تعقيدًا مثل الكعكة(عالم له ثقب واحد)، ولنفرض أن كائننا يتنقل فوقها، ففي أيّة نقطة على سطح الكعكة تبدو المساحة مسطّحة تحت قدميه، بينما إذا مشى في خطّ مستقيم، فسواء دار دورة كاملة حول «الثّقب» المركزي للكعكة (الخطّ الأخضر في الشكل 2 ) أو حول الفجوة الدّاخليّة للكعكة أي مطوّقا الأنبوب بشكل عموديّ على مستواه (الخط الأزرق في الشكل 2)، فسوف يعود إلى النّقطة التي انطلق منها.
النّوع الثّالث من الخطوط المستقيمة أكثر إثارة من هذا وذاك، هي الخطوط الحلزونيّة التي تلتفّ حول سطح الكعكة بشكل حلزونيّ (الخط البرتقالي في الشكل 2)، وتدور حول «الأنبوب» وفي نفس الوقت حول الثّقب المركزي.
والسّؤال الذي يطرح نفسه ما الذي يحدّد نوع الخطّ الجيوديسي؟ والإجابة من الشّكل 2 إنه الاتجاه الذي تبدأ به من نقطة معيّنة في الحركة حول الطّارة. من أيّ نقطة على الكعكة، يمكنك إنشاء عدد لا نهائي من الخطوط الجيوديسيّة، كلّ منها يتّجه في اتجاه مختلف: بعضها يغلق على نفسه بسرعة (دوائر حول الفجوة الدّاخليّـة)، وبعضها يستغرق وقتًا أطول للعودة إلى نقطة البداية (دوائر حول الثّقب المركزي)، والبعض الآخر لا يعود إلى نقطة البداية أبدًا، بل يملأ السّطح بشكل كثيف (يسمّى هذا خطّ جيوديسي غير دوري، حيث يمرّ بشكل قريب من كلّ نقطة على الكعكة مع مرور الوقت.
والخلاصة أنّ الكعكة هي متعدّد طيات ثنائي الأبعاد مغلق أيضًا، لكنّ شكله الكلّي مختلف عن الكرة بسبب وجود الثّقب. وتوبولوجيًّا، هما شيئان مختلفان.
الارتباط بالفيزياء والرّياضيّات «اختلاط الآداة والمسرح بالممثّلين»
إذا كان كوننا له شكل توبولوجي معقّد (مثل الكعكة في بعد أعلى)، فإنّ مسار الضّوء والجسيمات سيتابع هذه «الخطوط المستقيمة» الجيوديسيّة. هذا قد يفسّر ظواهر مثل تكرار الصّور في الخلفيّة الكونيّة. وفي نظريّة الأعداد، هناك روابط عميقة بين السّلوك الفوضوي للخطوط الجيوديسيّة على الأسطح مثل الكعكة ونظريّة الأعداد، في فرع يسمّى «النّظريّة الطّيفيّة الهندسيّة». تساعد دراسة هذه الخطوط الرّياضيّين على فهم الانحناء الدّاخلي للأسطح بشكل أعمق.
والخلاصة هي أنّ الخط «المستقيم» على الكعكة ليس مفهومًا واحدًا بسيطًا، إنّه عالم كامل من الاحتمالات يعتمد على الشّكل الفريد للسطح. بدلاً من خطّ واحد، يكون لدينا عائلة غنيّة من المسارات التي تكشف عن البنية الهندسيّة والتّوبولوجيّة المعقّدة للكعكة، ممّا يجعلها أحد أكثر الأشياء إثارة للدّراسة في الرّياضيّات.
الانتقال إلى الأبعاد الأعلى «حدسيّة بوانكاريه»
لنتخيّل كائنا ثلاثي الأبعاد (مثلنا)، لكنّه عالق داخل فضاء معين. إذن متعدّد الطّيات ثلاثي الأبعاد هو «عالم» أو «كون» يمكن العيش داخله. ففي أيّ غرفة يقف فيها هذا الكائن، يبدو الفضاء بالنّسبة إليه مكعّبًا عاديًّا ثلاثي الأبعاد (مثل غرفته). لا يمكنه تمييز انحناء الكون من خلال النّظر إلى محيطه المباشر.
يكمن التّحدي في معرفة ما هو الشّكل الكلّي لهذا الكون؟ هل هو «كرة» رباعيّة الأبعاد؟ هل له ثقوب مخفيّة؟ هل هو لا نهائي؟ هنا تأتي حدسيّة «بوانكاريه»، التي يمكن صياغتها بهذا التّشبيه: «إذا كان هذا الكون الثّلاثي الأبعاد المغلق له خاصّيّة أنّ أيّ حلقة مرسومة فيه يمكنك تقليصها إلى نقطة (بسيط الاتصال)، فهل هذا يعني بالضّرورة أنّ شكله الكلّي هو كرة ثلاثيّة الأبعاد؟ أي إنّها مجموعة النّقاط التي تقع على مسافة ثابتة من مركز ما في الفضاء الرّباعي الأبعاد».
إنّها الكرة الصّلبة، المليئة تماما بالدّاخل، هذا هو الشّكل الذي تخبرنا حدسيّة «بوانكاريه» أنّ أيّ كون بسيط الاتصال يجب أن يكون مكافئا توبولوجيًّا لها. يعني أنّه يمكن «تشكيل» هذا الكون مثل الصّلصال (دون تمزيق أو لصق) حتّى يصبح على شكل الكرة ثلاثيّة الأبعاد. التّشوه المستمر يحافظ على الخصائص التّوبولوجيّة الأساسيّة مثل البساطة الاتصاليّة.
الهوامش
(1) Henri Poincaréا(1854-1912) عالمًا موسوعيًا برع في الرّياضيات، والفيزياء النّظريّة، والهندسة، وفلسفة العلوم. وهو«آخر العلماء الشّموليين» الذين استطاعوا الإلمام بجميع فروع الرّياضيّات والفيزياء والمساهمة فيها كلها. يُعد من مؤسّسي فرع «التّوبولوجيا» (دراسة الخصائص الهندسيّة التي لا تتغيّر عند التشويه المستمر).
وكان لعمله في الفيزياء الرّياضيّة دور تمهيدي وأساسي في صياغة «ألبرت أينشتاين» للنّظريّة النّسبيّة الخاصّة.كما يُعتبر من أوائل من اكتشفوا المبادئ الأساسية لنظرية الفوضى (Chaos Theory) من خلال دراسته لمسألة الأجسام الثّلاثة في علم الفلك.
(2) غريغوري بيرلمان (Grigori Perelman) من مواليد 13 جوان 1966، هو عالم رياضيّات روسي يُعتبر واحدًا من ألمع العقول في التّاريخ الحديث، واشتهر عالميًّا ليس فقط بعبقريّته الفذّة ولكن أيضًا برفضه لأهمّ الجوائز الماليّة والأكاديميّة في العالم. وبعد أن أحدث ثورة في عالم الرّياضيات، اختفى بيرلمان تمامًا عن الأنظار بعد أن استقال من منصبه في معهد ستيكلوف للرّياضيات في سانت بطرسبرغ.
(3) Perelman, G. (2002). «The Entropy Formula for the Ricci Flow and Its Geometric Applications». arXiv preprint
(4) مقابلة صحفية نادرة ومهمّة بعنوان: «Manifold Destiny» (القدر المتشعب)، مع الصحفيين سيلفيا نصار (Sylvia Nasar) وديفيد غروبر (David Gruber)، مجلة «ذا نيويوركر» (The New Yorker)، ا28 أوت 2006.
(5) «جائزة الألفيّة»(Millennium Prize Problems) هي مبادرة أطلقها «معهد كلاي للرّياضيّات»(Clay Mathematics Institute) في الولايات المتحدّة عام 2000 تضمّنت تحديد سبع مسائل في الرّياضيّات اعتُبرت الأكثر أهمّية وصعوبة وعمقاً في العالم، ورصد المعهد جائزة قدرها مليون دولار أمريكي لمن يتمكّن من تقديم حلّ صحيح ومثبت لأيّ واحدة من هذه المسائل السّبع.
(6) ريتشارد س. هاميلتون (Richard S. Hamilton)ا(1943 - 2024)هو عالم رياضيات أمريكي بارز، وتحديدًا «الهندسة التفاضلية» و«التحليل الهندسي». إسهامه الرئيسي: تطوير ما يُعرف باسم «تدفق ريتشي» (Ricci Flow).
|




