خواطر

بقلم
شكري سلطاني
الإنسان بين ثقل الأمانة وظلم النفس والجهالة
 حين عُرضت الأمانة على السّماوات والأرض والجبال أبين أن يحملنها وأشفقن من ثقلها، بينما تقدّم الإنسان – هذا المخلوق الضّعيف – ليحملها ظانّاً أنّه أهل لها، مؤمناً بقدرته على الوفاء بعهد ربّه، فكان ذلك موضع الاختبار الأكبر في رحلة الوجود.
في دنيا التّحوّلات قد يفقد الإنسان عزيزاً، وقد يُصاب بمرض عضال، وهو مطالب ببرّ والديه، ورعاية أهله ومن يعول، والإحسان إليهم. هذه ليست مجرّد تفاصيل يوميّة، بل ميادين تُختبر فيها الأمانة: الصّبر على الفقد، الرّحمة رغم قسوة الحياة، تربية الأبناء رغم التّعب، والحفاظ على الصّلة باللّه رغم الشّكوى والّضيق. فما هي الأمانة؟ ولماذا يخيب الإنسان أحياناً في حملها؟ وما علاقة ذلك بطبيعته البشريّة؟
1 - معنى الأمانة :
فسّر العلماء الأمانة بمعانٍ واسعة تشمل:
– التّكاليف الشّرعيّة من أوامر ونواهٍ،
– حفظ الحقوق،
– أداء الواجبات،
– حرّية الاختيار وتحمّل المسؤوليّة.
ورأى الإمام الغزالي أنّها خُلق يرتبط بالصّدق والإخلاص، وأنّها تتحقّق بتزكية النّفس وتنقية القلب. فالأمانة ليست التزاماً دينيّاً فحسب، بل ركيزة أخلاقيّة وسلوكيّة تُصلح الفرد والمجتمع.
ومع أنّ الذّنب وارد الوقوع بحكم الطّبيعة البشريّة والابتلاءات، فإنّ حمل الأمانة ثِقل معنوي؛ وخيانتها من أعظم الذّنوب، والفشل فيها غالباً ما يكون بسبب الجهل أو ضعف النّفس. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(الأحزاب: 72).
لقد حمل الإنسان الأمانة ثمّ نسي ميثاق فطرته، ذاك العهد الأول يوم قال اللّه تعالى: ﴿..أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ..﴾،﴿..قَالُوا بَلَىٰ..﴾(الأعراف: 172). لكن ما إن جاء الإنسان إلى الدّنيا حتّى غشيه غبار الغفلة، فجهل نفسه وظلمها بمعصيته، حتّى صار يعيش في غربة روحيّة بلا وعي. والإنسان حمل الأمانة بعزم، ثمّ نكص تحت وطأة ثقلها، إذ غرّته قوّته ونسِي ضعفه بين سماء مسبّحة وأرض مطيعة وجبال خاشعة. لكنّه تفرّد بالاختيار والإرادة، فكانت له الكرامة وكانت له الفتنة.
الأمانة إذن تكليف حرّ، يملك الإنسان فيه القدرة على الطّاعة أو المعصية، بخلاف المخلوقات الأخرى المجبولة على الطّاعة. وله مسؤوليّة العقل والضّمير، وأن يعي الخير والشّرّ ويُحاسب عليهما، والالتزام بأوامر اللّه في عالم مليء بالمغريات والآلام. 
2 -  لماذا يخيب الإنسان في حمل الأمانة؟
لأنّه نسي ميثاق فطرته، وانقطع عن ربّه، واغترّ بعقله فنسِي محدوديّته وضعفه، وانشغل بالمظهر وترك الجوهر، وفصل بين العلم والحكمة. ولأنّه خاف من مواجهة ذاته فاختبأ وراء العادات والتّقاليد والمجتمع، حتّى استأنس بالغير واستوحش من خالقه، فلم يعد يسمع صوته الدّاخلي.
3 -  الأبعاد الوجوديّة والنّفسيّة والرّوحيّة والاجتماعيّة
أ - البعد الوجودي:
الإنسان ليس كائناً مادّياً فقط، بل جسر بين عالم الغيب (الرّوح) وعالم الشّهادة (الجسد). والأمانة جوهر وجوده: وعي ومسؤوليّة وإرادة حرّة. وفي عمق التّجربة الإنسانيّة توتّر دائم بين المعنى والعبث، وبين التّكليف والضّعف. ولا معنى للحرّية دون مسؤوليّة، ولا معنى للمسؤوليّة دون حساب. ولهذا كان الإنسان «ظلوماً جهولاً» لأنّه قَبِل أمراً عظيماً دون إدراك تامّ لعاقبته. وتبدأ المأساة حين ينسى الإنسان أصله العلوي ويتماهى مع المادّة، فيغترب عن ذاته وتغدو الحياة صراعاً بلا معنى.
ب - البعد النفسي والعقلي:
في الدّاخل صوتان متصارعان: صوت الفطرة الذي يدعو إلى الحقّ، وصوت الأنا الذي يدفع نحو الأنانيّة والكبر. فإن غلبت الأنا اختلّ التّوازن بين العقل والإيمان، فيسقط الإنسان إمّا في غرور يظنّ معه أنّ العلم يغنيه عن الهداية، أو في استسلام يُعطّل فيه العقل ويبرّر الذّنب بالقدر.
ج - البعد الوجداني والروحي :
في كلّ إنسان حنين دفين إلى الأصل، وشوق إلى الطّمأنينة، وهو بقايا ذلك العهد الأول. لكنّ ضجيج الحياة والشّهوات والمصالح يُغطّي هذا النّداء. وتبدأ العودة حين يصغي القلب إلى صمته الدّاخلي، فالصّمت حكمة، وإن كان فاعله قليلاً.
د - البعد الاجتماعي :
حين تغيب الأمانة يعمّ الفساد والظّلم، وتُقاس القيم بالمصلحة، ويُختزل الإنسان في وظيفته ومكانته. وهنا يصبح الوعي مسؤوليّة جماعيّة، والتّذكير بالأمانة واجباً إنسانيّاً.
4 - عودة الوعي وإمكان الخلاص:
الإنسان لم يُخلق ليخيب، بل ليُبتلى ثمّ يعود إلى أصله بنور أصفى. ومن وعى الأمانة واستقام على العهد صار مرآة للسّماء في الأرض. الله لم يكلّف الإنسان ليشقيَه، بل جعل كلّ صبر على ألم، وكلّ مقاومة للذّنب، وكلّ ضبط للنّفس عبادة عظيمة. ولا يُكلّف اللّه نفساً إلا وسعها. والباب مفتوح دائماً للتّوبة، وهي رحمة لا تضاهيها فلسفة بشريّة.
الأمانة سرّ كينونة الإنسان؛ فهو الكائن الوحيد القادر على أن يقول «لا» لنفسه من أجل اللّه. ومن ضيّع الأمانة ضيّع نفسه، لأنّه لم يُخلق للرّاحة المطلقة بل لامتحان يثبت فيه إنسانيته. ولكي نكون مصدر وعي وإلهام لمن حولنا لا بدّ من:
– الصدق مع الذات دون يأس أو غرور،
– إحياء الفطرة بالتأمل والذكر،
– تعليم الأجيال أن الإيمان وعي ومسؤولية لا طقوس فارغة،
– الجمع بين نور الوحي ونور العقل،
– التحلّي بالرحمة لا بالحكم القاسي، فإيقاظ الوعي يكون بالتذكير لا بالإدانة.