بحوث
| بقلم |
![]() |
| م.لسعد سليم |
| البحث الثّاني: «الكبائر الفرعيّة»(7) البغي (الإختلاف في الدين) |
ورد النّهي عن البغي منذ بداية الفترة المكّية (بصيغة التّحريم في الأعراف)، و على هذا الأساس وجب إلحاقه بالكبائر الأساسيّة:﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ .. ﴾ (الأعراف: 33)، ثمّ وقع التّذكير مرّة أخرى بحرمة البغي في أواخر المرحلة المكّية في قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90). وقد جاء التّحريم في سورة الأعراف مقرونا بالفحشاء، وفي هذا دلالة واضحة على أنّ البغي من الكبائر، الأمر الذي وقع تأكيده في سورة الشّورى، حيث توعّد اللّه من يبغي بغير الحقّ بالعذاب الأليم: ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُولَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(الشورى: 42)
ولقد وقع تعريف البغي في الموروث الفقهي بـ :الظّلم وتجاوز الحدّ وحتّى الحسد، والخروج على الإمام فيما يتعلق بـ «الفئة الباغية»، الأمر الذي لم نجده مناسبا خاصّة لما نستقرئ(7) كلمة «بغي» في القرآن الكريم، التي وردت في أربع قضايا :
1 - بغي قارون وفرعون على بني إسرائيل:
* ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (القصص: 76)
* ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ..﴾(يونس: 90)
2 - أكل الميتة و الدّم وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ:
* ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(الأنعام: 145)
* ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(البقرة: 173)
* ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(النحل: 115)
3 - اقتتال مجموعتين من المؤمنين:
* ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الحجرات: 9)
4/الإختلاف في الدين:
* ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾(الشورى: 14)
* ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(الجاثية: 17)
وعلى هذا الأساس يكون تعريف البغي هو السّيطرة والتّسلّط لشخص أو فئة (صاحبة مال أو نفوذ) على أخرى بدون وجه حقّ (ومنها السّلطويّة بحيث يعطي الإنسان لنفسه حقّ التّحليل والتّحريم، فيبيح لنفسه أكل ما حرّم اللّه عزّ وجلّ من ميتة أو دم ...)، لذلك أعطى اللّه سبحانه لمن بغى عليه الحقّ في الانتصار لنفسه واسترجاع حقّه واعدا إيّاه بنصرته، مبيّنا أنّ الانتصار يكون بسيّئة مثلها، فلا يتعدّاها حتّى لا يصير هو المعتدي خاصّة عندما يكون الطّرف الآخر ضمن مسؤوليّة (تعاقديّة)، حيث تجب الطّاعة للمسؤول في حدود ما تعاقد عليه (كالزّوجة للزّوج أو العامل مع صاحب العمل أو الفرد مع وليّ الأمر):
* ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾(الشورى: 27)
* ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾(الشورى: 39-41)
* ﴿ ..وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾(النساء: 34)
* ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾(الحج: 60)
وبالرّجوع إلى كلمة «بغي» في الآيات المكّية (الشّورى (14)، الجاثية(17)، الرّوم(32)، نجدها وردت في ذمّ تفرّق النّاس واختلافهم في الدّين بعد أن جاءهم العلم من اللّه عزّ وجلّ عن طريق الرّسل (أي اليقين لا الظنّ)(8).
وتواصل الآيات المدنيّة التّطرّق للبغي كسبب رئيسي للاختلاف في الدّين بين النّاس بعد أن جاءتهم البيّنات، وهو في نفس الوقت تحذير من اللّه عزّ وجلّ للمؤمنين بأن لا يقعوا في نفس الخطأ ولا يختلفوا ومن ثمّ يتفرّقوا (ويتقاتلوا):
* ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾(البقرة: 213)
* ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾( آل عمران: 19)
وأعاد اللّه تحذيره مرّة أخرى في نفس السورة، متوعّدا هذه المرّة المؤمنين بالعذاب الأليم حال اختلافهم وتفرّقهم: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(آل عمران: 104)
فهذه الآيات أكبر دليل على أنّ الاختلاف في الدّين (أحكامه) سببه الأساسي إرادة التّسلّط والسّيطرة، أي بغي فئة على أخرى (الحاكم على المحكوم والغنّي على الفقير والرّجل على المرأة)، ومن ورائهم «فقهاء المذاهب» وفتاويهم (اجتهاداتهم) كغطاء شرعي، الأمر الذي نتج عنه انحرافات كبيرة عن أحكام اللّه، خاصّة في الحدود، والزّكاة، والطّلاق، والسّبي، والرّدة، إلخ... ممّا أدّى إلى صراعات داخليّة وتفكّك اجتماعي، ومن ثمّ التّخلّف والانحطاط. مع العلم أنّ اللّه سبحانه، كما ذكرنا، قد حذّر المؤمنين منذ أواخر الفترة المكّية (الروم:32) وهم مقبلون على الهجرة من الاختلاف في الدّين، مبيّنا أنّ هذا الأمر من صفات المشركين، مع التّهديد بالعذاب الأليم لمن يفعل ذلك(آل عمران:105).
وقد نبه الشّيخ الطّاهر إبن عاشور إلى هذا الأمر(9) في تفسيره «التّحرير والتّنوير»، معلّقا على وصف من «يفرّقون دينهم»: «وهذه حالة ذميمة من أحوال أهل الشّرك يراد تحذير المسلمين من الوقوع في مثلها، فإذا اختلفوا في أمور الدّين الاختلاف الذي يقتضيه اختلاف الاجتهاد، أو اختلفوا في الآراء والسّياسات لاختلاف العوائد، فليحذروا أن يجرّهم ذلك الاختلاف إلى أن يكونوا شيعاً متعادّين متفرّقين يلعن بعضهم بعضاً ويذيق بعضهم بأس بعض»(تفسير الروم: 32). إلاّ أنّه حصر هذا الاختلاف المذموم في أصول الدّين لا فروعه(10): «وفيه إشارة إلى أنّ الاختلاف المذموم والَّذي يؤدّي إلى الافتراق، وهو الاختلاف في أصول الدّيانة الَّذي يفضي إلى تكفير بعض الأمَّة بعضاً، أو تفسيقه، دون الاختلاف في الفروع المبنيّة على اختلاف مصالح الأمَّة في الأقطار والأعصار، وهو المعبّر عنه بالاجتهاد. ونحن إذا تقصّينا تاريخ المذاهب الإسلاميَّة لا نجد افتراقاً نشأ بين المسلمين إلّا عن اختلاف في العقائد والأصول، دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشَّريعة» (تفسير آل عمران:105).
وهذا الإقرار من الشّيخ بأنّه «لم ينشأ افتراقا بين المسلمين نتيجة الاجتهاد في فروع الشّريعة»، غير مطابق للواقع التّاريخي خاصّة إذا نظرنا إلى الصّراعات التي قامت بين المذاهب السّنيّة والشّيعيّة عامّة أو داخل المذاهب السّنيّة نفسها، مثلا بين الظّاهريّة والمالكيّة، أو داخل المالكيّة نفسها في الأندلس وهي من العوامل التي أدّت إلى انهيار الدّولة الأمويّة وتقسيمها إلى طوائف (422ه/1031م)، أو بين الحنابلة والشّافعيّة/الأشعريّة في بغداد. وعلى سبيل الذّكر لا الحصر، نذكر حادثة منع الحنابلة اجتماع النّاس بالإمام الطّبري (ت923م) ومحاصرتهم لبيته ومنعهم دفنه في مقابر المسلمين، بدعوى أنّه كان يعتبر الإمام أحمد محدثا فقط وليس فقيها مجتهدا. هذا التّعصّب الذي وصل حدّ الاقتتال فيما يعرف بـ«فتنة ابن القشيري»(11)، وتلك الصّراعات المذهبيّة كانت تغذّيها الفئات الحاكمة لتكريس التّفرقة، وبالتّالي السّيطرة على العامّة من جهة، ومن جهة أخرى للصّراع فيما بينها على الحكم(12). فلا عجب أن يكتسح المغول شرق العالم الإسلامي ويصلوا إلى بغداد، عاصمة الخلافة ويدمّروها (1250م)، بينما جيوش المسلمين تقاتل بعضها البعض و«فقهاؤهم» منشغلون بخلافات حول الصّفات الإلهيّة، يكفّر بعضهم الآخر(13).
على هذا الأساس يكون الاختلاف في الدّين نقمة وليس رحمة كما روّج «الفقهاء» حتى ولو كان في الفروع، فالدّين كلّ لا يتجزأ (مع أنّهم اختلفوا حتّى في الأصول أيضا). وما هذه المصطلحات والقواعد التي وضعتها المذاهب من أصول للفقه وفروعه من عام أو خاص، ومطلق أو مقيد للنّصوص إلخ...والتي توحي في أوّل وهلة أنّها من العلوم اللاّزمة لتبيان أحكام اللّه عزّ وجل، ما هي إلاّ أدوات أدّت في آخر الأمر إلى تضخم المنظومة الفقهية وانحرافها عن المحكم من القرآن ممّا أدّى إلا تهميش أسسه إن لم نقل تغييبها، خاصة فيما يتعلّق بحدود اللّه التي وردت في القرآن الكريم في ستّ حالات (ثلاث منها متعلّقة بحقوق المطلّقة و أخرى تتعلق بأحكام الصّيام والميراث والمظاهرة،(14)، بينما جعلت المذاهب (سنّية وشيعيّة) حدود اللّه كلّها متعلّقة بالعقوبات استنادا إلى آثار وسنن غير يقينيّة و إن صحت(15) وفي هذا المثال تبيان واضح إلى إهمال «فقهاء المذاهب» للقرآن الكريم وتفنيد لزعمهم أنهم يأخذون به قبل أخذهم بالسّنة.
بناء على ما تقدّم، يجب حصر الدّين، عقائدَ وأحكاما في ما ثبت في القرآن الكريم بآيات محكمات بدون تأويل واجتهاد وبالتّالي دون اختلاف. وهذه الأحكام، في مجموعها، تمثّل قرابة الخمسين حكما والتي نحن بصدد تبيانها في بحثنا «الكبائر في القرآن الكريم». أمّا ما يحتاج النّاس إليه من قوانين وأحكام لتسيير شؤونهم وتنظيمها فهو متروك لأهل الاختصاص منهم، يضعونها حسب الحاجة دون ظلم أو تسلّط أو تمييز. وهذه القوانين الوضعيّة تختلف وتتغيّر حسب الزّمان والمكان ولا تحمل صفة القدسيّة، وشرطها الوحيد من النّاحية الدّينية هي أن لا تبيح حراما أو تمنع فرضا ثبت بنصّ محكم في القرآن الكريم. فأسس الدّين (الكبائر) مع العقائد، يجب أن تكون محلّ إجماع عند جميع المسلمين، وهي أساس للنّهضة واستمراريتها، وهي صمّام الأمان ضدّ إي انحراف ديني شمولي (التّقوّل على اللّه سبحانه وإدخال نصوص وأحكام ظنّية في الحيّز الدّيني وتضخيمها بدعوى أنّه لا بدّ أن يشمل جميع جوانب الحياة وأنّ «الأصل في الأفعال التّقيّد بالحكم الشّرعي») أو انحراف إباحي (كإباحة الرّبا أو الفواحش باسم الحرّيات أو النّجاعة الاقتصاديّة، وحصر الدّين في مساحة ضيّقة كالعبادات). والأصل والأمثل أنّ كلّ حكم فيه اختلاف، حتّى في أمور العبادات، لا بدّ أن يخرج من إطار المقدّس (الدّيني) ويترك الخيار للفرد يأخذ بما يراه صالحا له إن كان الأمر شخصيّا أو للمجموعة من خلال آليّات وهيئات تقوم على أساس الشّورى و الكفاءة، ويقع حصر «المقدّس» في الإيمان بالأسس الخمسة (ٱللَّه/َٱلْيَوْم ٱلْآخِر/ٱلْمَلَٰٓئِكَة/الكتب/الرّسل)، والأحكام الثّابتة (الكبائر) بنصوص محكمة كما وردت في القرآن الكريم دون تأويل (اجتهاد).
يتلخّص الدّين في إقامة الصّلاة (التي تتطلّب تجنّب ما يدور حولها من كبائر كالشّرك باللّه، وقتل النّفس، وإتيان الفواحش الأربعة، والتقوّل على اللّه جلّ جلاله، وعدم الإحسان بالوالدين، وقطع الرّحم، والبغي بغير الحقّ، وشهادة الزّور، وعبادة الطّاغوت، إلخ.. ) وإيتاء الزّكاة (وما تطلبه من اجتناب لأكل الرّبا، والسّرقة، وتوفية الكيل وَالْمِيزَانَ، وضمان حقوق الزوجة-المطلقة/إلخ...) مع الإخلاص والاستقامة (عدم التّحريف)، يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾(البينة: 5)
وذكر إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة في هذه الآية بدون أيّ أحكام فرعيّة بعينها، دليل على أنّه يشملها النّهي عن الاختلاف فيها، وذلك عكس ما ذهب إليه الفقهاء معتبرين أنّ الفروع، خاصّة فيما يتعلّق بالصّلاة والزّكاة، هي محلّ اجتهاد. مع العلم أنّه من غير المنطقي وخارج إطار المعقول أن يكون للّه أحكام مختلفة في نفس المسألة الواحدة، فكيف يكون الأمر حلالا وحراما في نفس الوقت، أيّا كانت المبرّرات والنّظريّات التي وضعها «الفقهاء» لذلك والتي هي قريبة من الجدل (التّبرير) أكثر من البيّنة (الحقّ)، هذا مع التّساؤل المشروع حول طبيعة التّبيان المفترض للسّنن والآثار إذا أفضت هي نفسها إلى اختلاف في الأحكام(16)وبالتّالي تعدّد المذاهب، فهل كان رسول اللّه ﷺَ يقيم الصّلاة على المذهب الشّافعي أو المالكي؟ وعلى أيّ مذهب كان يؤتي الزّكاة؟؟
أمّا فيما يخصّ قتال «الفئة الباغية»، فلا علاقة له بالخروج على الحاكم أو الإمام (العادل) كما اشتهر في الموروث الفقهي، فالآية في سورة الحجرات صريحة باقتتال فئتين من ٱلْمُؤْمِنِينَ والأمر من اللّه سبحانه بالإصلاح بينهما، وقتال الفئة التي ترفض دعوة الإصلاح وتواصل تسلّطها وبغيها: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الحجرات: 9)
الهوامش
(1) أنظر مقالنا بمجلّة الإصلاح، العدد 213، أفريل 2025، ص.ص:90-97
(2) أنظر مقالنا بمجلّة الإصلاح، العدد 214، ماي 2025، ص.ص:106-113
(3) أنظر مقالنا بمجلّة الإصلاح، العدد 215، جوان 2025، ص.ص:112-117
(4) أنظر مقالنا بمجلّة الإصلاح، العدد 216، جويلية 2025، ص.ص:110-114
(5) أنظر مقالنا بمجلّة الإصلاح، العدد 219، أكتوبر 2025، ص.ص:96-100
(6) أنظر مقالنا بمجلّة الإصلاح، العدد 220، نوفمبر 2025، ص.ص:116-120
(7) يقوم منهجنا في بحث المسألة في القرآن الكريم على ثلاثة عناصر: الاستقصاء (بحث في كلّ السّور)، والترتيل ( ترتيب نزول السّور)، والتبيان (القرآن بالقرآن).
(8) انظر مقالنا عن كبيرة التقوّل على اللّه، مجلّة الإصلاح، العدد 210، جانفي 2025، ص.ص:82-87
(9) بينما أهمل جلّ ما اشتهر من المفسّرين هذا الأمر واعتبروا أنّ المقصود بالشّيع اليهود والنّصارى (كالعادة) أو كلّ «الفرق الإسلاميّة» ما عدا أهل السّنة والجماعة («وهذه الأمّة أيضا اختلفوا فيما بينهم على نحل، كلّها ضلالة إلاّ واحدة وهم أهل السّنّة والجماعة، المتمسّكون بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه ﷺَ»، تفسير بن كثير، الروم:32) وهذا الأمر ليس بغريب، فجلّ ما «اشتهر» من المفسّرين هم من خرّيجي المدارس المذهبيّة أو دور الحديث ومدرّسيها، كابن كثير الحنبلي (ت775ه)، تلميذ بن تيمية (دار الحديث السّكرية بدمشق)
(10) وإن لم يعب الاختلاف المذهبي نفسه، وهو أمر صعب، نظرا أنّ الشّيخ إبن عاشور هو طرف أساسي في النّزاعات المذهبيّة بصفته رأس المالكيّة بتونس إلاّ أنّه كان يلمح في تفسيره أيضا إلى القضايا الشّائكة بين الإسلام والغرب، والتي بدأت تتفاقم بداية القرن 20، نتيجة تخلّف وانحطاط المسلمين من جهة وصعود الغرب ونهضته من جهة أخرى (ولعل تسمية تفسيره بالتّحرير والتّنوير هي أكبر دليل على هذا التّوجه). في المقابل تنبّه الدّاعية المصري المعاصر محمد الغزالي إلى خطورة هذه النّزعة المذهبيّة ودورها في تخلّف المسلمين (انظر فقرة: معارك في فقه الفروع،من كتابه «هموم داعية»).
(11) في هذه السنة (469هـ) ورد بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجاً، وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس ، وفي رباط شيخ الشيوخ ، وجرى له مع الحنابلة فتن ، لأنه تكلم على مذهب الأشعري ونصره ، وكثر أتباعه والمتعصبون له ، وقصد خصومه من الحنابلة ومن تبعهم سوق المدرسة النظامية ، وقتلوا جماعة وكان من المتعصبين للقشيري الشيخ أبو إسحاق وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان ، وجرت بين الطائفتين أمور عظيمة]». «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (ت 630ه/1233م)
(12) تأييد السّلاجقة منذ بداية حكمهم (نظام الملك، ت1092 م) للشّافعيين مقابل تأييد الخلفاء العبّاسيّين لاحقا للحنابلة (الفقيه الحنبلي أبو يونس وزيرا للخليفة العباسي النّاصر لدين اللّه، ت1225م))
(13)مع الإشارة إلى مواقف حازمة لبعض «فقهاء المذاهب» عند وجود خطر خارجي على المسلمين (العز بن عبد السلام الشّافعي، ت660ه/1262م والإمام بن تيمية الحنبلي، ت728ه/1328م وجهودهم في محاربة الصّلبيين والمغول ونصحهم ومعارضتهم للحكام المسلمين)(14) انظر مقالنا «الحدود في القرآن الكريم» مجلّة الإصلاح، العدد 189، أفريل 2023، ص.ص:46-48
(15) الحديث الصحيح (الآحاد) لا يفيد العلم (اليقين) وذلك حسب أراء فقهاء المذاهب أنفسهم، ولأن أفتوا بوجوب العمل به بحجّة أنّ الأعمال يكفي فيها الظّنّ بعكس العقائد التي يجب أن يكون الحديث متواترا. مع العلم أنّهم تساهلوا مع مرور الزّمن في هذا الأمر وأدخلوا أحاديث الآحاد أيضا في العقائد، بل ذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك بإباحتهم للأخذ بالأحاديث/السّنن الموضوعة التي اشتهر بها مسند بن حنبل (انظر الهوامش 4 و5 و6 في مقالنا «التقوّل على اللّه»،مجلة الإصلاح، العدد 210،جانفي 2025، ص.ص:84-85). مع العلم أنّ غلبة الظّن لا تكفي حتّى في الأعمال لأنّ القضيّة ليست حكم على عمل أو عقيدة بل ثبوت النّصّ من عدمه، حتى يقال أنّه حكم اللّه في المسألة. فوجب بالتّالي أن يكون نصّا قرآنيّا محكما أي لا يحتمل التّأويل، فحتى الآيات المتشابهة لا يأخذ بها في التّشريع أي تحريم فعل أو فرضه نسبة للّه عز وجل، وذلك مصداقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَٰبِ﴾(آل عمران: 7).
(16) لم يكن الخلاف محصورا بين المذاهب فقط، بل انتقل إلى داخل المذهب نفسه. فيروى عن الأمام الشّافعي اجتهادات لمّا كان مقيما بالعراق ثمّ أخرى مخالفة لمّا استقر بمصر. والقول بأنّ هذا الأمر نتيجة لآثار وسنن لم يكن يعرفها وهو في العراق كما يقع تبريره من «دعاة السّنن والمذاهب» هو حجّة عليهم لا لهم، فهذا دليل على أنّ السّنن والآثار ليست بكاملة (تعدّد الأسانيد واختلافها) ولا محفوظة (فاللّه تعهد بحفظ القرآن وحده) فلا تصلح بالتّالي أن تكون دليلا على المقدّس ( العقائد والحلال والحرام) بل في أحسن الحالات للاستئناس وللتّشريع الوضعي المحصور بالزّمان والمكان.
|




