تأملات
| بقلم |
![]() |
| أشرف شعبان أبو أحمد |
| فضل شكر الله |
إنّ نعم اللّه على عباده أكثر من أن تحصى، فقد أعدّ اللّه لهم كلّ ما يحتاجون إليه في معاشهم وجميع أحوالهم من كلّ ما سألوه وما لم يسألوه، وقد اخبر اللّه تعالى عن عجز العباد عن تعداد هذه النّعم فضلا عن القيام بشكرها، فقال:﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾(إبراهيم: 34) (1). ولقد وعد اللّه عزّ وجلّ الشّاكرين لأنعمه الحامدين لفضله بزيادة أنعمه عليهم، فقال:﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ..﴾(إبراهيم: 7)، تشير الآية الكريمة إلى حقيقة زيادة النّعمة بالشّكر(2) وأنّ اللّه سبحانه وتعالى يجازى من رضى بقضائه بأن يزيده من نعمه ورزقه، فالشّكر مجلبة للزّيادة والرّضا يجلب الخير(3) وهذه الحقيقة تطمئن إليها قلوبنا سواء أدركنا الأسباب أو لم ندركها لأنّها وعد من اللّه صادق فلابدّ أن يتحقّق على أيّة حال، فلا نخشى نفاد النّعمة وذهابها، فالمنعم موجود والنّعمة بشكره تزكو وتزيد(4) وقد قطع اللّه عزّ وجلّ بالمزيد مع الشّكر مع كونه وقف أشياء كثيرة على مشيئتـه، ففي الإغناء قال تعالى:﴿.. فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ..﴾(التوبة: 28) وفي الرّزق قال:﴿.. يَرْزقُ مَنْ يَشَاء..﴾(البقرة: 212)، وفي المغفرة قال:﴿ ..وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ..﴾(النساء: 116) وفي التّوبة قال: ﴿.. وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ..﴾(التوبة: 15)،وفي الدعـاء قال:﴿ ..فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ..﴾(الأنعام: 41) (5)
ومع ذلك فإنّ قليلا من النّاس هم الشّاكرون الحامدون لفضل اللّه، قال تعالى:﴿..وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾(سبأ: 13)، تكشف هذه الآية عن تقصير البشر في شكر نعمة اللّه وفضله، وهم مهما بالغوا في الشّكر قاصرون عن الوفاء، فكيف إذا قصّروا وغفلوا عن الشّكر من الأساس؟! وماذا يملك المخلوق الإنساني المحدود الطّاقة من الشّكر على آلاء اللّه وهي غير محدودة؟(6) واللّه غني بذاته محمود بذاته لا بحمد النّاس وشكرهم على عطاياه(7) قال تعالى: ﴿..وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾(لقمان: 12) ففي الآية توجيه قرآني ضمني إلى إن شكر اللّه إنّما هو رصيد مذخور للشّاكر ينفعه هو، واللّه غني عنه، فاللّه محمود بذاته ولو لم يحمده أحد من خلقه(8)
وشكر النّعمة يكون بالقلب واللّسان والجوارح، أمّا شكر القلب فهو أن يعلم العبد أنّ النّعمة من اللّه عزّ وجلّ، وإنّ صاحب الفضل هو اللّه تعالى، وهو المستحقّ للحمد والثّناء والشّكر، وأن يقصد الخير ويضمره للخلق كافّة. وشكر اللّسان ترجمة قوليّه لما انعقد عليه القلب من إيمان واعتراف للّه بالفضل والمنّة، فهو إظهار الشّكر للّه بالتّحميد. وشكر الجوارح هو استعمال الجوارح في طاعة اللّه تعالى عبادة وسلوكا والتّوقّي من الاستعانة بها على معصيته(9) قال تعالى: ﴿.. رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ..﴾(النمل: 19) وتعني كلمة أوزعني لغويّا أي اجمعني كلّي، كلّ جوارحي ومشاعري ولساني وجناني وخواطري وخلجاتي وكلماتي وعباراتي وأعمالي وتوجهاتي، اجمعني كلّي، كلّ طاقاتي كلّها أوّلها على آخرها، وآخرها على أولها، لتكون كلّها في شكر نعمتك عليّ وعلى والدي(10)
فلابد علينا أن نستقبل كلّ أحداث الحياة بكلمة ( الحمد للّه ) فالحمد يزيد كلّ شيء، واللّه محمود دائما لأنّ قضاءه كلّه خير ولا يأتي منه سبحانه إلاّ الخير، ولكنّ شهوات النّفس هي التي تتحكّم وتريد أن تجعل نفسها حكما على أحداث الكون فما تريده وتشتهيه تظن أنّه خير وما لا تريده تظنّ أنّه شرّ وهى لا تحكم على أساس إصلاح هذا الكون ولكنّها تحكم على أساس المنفعة الشّخصيّة ولو أفسدت كلّ شئ!!(11) وعن أنس رضي اللّه عنه قال رسول اللّه ﷺَ:« إنّ اللّه ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشّربة فيحمد اللّه عليها» (12). وقد كان نوح عليه السلام يحمد اللّه على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله لذا سمي عبدا شكورا قال تعالى: ﴿..إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾(الإسراء: 3) (13)
وقد أعلمنا اللّه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أنّ الكفر بالنّعمة يذهب الرّزق، وعدم الرّضا يبدّل الحال إلى أسوأ وأشد، ويقصّ القرآن الكريم قصّة سبأ فيقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾(سبأ: 15)، كان ذلك حال أهل سبأ أعطاهم اللّه رزقا وفيرا، جنّات عن يمين وجنات عن شمال مملوءة بالخيرات ليأكلوا منها حيث شاؤوا، فهل رضوا وشكروا نعمة اللّه؟ لا إنّما قابلوا الرّزق بالكفر والجحود، وأعرضوا عن نعمة اللّه، وعن شكر المنعم فماذا حدث لهم؟ يكمل القرآن قصّتهم للعظة والاعتبار، يقول تعالى: ﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾(سبأ: 16-17) لقد أراد اللّه سبحانه وتعالى أن ينبّهنا إلى أنّ الكفر بالنّعمة يزيلها وأنّ الكفر بالرّزق يذهبه(14)
والكفر بنعمة اللّه قد يكون بعدم شكرها أو بإنكار أنّ اللّه واهبها، ونسبتها إلى العلم والخبرة والكدّ الشّخصي والسّعي! كأنّ هذه الطّاقات ليست نعمة من نعم اللّه! وقد يكون بسوء استخدامها بالبطر والكبر على النّاس واستغلالها للشّهوات والفساد وكلّه كفر بنعمة اللّه، قال تعالى ﴿..لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾(إبراهيم: 7) والعذاب الشّديد قد يتضمّن محق النّعمة عينا بذهابها أو سحق آثارها في الشّعور، فكم من نعمة تكون بذاتها نقمة يشقى بها صاحبها ويحسد الخالين! وقد يكون عذابا مؤجّلا إلى أجله في الدّنيا أو في الآخرة كما يشاء اللّه ولكنّه واقع لأنّ الكفر بنعمة اللّه لا يمضي بلا جزاء، وذلك الكفر لا تعود على اللّه عائدته ولا يرجع على اللّه أثره(15)
الهوامش
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج2 ص540
(2) في ظلال القرآن سيد قطب ج4 ص 2088 - 2089
(3) الرزق محمد متولي الشعراوي ص 106 – 107
(4) في ظلال القرآن سيد قطب ج4 ص 2088 - 2089
(5) إحياء علوم الدين أبي حامد الغزالي ج4 ص 76 – 77
(6) في ظلال القرآن سيد قطب ج5 ص2899
(7) في ظلال القرآن سيد قطب ج4 ص 2088 - 2089
(8) في ظللا القرآن سيد قطب ج5 ص2787
(9) مختصر منهاج القاصدين أحمد بن عبد الرحمن بن قدامه المقدسي ص 277
(10) في ظلال القرآن سيد قطب ج5 ص 2636 – 2637
(11) الرزق محمد متولي الشعراوي ص 106 – 107
(12) رواه مسلم والترمذي والنسائي
(13) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج3 ص24
(14) الرزق محمد متولي الشعراوي ص 106 – 107
(15) في ظلال القرآن سيد قطب ج4 ص 2088 - 2089
|




