فقه الميزان

بقلم
الهادي بريك
الحلقة التاسعة : الميزان قيمة أصوليّة.
 رأينا فيما أنف من حلقات - بعد المقدّمات التّحريريّة - تطبيقات كثيرة لفقه الميزان في القرآن الكريم وفي السّنّة النّبويّة وفي عمل الصّحابة. 
هذه الحلقة مخصّصة لبيان أنّ الميزان قيمة أصوليّة. وهو ما يعني أنّ الميزان ليس إختراعا بشريّا ولا آلة يلجأ إليها لتوفير العدل والقسط فحسب. بل هو مكوّن هيكليّ من مكوّنات العقل الإسلاميّ وبدونه يغدو التّفكير أحْول والعمل أعور.
الميزان لحسن فقه القرآن الكريم.
من مظاهر الميزان في الكتاب العزيز إخضاع ما تشابه منه لما هو محكم، وليس العكس. الميزان هو وجود كليهما في الكتاب العزيز، ولكن بعلاقة تكافل تجعل من المحكم حاكما على المتشابه. في مجال الإعتقاد - مثلا - نقرأ أسماء خبريّة للّه سبحانه ﴿..ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ..﴾(الحديد: 4)، ولكن نجد إلى جانب ذلك خبرا محكما يؤول إليه كلّ شيء وهو ﴿..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ..﴾(الشورى: 11). فمن عمل بهذا الميزان (أي تحكيم المحكم في المتشابه) وحّد ربّه توحيدا صافيا. ومن لم يفعل أوشك أن يلحد في أسمائه. ومثل ذلك تحكيم القطعيّ في الظّنيّ، وليس العكس. ومثل ذلك تكافلا بين ما نزل منه قبل الهجرة وبعدها، فلا يحمل قوله سبحانه ﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾(الواقعة: 79) على المصحف، ولكن على الكتاب المكنون. وغير ذلك كثير.
خلاصته أنّ فقه القرآن الكريم يقوم على ميزان يجمع تلك المتقابلات (محكم/متشابه - قطعيّ/ظنيّ - مكّي/مدني)، ولكن يوازن بينها ليجعل من هذا حاكما ومن ذاك محكوما. من مظاهر الميزان هنا الجمع بين المعاني الثّلاثة للكلمة (المعنى اللّغويّ والعرفيّ والشّرعيّ). فلو نبذ المعنى اللّغويّ في كلمة «الصّلاة» لكان قوله سبحانه ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا ..﴾(التوبة: 84) هو : لا تصلّ على المنافق صلاة الجنازة. أرأيت قيمة الميزان؟ 
الميزان في الحديث النَبويّ.
الأمر نفسه مع السنّة، أيّ العمل بميزان يجمع بين القول والفعل والإقرار (وهي أصناف السّنّة الثّلاثة) ولكن على نحو يجعل من العمل مشروعيّة إباحيّة فحسب من حيث الأصل. فلا يتعدّى ذلك إلى إيجاب عدا بقرينة قويّة (أي ليس كلّ ما فعله ﷺَ هو واجب وعلى درجة واحدة من الوجوب). كما يقوم الميزان هنا بتمييز مقاماتهﷺَ. فلا يسوّى بينها (مثلا : ما يأتيه بدافع العادة «لحم الضبّ مثلا» ليس سنة تشريعيّة. وما يجترحه من مصالحات سياسيّة وعسكريّة ليس سنّة ملزمة، وغير ذلك كثير). وهو ميزان يميّز بين عمله قبل البعثة وبعدها، ولكنه يجمع الأمرين تحت سقف السّنّة. 
الميزان بين القرآن والسّنّة.
ترسيخ الميزان هنا مهمّ جدا إذ ظهر - وسيظهر في كلّ زمان - قائلون أنّهم «قرآنيون». الميزان هنا هو جعل السّنّة في المرتبة الثّانية بعد القرآن الكريم، ولكن بمعنى أنّها تبيّنه، ولولا تبيينها لما إهتدى مهتد إلى عبادة ربّه. الميزان هنا - وعموما - هو الجمع بين وصل لا مناص منه «بين القرآن والسّنّة مثلا» وبين فصل لا مناص منه كذلك. تلك هي العلاقة المركّبة التي يسعى الإسلام كلّ سعي لجعلها منهاجا تفكيريّا متوازنا. 
الميزان بين الوحي والعقل.
بل لك أن تقول أنّ الوحي هو الكتاب «ومعه السّنة طبعا» وأنّ العقل هو الميزان. هما جناحان لا مناص منهما، كما أنّه لا مناص لطائر منهما. من أمثلة ذلك أنّ النّاس عندما لا يجدون حكما لشيء لا في القرآن ولا في الحديث لا يتوقّفون. ولكن يعملون عقولهم - فرادى وجماعات بحسب المجال - لاستيعاب الحدث الجديد. وهو الذي زاوله الصّحابة الكرام. وسمّي بعد ذلك - زمن التّدوين - إجماعا. والإجماع عمل عقليّ ولكنّه منضبط بأصول الوحي. ومن «الإجماع» إنداح العقل. فكان القياس والإستصلاح والإستحسان والإستصحاب والعمل بالعرف ورعاية الذّريعة فتحا وسدّا وغير ذلك. كلّ ذلك إعمال للميزان. إذ أنّ نصوص الوحي مهما كثرت فهي محدودة. ولكنّ الحادثات الجديدة لا تنقطع مادام هناك أرض وحياة وإنسان. 
الميزان هنا هو قصر الوحي على ما لا يتغيّر بتغيّر الزّمان والمكان. وتغذية الإجتهاد بالعقل «تشاورا وتراضيا» فيما يتغيّر. وبذلك يستوعب الإسلام الحياة مهما تعقّدت وتشابكت. لو نبذنا الميزان هنا لغدا كلّ عمل تعميريّ في الأرض (مدارس ومشافي وطرق) بدعة، إذ ليس فيه أمر صريح. ولكنّ الميزان يعضد الكتاب فتكون حياة. لو نبذنا العمل بقانون القياس لقتل الموصى له من وصّى له بشيء ثمّ أخذ وصيته وليس لنا في ذلك نصّ من وحي. ولكن القياس - الذي هو ثمرة من ثمرات الميزان - يجعلنا نقيس الموصى له هنا على قاتل مورثه. 
الميزان ومقاصد الشّريعة.
لو قصرنا العلم على الحكم الشرعيّ فحسب من دون تغذيته بروحه (علّته ومقصده) لقلنا أنّه يحرم على المرأة سفر من دون محرم بغض النّظر عن حالة أمن أو خوف، وبذلك تأسن الحياة وتتعوّق مصالح أرملة مثلا. ولكن عندما نعمل بالميزان لنجمع بين الحكم الشرعيّ العمليّ وعلّته ونفقه أنّ علّة النّهي هي الخوف على المرأة (وليس منها، كما يهرف بذلك هارفون) عدلنا عن تنفيذ النّهي في حال الأمن. من مظاهر الميزان هنا كذلك ترتيب مقاصد الشّريعة وِفْقَ سلّم تراتبيّ ليكون الإنسان هو رأس ذاك السلّم ويحفظ في كلّ ما يرتفقه من دين وحياة وعقل ومال وأبعاد معنويّة وجماعيّة وغير ذلك. أي تقدّم المصالح الضّروريّة وتؤخّر الحاجيّة ثمّ التّحسينيّة. 
الميزان وقواعد الفقه.
الميزان نفَس كنفَس الإنسان الحيّ. فإن وجد كانت حياة، وإن عدم كان موت. من مظاهر الميزان هنا الجمع بين الطّوية الباعثة على العمل (مقصده) والعمل نفسه. ولذلك حرّر الحكماء قاعدة (العبرة بالمعاني وليس بالمباني)، أي الجمع بين النّيّة وبين العمل. فلا ثواب عدا بنيّة. 
من تطبيقات بعض الفقهاء للميزان.
كره الإمام مالك بن أنس صيام الأيام الستّة من شوال إعمالا لميزان عنوانه : التّمييز بين الواجب والسّنّة. أي عندما يرقّ الدّين فإنّ المطلوب ليس هو المسارعة إلى السّنّة مهما كان ثوابها، ولكن تكون المسارعة إلى حفظ المسافات الكافية بين الواجب والسّنّة. إذ لو زالت الحدود بينهما كانت البدعة المغلّظة. موازنة بين إبتداع في الدّين وبين تفويت أجر الصّيام. 
من تطبيقات أبي حنيفة النّعمان قوله أنّ الزّكاة في كلّ ما تخرج الأرض، وليس مدّخرا مقتاتا فحسب. لماذا؟ لأنّ الزّمان قد يتغيّر فيكون غير مقتات اليوم مقتات غد. وغير مدّخر اليوم مدّخر غد. وقد تخرج الأرض ثمرات جديدة لا عهد للأقدمين بها. ميزان بين مختلف الأجيال والعصور وبين مصلحة المزكّى له ومصلحة المزكّي نفسه. 
من تطبيقات الإمام أحمد (كلاميّا) عدم قوله بخلق القرآن. والرّسالة هي : العالِم ليس عجينة طيعة في أيدي الدّولة وسلاطينها. ولكنه علَم به يأتمّ النّاس. ومن تطبيقاته عمليّا جواز صلاة الجمعة قبل دخول الظّهر ضرورة. موازنة بين قدسيّة الفريضة وحاجات النّاس في أحوال الضّرورة.
ومعلوم أنّ الشافعيّ صاحب مذهبين (في العراق ومصر). وما ذلك سوى لتغير ظروف ومكان وحاجات وضرورات. موازنة بين مصالح النّاس بتغير ظروفهم. ولكن فيما يقبل ذلك، وليس فيما هو ثابت لا يتغير.
من تطبيقات إبن تيمية إعادة حكم الطّلاق ثلاثا في مجلس واحد أو بكلمة واحدة إلى ما كان عليه زمن رسول اللهﷺَ، وليس متابعة ما فعله الفاروق عمر، أو ما تبعه في ذلك من الفقهاء. موازنة بين الدّاعي الذي جعل الفاروق يتّخذ ذلك الإجراء الأميريّ وبين المصلحة في زمن إبن تيميّة. موازنة بين مقام الفاروق إذ فعل ذلك - وهو مقام الإمارة - وليس مقام التّشريع ومقام الفقيه الذي يعالج شؤون زمانه هو ومكانه هو. 
من تطبيقات الفقهاء - أو بعضهم - حيال السّلطة الجديدة التي إستأثرت بالسّلطان من دون وجه حقّ من تشاور وتراض وتبايع وتعاقد إبتعادهم عن مشاكستها مسافة تتيح لهم التّفرّغ لتعليم النّاس وتعبئتهم وتربيتهم وتأمين الجانب الدّينيّ وغير ذلك. ولو قاوموا تلك السّلطة غير الشّرعيّة (شعبيّا) لحرموا من ذلك وحرم النّاس من خدماتهم. موازنة بين مصلحة ومصلحة. كما فعل الحسن نفسه في عام الجماعة (40هجرية) إذ أدّى الميزان عنده إلى التّنازل عن السّلطة حقنا للدّماء وتوفيرا لأسباب وحدة الأمة والتآم صفها من جديد. موازنة بين قيمتي الصّف الواحد وحقّ النّاس في مبايعة من يختارون. 
خلاصة : 
الميزان قيمة أصوليّة ومنهج فكريّ قوامه منهاج تفكيريّ عنوانه رعاية الأبعاد المركبة والجمع بينها حتّى يلتئم الحقّ، فينفذ متغلغلا في أعماق النّفس والحياة. ذلك أنّ كلّ شيء في هذا الكون مركّب قائم على ناموس التّنوع وقانون التّعدّد وسنّة الإزدواج، فلا مناص إذن من رعاية كلّ الأبعاد. وذلك هو فقه الميزان الذي لا يعالج التّفكير معالجة أحاديّة عوراء، ولا العمل معالجة حولاء. فقه الميزان يدلّنا عقيدة على أنّ اللّه وحده هو الذي تفرّد بالأحاديّة، فلا تنوّع ولا تعدّد ولا زوجيّة. المعتقد نفسه مركّب، فلا مناص إذن من معالجته بفقه الميزان. كيف؟ 
في العقيدة الإيمان باللّه وبالغيب كلّه. ولكن فيه كذلك الإيمان بالإنسان أنّه مخلوق، ولكنه مختلف، فهو حرّ مريد. ومن ذا جاء الرّكن السّادس منه (القدر) متعلّقا بالإنسان. فلا يكون ريشة في مهبّ الرّيح مفعولا به مكرها (جبريّا) ولا يكون سيّدا على الكون متألّها ينافس خالقه (قدريّا، أي نافيا للقدر). العقيدة ذاتها - وهي مخّ الإسلام كلّه وقلبه النّابض - مركبة ترعى حقّ اللّه الخالق وترعى حقّ الإنسان المخلوق. فلا يكره على شيء أبدا حتّى من خالقه نفسه. سيما فيما يسأل عنه وليس فيما عدا ذلك. الميزان العقديّ هنا هو عبادة المعبود بحقّ سبحانه ولكن بإرادة وتحرّر ومسؤوليّة وليس بإكراه. الميزان إذن قيمة عظمى، بل هي القيمة العظمى التي تهب الحياة معنى ولا يندّ عنها شيء. الميزان سنّة اللّه في كونه وخلقه وشرعه.