تحت المجهر
| بقلم |
![]() |
| حسن الطرابلسي |
| عندما تخلع السّياسة عباءة الأخلاق أو القطيعة المَاكيَافيلِيّة |
بعد أن تعرّفنا في المقال السابق (1)على «نيكولو مَاكيَافيلِّي» وبماذا تميّز عصره وما هي مهنته أو ما هي الوظائف والمسؤوليّات التي تقلّدها، نحاول في هذا المقال أن نعرّف القارىء على فلسفة «مَاكيَافيلِّي» من خلال كتابه الشهير «الأمير».
فلسفة «مـاكيافلي»
يوضح كتاب «الأمير» وجهة نظر «مَاكيَافيلِّي» القائلة بأنّ الواقعيّة - لا المثاليّة الأخلاقيّة المجرّدة - هي الموقف الضّروري في السّياسة. فمَاكيَافيلِّي يفهم السّياسة والأخلاق كفئتين مختلفتين جوهريًّا لأنّ «من يمارس السّياسة لا بدّ أن يفعل الشّرّ أيضًا». فالكذب والخداع والمكائد، وحتّى القتل، وسائل مؤكّدة لكسب السّلطة والسّيطرة على الآخرين؛ ووحدها الإرادة والتّصميم على الفعل هما العاملان الحاسمان(2) ويبقى سؤال النّظام الأخلاقي للحياة الاجتماعيّة عنده في الخلفيّة فقط.
والسّبب في ذلك أنّ «مَاكيَافيلِّي» ينطلق من «أنّ الطّريقة التي نحيا فيها مختلفة تمام الإختلاف عن الطّريقة التي يجب أن نعيش عليها»(3)، وهو فرق كبير إلى درجة أنّ من يتجاهل الواقع من المرجّح أن يجلب سقوطه بدلاً من خلاصه؛ «لأنّ الشّخص الذي يدافع عن الخير في كلّ شيء لابدّ أن يهلك وسط العديد من الأشرار. فبالنّسبة لمَاكيَافيلِّي يكون المعيار النّهائي للسّياسي ليس الأخلاق الفرديّة، بل المنفعة. وهكذا فإنّ «الفائدة هي الشّغل الشّاغل للدّولة». ولذلك نجده في بداية الفصل الخامس عشر من كتاب «الأمير»، يعرض منهجه العام ويُقدّم نفسه واقعيّا، بالمُقارنة بكتاب «يوتوبيا» لتوماس مور الصّادر عام 1516 الذي يعرض مدينة غير واقعيّة.
يقدّم «مَاكيَافيلِّي» منهجيّة عمليّة للمستبدّ أو للمحتلّ يستطيع من خلالها السّيطرة على الدّولة ويكسب بها رضا الشّعب. فهو يدعو المحتل إلى «ارتكاب الإساءات (الجرائم) مرّة واحدة وبصورة جماعيّة، لأنّ ذلك يفقدها ميزة انتشار التّأثير، الأمر الذي لا يجعلها تترك أثرا سيّئا كبيرا»(4)؛ وسوف تشعر الشّعوب المحتلّة أو المسيطر عليها، بهذه الجرائم على نحو أقلّ قسوة، وتسبّب قدراً أقلّ من الدّماء السّيئة، ولكنّها تجعلها تخاف. ولكيلا يتحوّل هذا الخوف إلى تمرّد ينبّه «مَاكيَافيلِّي» المستبدَّ إلى اعتماد سياسة ذكيّة في توزيع المنح والمنافع، فهو يقول «أمّا بالنّسبة للمنافع، فيجب أن تعطى على فترات، أي قطرة قطرة، حتّى يشعر الرّعايا بمذاقها ويتلذّذون بها»(5). وهكذا يضمن ولاءهم وخضوعهم نتيجة خوفهم من يده الحديديّة، ولكنّه يمنحهم بعض المنافع بشكل تدريجي ليغذّي طمعهم في عطائه. فمَاكيَافيلِّي يجيب عن سؤال: «أيّهما أفضل أن يكون السّياسي محبوبا أم مهابا؟»، فيقول: «يجب أن يكون مهابا». (الفصل 17)
وأمّا الدين عند «مَاكيَافيلِّي» فضروري للحكومة، ولكن ليس لخدمة الفضيلة وإنّما لتمكين الأمير أو الحاكم من السّيطرة على النّاس. كما ينصح «مَاكيَافيلِّي»، في الفصل 18 من كتابه «الأمير»، الحاكم بتقليد عالم الحيوان في المزاوجة بين قوّة الأسد، «ليخيف الذّئاب»، ودهاء الثّعلب ليتجنّب السّقوط في الشّراك التي لا يراها الأسد، فهو يقول «لذلك يتحتّم عليه (الأمير) أن يتصرّف كالثّعلب حتّى يتمكّن من تجنّب الفخاخ، وكالأسد حتّى يستطيع إرهاب الذّئاب» لأنّ «الذي يرغب أن يكون مجرّد أسد ليس إلاّ، لا يفهم هذا» كما يعتبر أنّ «القسوة والعنف تكون مرّة واحدة وبعنف، والكرم والفضائل تكون على جرعات حتّى يتمتع بها الشّعب من ناحية ولا تُبقي أثرا لذلك العنف من ناحية أخرى» (الفصل 18) هكذا خلّص «مَاكيَافيلِّي» السّياسيّين من عقدة الشّعور بالذّنب.
ويمثل الفصل الأخير (26) دعوة حارّة لتحرير إيطاليا من «البرابرة»، أي الحكم الأجنبي الذي استعبد هذا البلد وأوصله إلى المهانة والإستعباد. إذ يتمنّى«مَاكيَافيلِّي» أن «تتمكّن إيطاليا من العثور على الشّخص الذي يستطيع أن يحرّرها وينهض بها». وهو لا يعير للشّعب اعتبارا في عمليّة التّغيير تلك، بل إنّه يربط عمليّة التّغيير دائما بالأمير المخلص الذي هو أشبه بالمستبدّ العادل. وهو يستحضر في تحليله صورة الدّوق «تشيزاري بورجيا» كبطل محرّر رغم ما عرف عن هذا الأمير من بطش وجبروت.
وجمع مَاكيَافيلِّي في «الأمير» بين الرّوح العلميّة والوطنيّة العارمة، التي ظهرت بوضوح في الفصل الأخير من الكتاب.
ونستطيع فهم فلسفة «مَاكيَافيلِّي» السّياسيّة بشكل أفضل، عندما نفهم روح «العلمنة الشّاملة» للسّياسة، بلغة المسيري، التي بدأت فصولها منذ عصر النّهضة. وهو نوع من إثقال الدّولة إلى الأرض والذي حدث بالفعل في زمن عصر النّهضة. وقد ذهب أيضا الكاتب الألماني «كارل فورلاندر»(6)، إلى ما يقارب هذه الفكرة، إذ نجده يقول: «إنّ تناول «مَاكيَافيلِّي» للسّياسة جاء متناسقا مع روح عصر النّهضة بالكامل، فمَاكيَافيلِّي ينظر إلى السّياسة باعتبارها عملاً فنيّاً، أي كسياسة دولة، وليس بالمعنى الجمالي، فرغم أنّه كان معاصراً لليوناردو ومايكل أنجلو ورافائيل وتعرّف عليهم بشكل جزئي، فإنّه لم يكن مهتماً بالفنون البصريّة»(7)، ويصل «فورلاندر» إلى استخلاص أنّ روما السّياسيّة أثارت اهتمامه أكثر بكثير من اليونان الفنّية. وروما هي التّعبيرة الأكثر وضوحا عن الدّولة المادّية المرتبطة بالأرض. كما يبرز «فورلاندر» جرأة «مَاكيَافيلِّي»في تبنّي «اللّاأخلاقيّة» في فلسفته السّياسيّة عبر «الصّدق العظيم الذي لا يخفي هذه اللّاأخلاقيّة بشكل مصطنع، والتي كانت ممارسة شائعة في السّياسة لآلاف السّنين حتّى يومنا هذا، بل يكشفها علانيّة»، وهذا هو الذي أبرزه «كانط» على وجه الخصوص - في الملحق الخاصّ بعمله «في السّلام الدّائم» (1795) - وسلّط الضّوء عليه بوضوح، واعتبر أنّ «مَاكيَافيلِّي» كان جريئا على تسمية الأشياء بأسمائها الصّحيحة علانيّة؛ فهو خصم لكلّ الطّرق الوسطى وأنصاف الحلول(8).
وبفلسفته قطع «مَاكيَافيلِّي»، حسب «هيرفريد مينكلر»ا(9)، مع مبدأ أساسي في الفكر الإنساني، وهو التّوفيق بين الأضداد من خلال نهج «كلاهما/و»، ويعبّر عنه بالألمانيّة بالشّكل التالي (Sowohl-als auch)وبالفرنسيّة كالتالي (à la fois-et)، وردّ عليه بنهج «إما/أو» وهو بالألمانية (Entweder-oder) وبالفرنسية (Soit-sois) القاطع. وبهذا المعنى انتهى معه تقليد الإنسانيّة المدّنيّة، وبدأ مسار فكري سياسي لم يعد يُشترط في المشاركة السّياسيّة متطلّبات الأخلاق (10).
وبهذا فإنّ أهمّيّة «مَاكيَافيلِّي» التّاريخيّة والمنهجيّة تكمن في مسألة جواز استخدام الوسائل غير الأخلاقيّة في السّياسة على عكس ما عرف في النّظريات السّياسيّة السّابقة عليه، وفي قطعه الحاسم خاصة في كتاب «الأمير» مع التّقليد الإنساني السّائد.
مَاكيَافيلِّي ضدّ أرسطو والقدّيس أوغسطين
إنّ عرضنا لنظريّة «مَاكيَافيلِّي» التي قضت على التّناقض بين السّياسة والأخلاق، وركّزت في العمليّة السّياسيّة فقط على الجدوى والنّجاعة تمثّل إنقلابا تامّا على النّظريّة السّياسيّة كما سادت في التّفكير الفلسفي منذ أرسطو وأوغسطين مرورا بالماوردي والغزالي ثمّ عبر توماس الإكويني ومحاولته التّوفيقيّة بينهما عبر رفع الحضر الكنسي على تدريس أرسطو في الكلّية الفنّية بباريس «السّربون» وتبويئه في البيئة المسيحيّة جنبا إلى جنب مع أوغسطين، وصولا إلى فلاسفة النّزعة الإنسانيّة.
فالنّظريّة السّياسيّة الأرسطيّة(11)والنّظريّة الأوغسطينيّة(12)عن الدّولة وكتابات الماوردي عن الأحكام السّلطانيّة ونظريّة الغزالي التي نجدها موزّعة في نصيحة الملوك وفي فضائح الباطنيّة(13) أو في بعض الفصول من الإحياء وفي الاقتصاد في الإعتقاد وغيرها، وتوماس الأكويني في «عن سلطة الأمراء»(14) تمثّل النّظريّات النّقيض لفكر ماكيافلي.
ماكيَافيلِّي ضدّ أرسطو
تتلخّص فلسفة أرسطو السّياسيّة كما عرضها في كتابيه: «الأخلاق إلى نيقوماخوس» و«السّياسة» في اعتبار البشر كائنات سياسيّة لا يمكنها تطوير طبيعتها إلّا في الدّولة المدينة (بوليسPolis). وتهدف الدّولة إلى تعزيز ما أسماه أرسطو «اليوديمونيا – Eudaimonia» لمواطنيها من خلال تنمية الفضيلة. و«اليودايمينيا» كلمة يونانيّة تعني تقريبا الحياة الرّغيدة أو أيضا «السّعادة»، أو «الغبطة» كما ترجمها فتحي المسكيني(15). واعتبر أرسطو أنّ الدّولة الدّستوريّة هي الأفضل. ولذلك حلّل أرسطو الدّساتير القائمة، وميّز ثلاثة أشكال جيّدة للحكم وهي (الملكيّة، الأرستقراطيّة، نظام الحكم السّياسي) وأشكال سيّئة وهي (الاستبداد، الأوليغارشيّة، الدّيمقراطيّة). ورأى أنّ نظام الحكم السّياسي هو أفضل شكل ممكن لأنه حكمٌ لمواطنين عقلانيين من الطبقة المتوسطة، يسعون إلى تحقيق الصالح العام.
وبذلك تقوم الدولة عند أرسطو على مبدإ المشاركة «لمّا كانت الدولة، كل دولة، نوعا من المشاركة، وكانت كلّ مشاركة تتمّ للوصول إلى نفع خير ـ إذ المفروض أن الخير هو نهاية كلّ عمل ـ فإنّ من الواضح أنّه بالنّظر لكون الخير هدف جميع المشاركات، فإنّ الخير الأسمى في أرفع رتبه هو هدف المشاركة السّامية، التي تضمّ كل ما عداها، أو بكلمة أصحّ الدّولة أو المشاركة السّياسيّة»(16). وقد وجه نقدا مهمّا لأستاذه أفلاطون واعتبر أنّه لا يمكن تنزيل المدينة الفاضلة على الأرض. ورغم هذا النّقد المهمّ إلاّ أنّه بقي أسيرا للمدينة اليونانيّة الصّغيرة ولم يلحظ عمليّات التّغيير في المنظومة السّياسيّة ككلّ وتوجّه اليونان لتصبح إمبراطوريّة عظمى مع تلميذه الإسكندر.
والفكرة الأساسيّة التي سادت عن فلسفة أرسطو السّياسيّة هي تأكيده على أنّ السّياسة لا تعدو أن تكون الممارسة العمليّة للأخلاق. هذه النّظريّة بوّأته ليحتلّ موقع السّبق في تاريخ الفلسفة السّياسيّة، فأثّر بشكل كبير على الفلسفة السّريانيّة والعربيّة والعبريّة وأخيرا على فلسفة القرون الوسطى إلى أن وصلنا إلى «مَاكيَافيلِّي» الذي نقض النّظريّة الأرسطيّة التي لقيت حتفها، بتعبير «مَاكيَافيلِّي»، نفسه، لأنّها «تنظر للبشر كما ينبغي أن يكونوا وليس كما هم»، إذ يقول «مَاكيَافيلِّي» في الفصل 15: «قصدي هو أن أكتب شيئا مفيدا للذين يعلمون، بأنّه يبدو لي من الملائم أن أذهب إلى الحقيقة الواقعيّة بدل تخيّلها، لأنّ كثيرين تخيّلوا جمهوريّات وإمارات لم يروها، إنّ هناك فرقا كبيرا بين كيف يعيش المرء وكيف ينبغي أن يعيش».(17)
فحسب النّظريّة الأرسطيّة يكون للفعل الإنساني والأحداث الطّبيعيّة دائما أهداف نهائيّة، ولكنّ الفعل السّياسي عند «مَاكيَافيلِّي» يكمن في ذاته وليس في تصنيف مثالي لا يمتّ إليه بصلة. ومن ثمّة فإنّ هدف «مَاكيَافيلِّي» يقتصر على فهم ما يمكن أن يسمى «هنا والآن/hic et nunc/hier und jetzt» وتفسيره، أي بتعبير أدقّ ما يمكن أن نحقّقه وليس ما نأمل أن نحقّقه.
مَاكيَافيلِّي ضد القديس أوغسطين (354-430م)
مع «أوغسطين»(18) تبدأ فترة مهمّة وهي فترة الفلسفة الكاثوليكيّة التي تمتدّ إلى عصر النّهضة. ونستطيع القول أنّ «أوغسطين» استطاع دون غيره، سواء ممن سبقوه، مثل أوريجانوس (185ـ254م)، أو من أتى بعده، أن يؤسس لنظرية مكتملة للفلسفة الكاثوليكية استطاعت أن تتجاوز في عمقها الطرح الذي كان يقدمه الرواقيون والأفلاطونية المحدثة ولم يستطع، في اعتقادي، الآباء الكاثوليك بعده إبداع نظرية كاثوليكية تستطيع تجاوز المنجز الذي وصل إليه أوغسطين.
وقد عاش القديس «أوغسطين» في مرحلة من أصعب المراحل التي شهدتها الإمبراطوريّة الرّومانيّة، فقد عاين صعود المسيحيّة وتحوّلها إلى ديانة رسميّة للإمبراطوريّة عام 380 م، كما عاين انحدار الإمبراطوريّة مع دخول الغوطيّين الغربيّين إلى مدينة روما عام 410 ونهبها بالكامل.
ومن المهم التّنبيه هنا إلى أنّ ما يقصده القديس «أوغسطين» بمدينة اللّه Civitas dei ليس العالم الأخروي، وإنّما يقصد جماعة المؤمنين المسيحيّين في العالم الأرضي، فهذه الجماعة المؤمنة على الأرض هي ما يسمّيها «أوغسطين» بمدينة اللّه، كمقابل للجماعات التي لم تلتزم بمبادئ المسيحيّة. وأمّا الثانّية، فهي المدينة الأرضيّة Civita Terrena وتعمل على نصرة الظّلم، وقد بلغت أوج عظمتها في الإمبراطوريّة الرّومانيّة، أمّا المدينة السّماويّة أو مدينة اللّه فهي تجاهد لتحقيق العدالة. هاتان المدينتان تشتركان في الحاجات الدّنيويّة، وهما متشابكتان فيما بينهما، لكنّهما مختلفتان في الإيمان، أحداهما وعدت بالخلاص، والثّانية استبعدت من الخلاص (19). وقد استمدّ «أوغسطين» مفهوم الدّولة من البعد الدّيني والتّاريخي واعتبر روما مقرّ مدينة اللّه خاصّة بعد إعلان المسيحيّة دينا رسميّا للإمبراطوريّة الرّومانيّة.
مَاكيَافيلِّي ضد الفلسفة الإسلاميّة
لا ندّعي أن «مَاكيَافيلِّي» قد ردّ بشكل مباشر على الفلاسفة المسلمين رغم وجود دراسات ومصادر توثق تأثير الفكر الإسلامي على «مَاكيَافيلِّي»(20)، ولكنّ الثّابت أنّ مدرسة بادو وبولونيا وأيضا فلورنسا قد ضمّت ترجمات لشروح ابن رشد خاصّة وأيضا للفارابي وابن سينا بالإضافة إلى ترجمات لكتب فقهاء مثل الغزالي وغيره. ورغم ذلك فإنّنا لا نستطيع الجزم بأنّ «مَاكيَافيلِّي» قد اطلع عليها كلّها، ولكن نظريّته تتعارض مع كتابات الماوردي عن الأحكام السلطانيّة ونظريّة الغزالي وتتناقض معها. ورغم النّزوع الواقعي عند الغزالي فإنّ نظريّته بقيت في الغالب تحافظ على ربط الممارسة السّياسة بالأخلاق وعدم عزلها عنها، ولم يختلف الأمر عند المسلمين إلى اليوم إذ عادة ما نجد مقعدا للفكر السّياسي في الجامعات يحمل اسم الفلسفة السّياسيّة الأخلاقية أو ما شابهها.
كما لاحظنا في كتاب «الأمير» استعارات تشبيهيّة تتطابق مع ما نجده في كتاب «كليلة ودمنة». ففي هذا الكتاب جمع ابن المقفع بين روعة النّصّ الأدبي وعمق الفكر السّياسي الذي أحسن شرحه على ألسنة الحيوانات. فنجد في «كليلة ودمنة» حديثا عن الأسد والثّور والثّعلب وابن آوى وغيرها من الحيوانات والطّيور ونجد تشبيهات قريبة منها عند «مَاكيَافيلِّي».
ماذا بقي من «مَاكيافلّي»؟
بقي «مَاكيَافيلِّي» إلى حدود القرن التّاسع عشر نموذجا لكلّ ما يرمز للشّرّ في السّياسة(21)، ولم تلق نظريّته قبولا حسنا عند المفكرين بعده. فـ«هردر»(22) مثلا رفض نظريّة «مَاكيَافيلِّي» بشكل كامل، ولكنّه اعتبر أنّها مهّدت الطّريق للدّولة الوطنيّة أو القوميّة. وكان كانط هو أوّل من سلّط الضّوء على «مَاكيَافيلِّي» في كتابه «من أجل سلام دائم» (1795) بوضوح ثمّ خَطَا هيجل (1802) على خطاه وفي وقت متأخّر أيضا فيخته(23) في كتابه «خطابات إلى الأمة الألمانية»(1811)، وخاصّة مع ليوبولد فون(24)رانكه في كتاباته الأولى (1824) الذي تحدّث وبشكل غامض يحتمل تأويلين قائلا: «كان مَاكيَافيلِّي يبحث عن شفاء لإيطاليا، ولكنّه وجدها في وضع المريض الميؤوس من شفائه، ممّا جعله وبكلّ هدوء وجرأة يصف لها السّمّ كدواء»(25)
وفي القرن العشرين صار كتاب «الأمير» مرجعاً سياسيّاً مهماً للكثير من قادة العالم فموسيليني كان يجلّه كثيرا وهتلر يقرأ منه كلّ ليلة، وأمّا لينين وستالين فيمكن القول بأنّهما تتلمذا على «مَاكيَافيلِّي» كما ذكرت بعض المصادر أنّ عبد الناصر قرأ كتاب «الأمير» مرّات عديدة، واستلهم بورقيبة أسلوب «مَاكيَافيلِّي» في الواقعيّة السّياسيّة وفي قمع المعارضين.
وكتاب «الأمير» هو الكتاب الأكثر رسوخًا في تقديم «مَاكيَافيلِّي» على أنّه «مُعلّم الشّرّ» كما يرى الكاتب الأمريكي هارفي مانسفيلد(26). ويستند في حكمه على أستاذه الفيلسوف الأمريكي الألماني المَوْلد «ليو شتراوس»(27). فشتراوس يعتبر أنّ كتاب «الأمير» يجسّد تقليد «مرايا الأمراء» - أي الكتيبات الإرشاديّة التي تُمكّن الأمراء من رؤية أنفسهم كما لو كانوا في مرآة – وهذا التّقليد بدأ طبقا لشتراوس مع كتاب «كيروبيديا Cyropädia» للمؤرخ اليوناني إكسينوفون (431-350 قبل الميلاد) واستمرّ حتّى العصور الوسطى. قبل «مَاكيَافيلِّي»، نَصَح هذا النّوع من الأدب الأمراء للإقتداء بأفضل الأمراء الذين سبقوهم. وعلى النّقيض من مانسفيلد يعتبر كارل فورلندر Karl Vorländer ماكيافلي «أوّل عالم سياسة حقيقي في العصر الحديث»(28) ويتّفق معه أستاذ العلوم السّياسيّة الألماني هرفريد مينكلر Herfried Münkler في أنّ «ماكيافلي» هو أساس الفكر السّياسي(29).
ودراسة «مَاكيَافيلِّي» في زمن انتكاسة الثّورات العربيّة مهمّة، لأنّه ورغم ما وجه لنظريّة مَاكيَافيلِّي من نقد، تضمن كتاب «الأمير» دعوة لشعب إيطاليا الذي أصبح في ذلك الوقت في حالة من «المهانة والإستعباد والإضطهاد والتّفرّق» لم يشهدها عبر تاريخها الطّويل. وهو مشهد ينطبق على حال المسلمين والعرب، خاصّة. فهم، وهنا استعمل لغة «مَاكيَافيلِّي»، «لا زعيم لهم يسيرون خلفه، ولا نظام يحكمهم، مغلوبين على أمرهم، ومسلوبة أموالهم وممتلكاتهم». ولا يختلف اثنان فيما آل إليه وضع عالمنا العربي من مهانة إلى درجة أنّ شعبا كاملا في فلسطين يباد والعرب، حكّاما وشعوبا، عاجزون عن الحركة والفعل.
إنّ «مَاكيَافيلِّي» وصف لنا الحاكم الظّالم الذي لا يخضع لدين ولا لقانون ولا لأخلاق. وسمّى الأسماء بمسمّياتها، في حين عجزنا نحن، بل انتصر كثير من نخبنا للطّغاة والدّكتاتوريين. وبالتالي، يصبح بهذا المعنى «مَاكيَافيلِّي» معاصرا لنا أكثر من أيّ وقت مضى.
الهوامش
(1) ماكيافيلي، نيكولو: الأمير، ترجمة طارق عبد الواحد، الدولية للنشر والتوزيع، ص 135
(2) Niccolo Machiavelli, in; Vorländer, K.: Von Machiavelli bis Lenin, Neuzeitliche Staats- und Gesellschaftstheorien, 1926, Verlag von Quelle & Meyer in Leipzig, S. 450
(3) ماكيافيلي، نيكولو: الأمير، ترجمة طارق عبد الواحد، الدولية للنشر والتوزيع، ص 135
(4) المصدر السّابق، الفصل الثامن، ص93
(5) نفسه
(6) كارل فورلاندر (1860 - 1928) فيلسوف ألماني من أتباع الكانطية الجديدة، درّس في زولينغن. نشر دراسات وإصدارات متنوعة لأعمال كانط، منها دراسات حول العلاقة بين الفكر الكانطي والاشتراكي، وتأثير كانط على أعمال غوته.
(7)Niccolo Machiavelli, in; Vorländer, K (م.س) ص 9
(8) نفسه
(9) هيرفريد مونكلر(Herfried Münkler)، من مواليد 15 أغسطس 1951 في فريدبيرج، هو عالم سياسة ألماني وأستاذ في جامعة هومبولت في برلين.
(10) Münkler, Herfried und Marina, Münkler: Lexikon der Renaissance, Verlag C.H. Beck, 2. Auflage, München 2022, S.168
(11) نجد النظرية السياسية لأرسطو في كتابي: الأخلاق إلى نيقوماخوس، الباب الثامن، الفصل 12 (Nikomachische Ethik, Buch VIII, Kap. 12) وكتاب السياسة في الفصل الثالث، الفقرة 7و8، وفي الفصل الرابع، الفقرة 2 (Politik, Buch III, Kap. 7/8, Buch IV, Kap. 2)
(12) عرض أوغسطين نظريته السياسية في كتاب مدينة الله Augustinus von Hippo: De Civitate Dei
(13) محمد العلائي: شيء من الفكر السياسي لأبي حامد الغزالي، 6/6/2024 على موقع الجزيرة
(14) Thomas von Aquin: lat.: Über die Herrschaft der Fürsten. (lat.: De regimine principum) Übers. v. Friedrich Schreyvogl. Nachwort v. Ulrich Matz. Reclam, Stuttgart 2008.
(15) المسكيني، د فتحي: تمرينات فلسفية على الغبطة، على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/FethiMeskini/posts/1692269874234615
(16) مقدمة كتاب الأمير، لمكيافلي، كريستيان غاوس، ترجمة طارق عبد الواحد، ، الدولية للنشر والتوزيع، ص 21
(17) كتاب الأمير، لمكيافلي، كريستيان غاوس، ترجمة طارق عبد الواحد، ، الدولية للنشر والتوزيع، ص 135
(18) من الضروري التأكيد هنا على أن أوغسطين عاصر شخصيتين أخريين كان لهما أيضا عظيم التأثير على المسيحية وهما: أمبروز Ambrose وجيروم Jerome.
تمثلت إضافة امبروز في بيان طبيعة العلاقة بين الكنيسة والدولة وتحقيق غلبة للكنيسة على القيصر في عدد من القضايا وهو ما كان له عظيم الإثر على دور الكنيسة في الحياة السياسية في القرون التالية. ولذلك فإن هوبزعندما تناول هذه العلاقة كان نقده موجها إلى امبروز. وأما جيروم (345ـ420 م) فإن أفضل ما قدمه للكنيسة الغربية ترجمته للإنجيل إلى اللغة اللاتينية كما أنه ساهم بدور كبير في نشأة حركة الرهبنة وشهرته بتقديم نصائح للفتيات أو الراهبات بكيفية الحفاظ على عذريتهن.
ومن الملفت للنظر أن هذين القديسين، الذين يتفق معهما أوغسطين، لم يكن لهما أي إسهام سياسي في كيفية إنقاذ روما من حالة الإنحدار الذي تتجه إليه، بل إنهما ركزا فقط على الجانب اللاهوتي.
(19) (المدن الفاضلة : أربعة تواريخ مختلفة (2-4) على الرابط:
https://headtopics.com/sa/15751604160515846532- 8771743
(20) هل انتحل مكيافيلي كتاب «الأمير» من ابن البطريق؟ د. خليل العناني ، موقع aljazeera.net ، بتاريخ 10/01/2022
(21) Niccolo Machiavelli, in; Vorländer, K (م.س) ص 8
(22) يوهان غوتفريد (فون) هيردر (1744-1803) شاعر ولاهوتي وفيلسوف ألماني. كان تلميذًا لكانت وصديقًا ومعلمًا لغوته الشاب.
(23) يوهان غوتليب فيخته (Johann Gottlieb Fichte) (1762–1814) فيلسوف ألماني. واحد من أبرز مؤسسي الحركة الفلسفية المعروفة بالمثالية الألمانية، الحركة التي تطورت من الكتابات النظرية والأخلاقية لإمانول كانت.
(24) ليوبولد فون رانكه (1795 - 1886) (Leopold von Ranke) مؤرخ ألماني يتبع الفلسفة الوضعية الحديثة ومؤسس التاريخ الحديث المدعوم بمصادر التاريخ.
(25) Niccolo Machiavelli, in; Vorländer, K (م.س) ص 8
(26) هارفي كلافلن مانسفيلد (Harvey Claflin Mansfield) (ولد 21 مارس 1932) عالم وفيلسوف سياسي، يعمل بروفسوراً للحكومة بجامعة هارفارد منذ 1962، وهو باحث كبير في مركز هوفر بجامعة ستانفورد. معروف بمواقفه السياسية المحافظة.
(27) ليو شتراوس (1899-1973) ، فيلسوف وسياسي ألماني أمريكي متخصّص في الفلسفة السّياسية الكلاسيكيّة. قضى معظم حياته المهنية كأستاذ للعلوم السّياسيّة في جامعة شيكاغو، حيث قام بتدريس عدّة أجيال من الطّلاب ونشر خمسة عشر كتابًا. تدرب شتراوس على فلسلفة الكانطية الجديدة.
(28) Niccolo Machiavelli, in; Vorländer, K (م.س) ص 9
(29) Münkler; Herfried: Machiavelli - Die Begründung des politischen Denkens der Neuzeit aus der Krise der Republik Florenz. Frankfurt/M. 1982
|




