إضاءات

بقلم
جلال صميده
الصّورة في القرآن الكريم (2-2)
 2.3 - صور الكافر
  شبّه الله تعالى الكفّار بالجماد فقال: ﴿ثمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:74) تشبه الآية قلوب المخاطبين بالحجارة التي تصلّبت وتحجّرت، وهي صورة تبرز مدى انعدام النّزعة الإنسانيّة لدى هؤلاء، وهو تعبير عن أشدّ درجات القسوة. ولم تكتف الآية بتصوير القسوة بالحجر، بل بيّنت أنّ هذه القسوة أشدّ من الحجر، فالحجر الصّلب يضرب به المثل في القسوة فيقال «قلب صلب كالحجر» ولكنّ الآية جعلته أقلّ صلابة من قلب الكافر، فأيّ قسوة تنطوي عليها هذه القلوب؟ 
ويفصّل القرآن الكريم ذلك في صور في غاية البيان فتتحدث عن الحجارة التي تشقّق فيخرج منها الماء، أو تُفجر منها الأنهار، أو تهبط من خشية اللّه تعالى، أمّا قسوة قلوب الكفّار(14) فلا يمكن أن يحدث لها هذا فهي لا تلين أبدا، يقول الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور: «القسوة هي وجه الشّبه ولأنّ أشهر الأشياء في هذا الوصف هو الحجر فإذا ذكرت القسوة فقد تهيّأ التّشبيه بالحجر، وقد كانت صلابة الحجر أعرف للنّاس وأشهر لأنّها محسوسة فلذلك شبّه بها... وقوله ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فكأنّه يقول للمخاطب إن شئت فسوّهم بالحجارة في القسوة ولك أن تقول هم أشدّ منها. ووجه تفضيل تلك القلوب على الحجارة في القسوة أنّ القساوة التي اتصفت بها القلوب مع كونها نوعا مغايرا لنوع قساوة الحجارة قد اشتركا في جنس القساوة الرّاجعة إلى معنى عدم قبول التحوّل، فهذه القلوب قساوتها عند التّمحيص أشدّ من قساوة الحجارة لأنّ الحجارة قد يعتريها التّحوّل عن صلابتها وشدّتها بالتّفرّق والتّشقّق وهذه القلوب لم تجد فيها محاولة» (15). 
 ووصف القرآن أعمال الكفّار فقال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾  (إبراهيم:18) شُبّهت أعمال الكفّار بالرّماد الّذي تذروه الرّياح العاصفة التي تأخذ كلّ شيء فلا تبقي ولا تذر، ففي الآية بيان بعدم انتفاع الكفّار بأعمالهم حيث شُبّهت بالرّماد الذى تذروه الرّياح، ولكي تتوضّح الصّورة بيّنت الآية أنّ الرّماد اشتدت به الرّيح في يوم عاصف، فلا أمل فى الانتفاع بهذه الأعمال فما تذروه الرّياح لا يمكن جمعه، ومع كلّ كلمة تزداد الصّورة وضوحا، فعمل الكافر يتلاشى ويتبعثر كتلاشي الرّماد في الهواء إذا اشتدت به الرّيح في يوم عاصف، فلا يطمعنّ كافر أن ينتفع  بعمله بأيّ وجه من الوجوه لأنّه بُنِيَ على الكفر والزّيغ والضّلال، وفي آية أخرى تبيّن هذا المعنى قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ (الفرقان:23) وهكذا تكتمل صورة الكافر في عدم الانتفاع بعمله، فتصير الرّيح في هذه الآية رمزا للضّياع، ويعضّد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:36). يقول محمد الطّاهر بن عاشور: «شُبّهت أعمالهم المتجمّعة العديدة برماد مكدّس فإذا اشتدت الرّياح بالرّماد انتثر وتفرق تفرقاً لا يُرجى معه اجتماعُه»(16). 
وفى صورة أخرى يصف اللّه تعالى أعمال المنافقين بقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ  بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ  إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (البقرة :17-20)، في هذه الآيات مجموعة من الصّور التّشبيهيّة والاستعاريّة يتناول فيها القرآن الكريم سلوك المنافقين، فالمنافق لا يعنى إلّا بإشباع رغباته وشهواته ونزواته، فيقوده حرصه إلى ارتداء قناع يتعارض مع ما يبطن ولا شيء أشدّ من التّعارض بين رغبات النّفس المتصارعة، فالقرآن الكريم شخّص حالتهم بالمَرَضيَّة وكان مرضهم بإرادتهم واختيارهم لذلك زادهم اللّه مرضا. 
جاءت الصّور عديدة شبّهت المنافق بشخص يوقد نارا لتضيء له الطّريق حتّى يتمكّن من مواصلة السّير إلى أهدافه، فأضاءت ما حوله إضاءة مؤقّتة لم تتجاوز المساحة التي تحيط به وبقي في ليل مظلم لا يبصر فيه. تتمثل أهميّة هذا التشّبيه في إيجاد العلاقة بين مستوقد النّار وبين أحلام المنافق، حيث يمكن تخيّل مدى التّمزّق والتوتّر الّذي يصيب المنافق حينما يرسم خططا ويعقد عليها آمالا كبيرة، ويتراءى له أنّ آماله بدأت تتحقّق لكن في غمرة هذا الوهم يتلاشى الأمل فجأة. في هذه الصورة إبراز لمدى التّمزّق الذي يصيب المنافقين عندما يعصف بهم اليأس فتتبخّر أحلامهم.
ووصفهم اللّه تعالى بالصمّ البكم العمي وهي صورة رمزيّة جاءت في صدد تحليل شخصيّة المنافق وهي عاهات جسميّة نقلها القرآن الكريم من دلالاتها المعجميّة فجعلها رموزا لدلالات أخرى متنوّعة، يمكن أن نستوحي من كلّ واحدة منها عشرات الدّلالات، فـالأصمّ لا يسمع وهو رمز للمنافق الذي يأبى أن يستمع إلى قول الحقّ، والأبكم الذي اعتقل لسانه عن الكلام، والأعمى الذي عميت بصيرته... هذا هو المنافق الممعن في كفره الذي لا أمل في صلاحه والذي ختم اللّه على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة كمن يمشي في طرق مظلمة لا يبصر فيها شيئا، وهذه نتيجة طبيعية للانسداد الذّهني والنفسيّ والفكريّ لديه، إذ يُخيّل إليه أنّه بمقدوره أن يُحقّق مكاسب دنيويّة من خلال التّظاهر بالإيمان، وهيهات له ذلك لأنّ اللّه تعالى سرعان ما يعصف بأحلامه المريضة، لأنّه اختار طريق الضّلال والكفر بدلا من الهداية والإيمان. 
فالقارئ يستخلص جملة من الدّلالات توضح مدى جهل المنافق فهو أعمى عن النّظر إلى الحقائق، وأصمّ عن الاستماع إليها، وأخرس عن النّطق بها، فأطفأ اللّه تعالى أحلامه التي نسجها في خياله ووهمه. 
ويتناول التّشبيه الأشكال المختلفة للعمليّات النّفسيّة المريرة التي يكابدها المنافق، حيث يبرز مدى التوتّر والتمزّق والصّراع الذى يعاني منه في غمرة بحثه عن المكاسب الدّنيوية التي من أجلها نافق فشبّهه القرآن الكريم بمن يواجه مطرا مصحوبا بظلمات ورعد وبرق وصواعق، وهذه الرّموز صدى للحالة النّفسيّة التي يمرّ بها، وتظلّ الكلمات ذات بعد رمزي إذ يمكن أن ترتسم في خيال القارئ صورة لمشهد متكامل، كليلة من ليالي الشّتاء وقد غطت السّحب أفقها الدّامس، وبين الحين والآخر يسطع برق يضيء الظّلمة، وصوت الرّعد يصكّ الأسماع فيثير الخوف والرّعب في قلب المنافق حيث يتوقّع أن تصيبه صاعقة من السّماء، ممّا يضطره إلى وضع أصابعه في أذنيه خوفا ورعبا... 
من هنا نتبين مدى أهمّية الصّورة التي رسمها القرآن الكريم والتي اعتمدت مجموعة من الرّموز، فلا يمكن رسم صورة أكثر دلالة وأشدّ عمقا وإثارة وإبهارا وجمالا وبيانا منها في غور أعماق المنافق، يقول الزّمخشري: «إمّا أن تكون ناراً مجازيّة كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النّار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء، وإمّا ناراً حقيقيّة أوقدها الغواة ليتوصّلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويتهدّوا بها في طرق العبث، فأطفأها اللّه وخيّب أمانيهم»(17). 
وفى تشبيه أعمال الكفّار بالسّراب يقول اللّه تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور:39) في هذه الآية الكريمة تشبيه لعمل الكافر الذي يضنّه حسنا بالسّراب، فالسّراب رمز للوهم، والكافر عندما يقوم بعمل يحسب أنّه يحسن صنعا كالتّائه في الصّحراء الذي استبدّ به العطش المتوهّم السّراب ماء، فالآية تهدف إلى بيان المصير الذي سيواجهه الكافر في الآخرة، فتبيّن له أنّ ما كان يقوم به من عمل يخيّل إليه أنّه صالح، سيجده يوم القيامة باطل فيتبخّر حلمه ويخيب سعيه وتتحطّم آماله التي بناها في الدّنيا كتبخر الأمل في وجود الماء للتّائه في الصّحراء. 
ويسلك النصّ أسلوب السّخرية فلا يقف الكافر يوم القيامة عند مجرد (المصارحة) بأنّ عمله لا ثواب فيه، بل يتجاوزه إلى (المحاسبة)، فاللّه الذي عصاه وكفر به وتحدّاه في الدّنيا يجده عنده فيوفيه حسابه، وهذا ما تتركه الآية لخيال القارئ يقرأه بين السّطور ، فالصّورة مكتنزة بالرّموز المذهلة، وتتبدّى الصّورة في ذهن الزّمخشري فيقول: «وجد عنده الزّبانية تعتله إلى النّار»(18). وامتدادا للصّورة التّشبيهيّة السّابقة تذكر الآية التي تليها:﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (النور:40). يشبّه اللّه أعمال الكفّار بالظّلمات التي لا نور فيها ولا فائدة منها بالشّخص الّذي يسلك طريقا مظلما، ثم يفصّل الحديث عن الظّلمات فيشبّهها ببحر عميق تغشاه  طبقات من الأمواج العاتية فوقها سحاب، ثمّ وصف المشهد بأنّه ظلمات بعضها فوق بعض، وأنّه إذا أخرج يده لم يكد يراها، وفي هذا تفصيل دقيق لسعي الكفّار الذين يسلكون كلّ الطّرق لتحقيق آمالهم الزّائفة، فتكون حياتهم ظلمات في كلّ جوانبها. 
فالكافر لا يقوم بأعماله وفق مسلك واضح، فهو لا يرى الأشياء بوضوح لأنّه مشوّش الفكر والذّهن، هذا ما يتناسب مع الظّلمات التي لا تقترن بوجود إنارة تنير الطّريق، وهو ما يتناسب مع صورة ﴿ِإذَا أَخْرَجَ يَدهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، فلا يمكن لشخص أن يرى يده في الظّلام الدّامس الحالك والظّلمات التي بعضها فوق بعض.
ويمكن أن نقارن الصّورة التي رسمها القرآن الكريم لعمل الكافر بالظّلمات بصاحب الجنتين، قال تعالى:﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ (الكهف:36) ، ظنّ أنّ السّاعة غير قائمة وأنّه إذا رُدّ إلى ربّه ليجدنّ خير منقلب، هذه الشّخصيّة الكافرة عندما تمارس أعمالها في ضوء التّصوّرات المضطربة تنطبق عليها صورة الظّلمات حيث يشكّك في قيام السّاعة، والشكّ وحده كاف بأن يلقى بالشّخصيّة في متاهات وصراعات لا ساحل لها، ثمّ يخيل إليه بأنّ له أجرا عند اللّه إذا قامت السّاعة من دون أن يقدّم عملا كأنّه سيجازى على مكانته في الدّنيا، ثمّ يتباهى على صاحبه المعدم بالمال والنّسب وهي ظلمة أخرى، فكلّ تصرّفات الكافر ظلمات بعضها فوق بعض، فالذي يعيش في الظّلام لا يستطيع أن يرى يده، وهذا تعبير مجازي يرسم في الذّهن صورة الذي يعيش في الضّلال لا يرى حقائق الكون.
واليد لها رمزيّة ودلالات عدّة منها أنّها العضو الذي تتمّ به الأعمال، وختمت الصّورة بنفي النّور عن الكافر، لأنّ النّور رمز الإسلام والإيمان والخير والحقّ، ويقابله الظّلام رمز الكفر والشرّ والغواية، وهي صور ذات دلالات كثيرة يستخلصها القارئ حسب وعيه وفهمه وثقافته. 
وفي تشبيه حال المشرك قال تعالى: ﴿حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج:31) شبّهت الآية المشرك في انخلاعه من حماية اللّه وتركه الإيمان كالسّاقط من السّماء لا شيء يحميه من الخطر الّذي يحيط به فهو هاوٍ إلى التّهلكة ستخطفه الطّير فتقطّعه بمخالبها وتمزقه إرْبًا إرْبًا، أو ستهوي به الرّيح في مكان سحيق. إنّها صورة التّمزق والضّياع وهي صورة مرعبة مخيفة تمثّل سوء العاقبة وهول النّهاية. 
أراد القرآن الكريم من خلال هذه الصّورة التّشبيهيّة أن يعالج ظاهرة الشّرك باللّه فالسّقوط رمز للهلاك واليأس من النّجاة، والمكان السّحيق رمز للبعد عن الحقّ، فالأعمال الّتي تشرك مع اللّه غيره يسقط ثوابها ويترتب عليها هلاك. 
وفي تحذير المؤمنين من هذه الصّورة وهذا المصير، نبّه القرآن الكريم من الصّدقات الّتي تمتزج بما يفسدها من الرّياء وتختلط بما يعكّرها من المنّ والأذى والتي لا تجلب نفعاً ولا تستنزل رحمة، فشبّهها بالصّفوان الذي يغطيه غشاء شفاف من تراب وهو لباس التّقوى الزّائف فيصيبه المطر فيتعرّى ويعود متحجراً صلداً. فالذي يمنّ على الفقراء بصدقته أو يؤذيهم بكلامه كالمرائي الذي ينفق أمواله من أجل السّمعة أو الجاه لا قيمة لعمله، فالمنفق المنّان والمنفق المرائي سواء، وقد شبّه كلاهما بالحجر الأملس الذي لا ينتفع بالمطر، فالمطر رمز للعطاء والخير ولكنّها إذا أصابت حجرا أملس تنتفي فائدتها، كذلك شأن المرائي والمنفق الذي يتصدّق بماله ثمّ يمنّ على الفقراء ويؤذيهم بكلامه، فإنفاقه لا خير فيه ولا جزاء. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:264) ، 
بالإضافة إلى التّشبيه بالظّواهر الطّبيعيّة عمد القرآن الكريم إلى الحيوانات والحشرات لإبراز الطّابع البهيمي لغرائز الكفّار وأعمالهم القبيحة فشبّههم بها، فوصفهم بوهن بيت العنكبوت، وغباء الحمار وضعف الذّباب ولهاث الكلب... قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:41) فالعاكفون على أصنامهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، فيبذلون جهدهم في بناء الأوهام واتخاذ الأنداد للّه تعالى، وهم في حقيقة أمرهم في عمل لا جدوى منه وجهد لا فائدة فيه، فشبّههم القرآن الكريم بالعنكبوت التي تجهد نفسها لاتخاذ بيت ولكن ليست له مقومات البيوت ولا إحكام البناء، فهو واهن ضعيف، وكذلك عبادة الكفّار في الضعف إنّها صورة تأخذ بالألباب وتستولي على النّفوس، إنّها قمّة البيان.
يقول الزمخشري: «الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلاً ومعتمداً في دينهم وتولّوه من دون اللّه بما هو مثلٌ عند النّاس في الوهن وضعف القوّة وهو نسج العنبكوت، ألا ترى إلى مقطع التشّبيه وهو قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾؟ فإن قلت: ما معنى قوله: لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ وكلّ أحد يعلم وهن بيت العنكبوت، قلت: معناه لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. ووجه آخر: وهو أنّه إذا صحّ تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت، وقد صحّ أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فقد تبيّن أنّ دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون. أو أخرج الكلام بعد تصحيح التّشبيه مخرج المجاز فكأنّه قال وإنّ أوهن ما يعتمد عليه في الدّين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. ولقائل أن يقول مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد اللّه مثل عنكبوت يتّخذ بيتاً بالإضافة إلى رجل يبني بيتاً بآجر وجصّ أو ينحته من صخر، وكما أنّ أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان»(19). يقول الجاحظ: «هذا القول دليل على التّصغير والتّقليل»(20)، ويقول فتحي أحمد عامر: «العنكبوت أقذر ما تقع عليه العين حيث لا يألف إلّا الأماكن المهجورة ولا يعيش إلّا في الخرائب ولا يصح في حكم العقل أو في حكم العاطفة والوجدان أن تكون العنكبوت على حظّ ولو قليل من النّظافة الحسيّة والنّظام وبيتها أوهن البيوت بالاستقراء، لأنّه لا يحتمل نفخة واحدة فتتطاير خيوطه مع الرّيح، وعبّاد الوثن يتّخذون أحقر أنواع العبادة ولا يصحّ في حكم العقل أو في حكم العاطفة أن يكون هؤلاء الّذين يسجدون لصنم على حظّ ولو قليل من النّظافة المعنويّة والعفّة والترفّع عن الدّنايا»(21)، 
وحينما نكص اليهود على أعقابهم وتخلوا عن الأمانة وتحمّل عبء التّوراة، فلم يعملوا بمضمونها وتركوا الحقّ وراءهم، شبّههم القرآن الكريم بالحمار الّذى يحمل كتباً ولا يستفيد بمضامينها، قال تعالى: ﴿مثل الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة:5) قال الزمخشري: «شبّه اليهود بالحمار يحمل أسفاراً أي كتباً كباراً من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلاّ ما يمرّ بجنبيه وظهره من الكدّ والتّعب. وكلّ من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله» (22) 
إنّ التّشبيه بالحمار يعدّ رمزا للعناد والغباء والذمّ، لذلك قال تعالى:﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان:19). يقول الزمخشري: «الحمار مَثل في الذمّ البليغ والشّتيمة وكذلك نهاقه ومن استفحاشهم لذكره مجرّدا وتفاديهم من اسمه أنّهم يكنّون عنه ويرغبون عن التّصريح به، فيقولون الطويل الأذنين، كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد عدّ من مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة فتشبيه الرّافعين أصواتهم بالحمير وتمثيل أصواتهم بالنّهاق ثم إخلاء الكلام من لفظ التّشبيه، وإخراجه مخرج الاستعارة، وأن جعلوا حميرا وصوتهم نهاقا مبالغة في الذمّ والتهجين»(23)
إنّها صورة في غاية التّنفير والتّحقير، وتتبدىّ الصّورة أكثر حينما تشبّه الآية إعراض الكفّار عن القرآن بحمر رأت الأسد ففرّت منه، وهو غاية الذّمّ لهم، قال تعالى: ﴿كَأنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ (المدثر:51). تشبه الآية الكفّار عند إعراضهم عن الذّكر بالحمر الفارّة من هجوم الأسد عليها، وذكر هروبهم من الأسد ليس لبيان قوّة الأسد وإنّما لبيان شدّة غبائهم، فهؤلاء يفرّون من الحقّ كفرار الحمر الوحشيّة من الأسد الذي يستهدفها ويهدّد حياتها، إنّهم نفروا من الهدى الّذي فيه سعادتهم كنفور الحمر عمّا يهلكها. قال ابن القيم: «المستنفرة معنى أبلغ من النّافرة فإنّها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا، فكأنّها تواصت بالنفور وتواطأت عليه، ومن قرأها بفتح الفاء فالمعنى أنّ القسورة استنفرتها وحملتها على النّفور ببأسها وشدّتها»(24) وبالتدبّر في صفات الحمر نجد أنّ في هذا التّشبيه مذمّة ظاهرة وتهجين لحالهم وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل. قال الزّمخشري: «ولا ترى مثل نفار حمير الوحش واطرادها في العدو إذا رابها رائب»(25) فالمشركون لا يريدون إعمال عقولهم في أسرار الكون والوصول إلى معرفة الخالق سبحانه وعبادته، كما أنّهم لا يستجيبون لمن يدعوهم، فكلّما عرض عليهم الحقّ ابتعدوا عنه مسرعين، كأنّ خلفهم وحش كاسر. 
وفي تشبيه للإنسان الضّال بالحيوان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ (الأعراف: 179) جاء في التّحرير والتّنوير: «تشبيههم بالأنعام في عدم الانتفاع بما ينتفع به العقلاء، فكأنّ قلوبهم وأعينهم وآذانهم قلوب الأنعام وأعينها وآذانها في أنّها لا تقيس الأشياء على أمثالها ولا تنتفع ببعض الدّلائل العقليّة، فلا تعرف كثيراً ممّا يفضي بها إلى سوء العاقبة و(بل) في قوله ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ للانتقال والتّرقي في التّشبيه في الضّلال وعدم الانتفاع بما يمكن الانتفاع به، ولما كان وجه الشّبه المستفاد من قوله: كالأنعام  يؤول إلى معنى الضّلال كان الارتقاء في التّشبيه بطريقة اسم التفضيل في الضّلال ووجه كونهم أضلّ من الأنعام إنّ الأنعام لا يبلغ بها ضلالها إلى إيقاعها في مهاوي الشّقاء الأبدي، وأمّا أهل الضّلالة فإنّهم حجروا أنفسهم عن مدركاتهم بتقصير منهم وإعراض عن النّظر والاستدلال فهم أضلّ سبيلاً من الأنعام»(26) 
وفي رسم صورة الكافر الذي انسلخ من آيات اللّه بعد أن أُعطيها وهُدِي إليها، فكان هذا الانسلاخ سببًا في أن يضلّه الشّيطان عن سواء السّبيل، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾  (الأعراف:175-176) شبّه القرآن الكريم الذي عرف آيات اللّه تعالى وبراهينه ثمّ جحدها وانفصل عنها بالمنسلخ، فالسّلخ هو فصل الشّيء عن مادته، فيه مسخ وتغيير وعذاب، كالجلد الذي يسلخ من الشّاة، كذلك الذي عرف الآيات والبراهين والحجج ثم جحدها هو منسلخ عن الحقّ، فالانسلاخ استعارة متمثّلة في إعارة صفة مادّية لصفة معنويّة، وقد شبّهت الآية المنسلخ بالكلب الذي لا يعرف السّكينة ولا الرّاحة فهو يلهث باستمرار، واختير الكلب لشناعته فهو رمز للدّناءة والحقارة والنّذالة. والخلود إلى الأرض رمز للمادّة والشّهوة والمتاع الزّائل. إنّها صورة لسوء الحال والتّعب المستمر، جاءت على شكل التّشبيه التّمثيلي تزرع الرّعب والخوف من مصير الكافر وتنفّر من صورة الضّلال وإتباع الهوى. 
وفي تصوير الحيرة والاضطراب والضّياع لمن يحاول أن يبتعد عن هدي اللّه بتأثير من أهل الباطل وإغوائهم وإفسادهم وقد استهوته الشّياطين وزيّنت له هواه وحاولت إبعاده عن الحقّ لا يدري إلى أين ينحاز إلى أصحابه الذين يدعونه إلى الهدى أم للشّياطين التي تجذبه بعيدًا، فهو مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وهو إلى الضّلال أقرب منه إلى الهدى، قال تعالى:﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الأنعام:71). 
وفي وصف قبح أعمال الكفّار وشناعة تصرفاتهم وبعدهم عن الصّفات الآدميّة ووقوعهم في لعنة اللّه وغضبه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ (المائدة: 60) يقول الجاحظ: «لو لم يكن جعل لهم في صُدور العامّة والخاصّة من القُبْح والتَّشويه ونذالةِ النَّفس ما لم يجعلْهُ لشيءٍ غيرهما من الحيوان لما خصَّهما اللّه تعالى بذلك»(27) وقال تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ﴾ (العلق:15) فالنّاصية خصّت بالدّوابّ عموما وهي في الآية تدلّ على تحقير الكافر ومهانته فهو كالبهيمة تضرب ناصيته. وقال تعالى: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (الواقعة:55). فالكافر يشرب من ماء جهنّم بشره النوق العطشى. وقال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (القلم:16) ويشبّه اللّه الكافر بالحيوان لأنّه يعيش عيشة الحيوانات، فيضخّم قبحه فيصف أنفه بالخرطوم، فيهبط بآدميته إلى دونيّة البهائم لأنّه وضع نفسه في مستواها. 
ويقول اللّه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد:12) يقول السيّد قطب: «نصيب الذين كفروا متاع وأكل كما تأكل الأنعام تصوير يذهب بكلّ سمات الإنسان ومعالمه ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشّره والمتاع الحيواني الغليظ بلا تذوّق وبلا تعفّف عن جميل أو قبيح، إنّه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة ولا اختيار ولا حارس عليه من تقوى ولا رادع عنه من ضمير»(28) 
وفي مقارنة بين المؤمن والكافر قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الملك:22) الصّورة ترسم في الذّهن صورة الدّواب التي تمشي مكبّة على وجهها بخلاف الإنسان الذي خلقه اللّه في أحسن تقويم، فكأنّ الكافر مسخ نفسه بأعماله فجعلها بمثابة الدّابة، يقول عبد الرحمان حبنّكة : «أفمن مسخ نفسه واحدا من الدّواب فصار كالّذي يمشي على أربع مكبّا على وجهه يتخبّط في السّبل والمتاهات على غير هدى ضالاّ عن الصّراط المستقيم بسبب توليه عن آيات اللّه أكثر هداية أمّن أبقى لذاته إنسانيّته العاقلة الرّاشدة فهو يمشي منتصب القامة مرفوع الرّأس على صراط مستقيم»(29) 
كما يذكر القرآن الكريم آيات كثيرة تبيّن حقيقة الكفّار وتصفهم بأنّهم شرّ البريّة وشرّ الدّواب ومنها قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان:44) فقد شبّه اللّه تعالى الكفّار بالحيوانات وذلك لعدم التّفكير وعدم استعمال العقل، فالذي لا يستعمل عقله يُرمز إليه بالحيوان، قال تعالى: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال:22). قال الطّبري: «إنّ شرّ ما دبّ على الأرض من خلق اللّه عند اللّه الّذين يصمون عن الحقّ لئلا يستمعوه فيعتبروا به ويتعظوا به وينكصون عنه وإن نطقوا به»(30).
الهوامش
(14) أظن أن هذه الآية لا تختصّ بالكفّار أو اليهود بل هي تنسحب على كلّ صاحب قلب متحجّر، ولا أجد في زماننا هذا أشدّ قسوة من قلوب الحكام العرب وهم يشاهدون ما يقوم به الصّهاينة في غزّة من إبادة ولا يهبون لنجدتهم ونصرتم !
(15) ابن عاشور: التحرير والتنوير (مصدر متقدّم)، ج1 ص 566  
(16) ابن عاشور: التحرير والتنوير (مصدر متقدّم)، ج 14 , ص 212  
(17) الزمخشري: الكشاف، (مصدر متقدّم) ,ج 1 , ص 193 -  
(18) الزمخشري: الكشاف (مصدر متقدّم)، ج4 ,ص 309  
(19) الزمخشري: الكشاف، (مصدر متقدّم)، ج 20 , ص 27 
(20) الجاحظ: الحيوان، (مصدر متقدّم) , 3ج، ص 38 
(21) عامر أحمد فتحي: المعاني الثانية في الأسلوب القرآني، دار المعارف مصر/ 1976, ط 2 , ص 42 
(22) الزمحشري: الكشاف (مصدر متقدّم) , ج 6 , ص 111 - 
(23) نفس المصدر: ج 3 , ص 234  
(24) ابن القيم محمد: إعلام الموقعين عن ربّ العالمين , دار ابن الجوزي (دت) ج1,ص 196 
(25) الزمخشري : الكشاف,( مصدر متقدّم), ج7 , ص 186       
(26) ابن عاشور: التحرير والتنوير (مصدر متقدّم)، ج 6, ص 18           
(27) الجاحظ: الحيوان، (مصدر متقدّم)، ج4 
(28) قطب سيّد: الظلال، (مصدر متقدّم)، سورة محمد، ج 13 
(29) الميداني عبد الرحمن حبنكة: أمثال القرآن وصور من أدبه الرّفيع، دار القلم /1992 ,ط2 ,ص 334 
(30) الطبري محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل آى القرآن، دار المعارف، (دت)، ج13, ص 460