مرايا

بقلم
د.عزالدين عناية
نحن والعلوم الإنسانيّة
 كثير من الجدل الدّائر في الأوساط الثّقافيّة العربيّة، هو بالحقيقة، جدلٌ ناتج عن غياب المرجعيّة التّحكيميّة الفاصلة. وحين نقول غياب المرجعيّة التّحكيميّة نعني سواد الأهواء، والانحياز، والمحاباة، في فهم الحقل المعرفي وتأويله. وذلك دون مبرّر علمي، أو معرفي، سوى الإصرار والتّعنّت على أحقّيّة الخيار المتَّبع وصوابيته. ولا لشيء إلاّ لأنّ هذا الموقف أو ذاك المسلك، يصبّ في مصلحة هذا الطّرف أو ذاك، أو يجاري قِيما وأذواقا بعينها وينافي أخرى. 
ضمن ما أشرنا إليه، حريّ تطارح المسألة ضمن إطار أعمق وأشمل، فمع إطلالة العصر الحديث بدت الحاجة ملحّة إلى معياريّة مستقلّة، تمثّل مرجعيّة، أو لنقل الفيصل المتواضَع عليه بين المعنيين بحقل من حقول المعرفة، الكثيرة طبعا. وَجدَت تلك المرجعيّة خلاصتها في ما اصطُلح على تسميته بـ «العلوم الإنسانيّة» في مقابل «العلوم الصّحيحة». وذلك بعد مسيرة مطوّلة مرّ بها الفكر من الانحياز إلى الإنسانويّة وإلى غاية بلوغ مستوى بناء العلوم الإنسانيّة. ليخرج تقييم المعارف من دائرة الدّوران مع الذّات أينما دارت، ويتحرّر التّقييم من الانحياز والتبنّي العاطفي لمسارات الذّات وخياراتها. لزم تدخل ما بات يُصطلح على تعريفها بالعلوم الإنسانيّة، بوصفها معايير تعلو فوق العواطف، ومتحرّرة من الميولات والأهواء، أي لتخرج عمليّة التّقييم من انطباعات الذّات إلى مستويات التّقييم والموازنة على أساس واع ومستقل.
صحيح اُستُهلّت بدايات العلوم الإنسانيّة مع انبلاج عهد الإنسانويّة في أوروبا، في القرن السّادس عشر الميلادي، مع التّيار الباحث باحتشام عن الخروج من ثوب الفكر الكنسي الضّيق والمحرج. ولكنّ العلوم الإنسانيّة لم تغد علوما مستقلّة قائمة الذّات، سوى في أعقاب تحرّر المنهج من سائر الأبعاد المثاليّة، أي بالدّخول في عصر الحداثة. ويمكن القول مع «جورج غوسدورف»، صاحب مؤلّف «مقدمة في العلوم الإنسانيّة»، إنّ وعي العلوم الإنسانيّة بذاتها قد لاح في مرحلة لاحقة (القرن الثّامن عشر)، وإن كانت الإطلالات المبكّرة قد سبقت ذلك العهد. وأنّ التّطوّر الأبرز لهذا المنهج قد حصل مع دراسة الإنسان لكيانه بشيء من التّجرّد والموضوعيّة، في مجمل أبعاده النّفسيّة والإدراكيّة. وما بات يميّز علوم الإنسان، بالجمع وليس بالمفرد، أنّها علوم منهجيّة متداخلة ومتشاركة في دراسة الواقعة ذاتها، دون هيمنة إحداها. أضحت فيها الفلسفة أيضا جزءا من هذا المجموع، وطرفا من جملة أطراف عدّة. يغلب على جميعها طابع النّسبيّة، وتنبنّى علميّتها في تكاملها وليس في هيمنة إحداها، تلك التّشاركيّة أضحت الميزة البارزة للعلوم الإنسانيّة.
وضمن هذه المعطيات، تمحورت انشغالات العلوم في حقل الإنسانيّات حول قضايا مائعة، تأبى الثّبات والانحصار في أطر مضبوطة. وهي انشغالات على صلة وطيدة بالنّفسيّة البشريّة، وبأحوال الكائن البشري، وبتبدّلات الأوضاع، ولذلك جرى نعتها بالإنسانيّة لكونها لصيقة بالإنسان وأحواله، مقابل حقول جامدة غير متأثّرة بأهواء البشر وبأحوالهم وتقلّباتهم. وعبر ترسانة العلوم الإنسانيّة المتنوّعة حاول العقل الحداثي تفهم الخواص البشريّة، النّفسيّة والسّلوكيّة واللّغويّة والرّوحيّة والقانونيّة اللّصيقة بالفرد، سواء في يقظته أو في منامه، وفي وعيه أو لاوعيه، والإحاطة بكيفيّات اشتغالها، في مسعى لفهم الأسس العميقة التي تحكمها. وبرغم أنّ العلوم الإنسانيّة، في أساسها، تدور حول الإنسان، وعلى صلة وطيدة به، فهي الأكثر تفلّتا عن التّعريف الحصري. ولو شئنا تعريفا عمليّا لقلنا: هي مجمل العلوم التي تدرس الإنسان أو تتأمّل مختلف أوجهه ووقائعه، وتتناول ما يدور حول ما هو وجودي وما هو عيني، وبخلاصة موجزة هي دراسة الإنسان لذاته المفكّرة.
ولكون الإنسان هو كائن ذو أبعاد متنوّعة، تعدّدت المناهج المتناولة لهذا الكائن. وأمام كثرة المساعي لمفْهَمة العلوم الإنسانيّة وتصنيف مجالاتها، ثمّة ما يشبه الإجماع على أنّها «علوم تدرس الإنسان»، ولا سيّما ضمن مستويات الأخلاق والأفكار والمفاهيم. وهي دراسات تعتمد النّقد والتّحليل والتّفكيك والمقارنة، وتتطلّع إلى الفهم المحايد بغرض الوصول إلى إدراك أوفى للقضايا المطروحة عقليّا ومنطقيّا.
فعمليّة التّكرار الملاحَظ، والتّشابه المعايَن، والتّماثل المدرَك، في ما يتّصل بحياة الفرد ومفهمته لقضايا الوجود، كلّها عناصر في غاية الشّفافيّة، وغير خاضعة للضّوابط المألوفة. حاول الإنسان تفهّم مساراتها وكيفيّات اشتغالها، ومن ثَمّ فهم قوانينها التي تسير وفقها. وعلى هذا الأساس اعتمد العقل البشري حصر قضايا الإنسانيّات داخل أطر عامّة، أطلق عليها طورا وقائع وأخرى أحوالا، وهي بشكل عام حالات تُناقض ما هو مادّي. فهي مدرَكة بالنّظر العقلي، ومتفلّتة عن الضّبط المادّي المألوف في حقول معرفيّة صلبة أو صحيحة. لهذا السّبب أُثير جدل، لم يتسنّ حسمه سوى في مراحل لاحقة، بشأن مفهوم «العلوم الإنسانيّة» وفحواها، مثل هل يجوز إطلاق نعت «علوم» على مناهجها، غير الخاضعة للضّوابط المألوفة في العلم، مثل الكمّ والوزن والقياس وما شابه ذلك؟
نعود مجدّدا إلى طرح سؤال العلوم الإنسانيّة ضمن السّياق العربي؟ نعرف أنّ المناهج والمعارف والتّفرّعات العلميّة تولد من رحم الحاجة والضّرورة، وفي الوسط الأكاديمي العربي هناك حاجة ملحّة إلى العلوم الإنسانيّة. فالمتمعّن في التّجارب الأكاديميّة العربيّة في المجال، يلحظ عدم ترسّخ معايير العلوم الإنسانيّة وضوابطها بما يكفي، لغلبة منزعي الاتباع والهوى والتّقليد في تناول الوقائع والنّوازل والأحوال والأفكار، وبقاء المنهج متعثّرا أو هشّا لأسباب عدّة، منها التّوطين المشوه لمناهج العلوم. 
صحيح ثمّة حديثٌ متكرّر عن المنهج العلمي لدينا، وعن الموضوعيّة، وعن التجرّد، والحياد، ولكن هذه الاشتراطات سرعان ما تتبخّر عند أول اختبار، بفعل عقل قيمي دأب على نقائضها من لامنهج ولامعقول وانحياز وأدلجة، وهي كلّها معوقات إبستيميّة تحول دون تطوير العلوم الإنسانيّة وتجذيرها. جرت محاولات عديدة لجعل تلك العلوم علوما موضوعيّة، وأبعد عن الذّاتيّة، في مسعى لتخليصها من الهشاشة التي تلفّها مقارنة بالعلوم الصّحيحة، ولكن قليلا ما وفّقت أو نجحت في مسعاها.
فالعلوم الإنسانيّة تتموضع داخل الواقع الإنساني المتحرّك، وهو ما يجعل مناهج هذه العلوم عرضة للتّبدّل والتّداخل، جراء تركّب الواقع الإنساني ذاته الذي تشتغل عليه. وعلى سبيل الذّكر إن تكن الظّواهر الدّينيّة، وفق المناهج الحديثة، من مشمولات العلوم الإنسانيّة، فإنّ دراستها وفق المنهج الإنساني ملزمة بالتّحرّر من مستلزمات علم اللاّهوت، ومن الادعاءات الميثولوجيّة، ليجري تناول ظواهر المقدّس في حدود ما هو إنساني وعقلي، بهجران التّعليلات الميتافيزيقيّة والبحث عن تفسيرات في حدود ما هو عقلاني. وعلى هذا الأساس تأنْسنت ظواهر المقدّس في العلوم الإنسانيّة وأضحت قابلة للفهم بعيدا عن الطّابع الباطني الذي قد يغشاها. فمع العلوم الإنسانيّة ثمّة خروج بالعالم إلى حيز الفهم البشري، في حدود قدراته ومعارفه، وقطعٌ مع التّفسيرات المثاليّة الطاّغية عادة.
الإشكال الأبرز الذي واجه الرّعيل الأول من مؤسّسي العلوم الإنسانيّة، أنّ الإنسان الصّائغ لهذه العلوم هو موضوع البحث أيضا، لذا برز سؤال الفصل بين الذّات والموضوع أو لنقل بين الذّات الواعية والمادّة المشتغلة عليها، بدا ذلك حاسما ومحوريّا في المناهج الإنسانيّة. فوفق مناهج العلوم الإنسانيّة يقف الإنسان أمام الإنسان مجرّدا، وهو تقريبا المطلب الملح الذي واجه دارس العلوم الإنسانيّة في سائر التّخصّصات اللّصيقة بالإنسان (في علم النّفس والبيداغوجيا وعلم الأديان وغيرها). وهو الدّور الذي حاولت التّشديد عليه إبستيميّة المعارف في العلوم الإنسانيّة من أجل الوصول إلى قواعد ناظمة.