بهدوء

بقلم
د.ناجي حجلاوي
حادثة الإفك من القصّة التّراثيّة إلى التّأويل الاستشراقي(9) «مركزية المعنى»
 لقد سعى المفسرون، من خلال الفعل التّفسيري، إلى حصر نظريّة  المعنى أكثر من سعييهم  للظّفر بالدّلالة  الكامنة وراء المقول. فإذا كان اللّفظ في هذا الموروث يمثّل جسدا، فالمعنى يمثّل روحه. والمعنى في صُلب هذه النّظريّة ثابت لا يموت ولا يتزحزح قياسا على أنّ الرّوح نفخة من اللّه. وهذه النّفخة هي الّتي بها فُضّل الإنسان عن سائر المخلوقات، بل بها تحوّل من فصيلة البشر إلى فصيلة الإنسان، ومن ثمّ أصبح هذا المعنى قارّا لا يتزحزح رغم تغيّر الأطر والسّياقات. فلكلّ نصّ واحد معنى واحد، ولاسيّما إذا سُيّج هذا النّص بكونه قطعي الدّلالة باعتباره قطعيّ الورود.
إنّ النّصّ في هذا الفضاء بناء يتركّز على جوهر صاف، هو عموده الفقري الّذي يُسمّى بالمعنى، وكلّ دارس لهذا النّصّ إذا لم يُمسك بهذا الجوهر يُعدّ مجانبا للصّواب ومُجافيا للحقيقة. ومن ثمّ يتميّز كلّ نصّ عن آخر بما يتضمّنه من معنى وما يفيد به منه، فلكلّ مقول ذاتيّته الخّاصّة. وليس خافيا أنّ هذا التّصوّر يجعل من المعنى شيئا جامدا خارجا عن كلّ ذات بما فيها الذّات الدّارسة، وهو حينئذ، يعتبر أنّ الشّروط المنتجة لهذا المعنى واحدة لا تتزحزح.
إنّ هذا التّصوّر يرتئي أنّ المعنى يتمتّع باستقلاليّة موضوعيّة خارج الذّهن والمعاني مطروحة على قارعة الطّريق(1). وليس خافيا أنّ هذا الاعتبار يُغذّي المنحى اللّاهوتي، الّذي يُغذّي بدوره، الأرضيّة الثّقافيّة الثّاوية وراء فهم القيل القرآني ذي المعنى المتعالي، إذْ المعنى جوهر، واللّفظ عَرَض. والمفسّر إذْ يضع يده على ما فهمه من النّصّ القرآني يصبح حائزا على درجة مهمّة من قداسة هذا المعنى الّذي يُعتبر مُطابقا للواقع.
إنّ النّاظر في الموروث التّفسيري وفي كُتب القائمين على الشّأن الدّيني، يُلفي أنّ أغلبهم قد اعتقدوا أنّ اللّه قد أفاض بنعمته على عباده، فهو الّذي كتب على نفسه الرّحمة وأنزل من أجلهم كتابه حتّى يترقّوا في مراتب الكمال  ما جعل الرّجل الواحد معادلا للآلاف. ولا غرابة في ذلك فالتّوفيق الإلهي ينزل منازله ويضع الفضل مواضعه وأنّه يختصّ برحمته من يشاء لأنّه عليم حكيم فهو ذو الفضل العظيم يؤتيه من يشاء(2).
ومن هذا المنظور، يُعتبر الجيل الأوّل الّذي تلقّى عن الرّسول بلا واسطة، قد حاز قصبات السّبق في الفضل فلا يضاهيه أحد في هذه القيمة. ومن ثمّ نبع التّصوّر المتمثّل في أنّ اتّباع هذا الجيل هو الضّامن للنّجاة والرّشد، لأنّه ورد رأس الماء من عين الحياة عذبا صافيا زلالا وتناقل مشكاة النّبوءة الصّافية وكان سنده فيه عن النّبي عن جبريل عن ربّ العالمين سندا صحيحا عاليا فهو  قد مثّل جيلا سار مع الحقّ أين سارت ركائبه، واستقلّ مع الصّواب حيث استقلّت مضاربه(3). وقد تواصلت هذه الفكرة إلى زمن الغزالي الّذي رسّخها كأحسن ما يكون التّرسيخ، ولا أدلّ على ذلك من قوله: «سائر الصّحابة لا يصل أحد ممّن بعدهم إلى مرتبتهم لأنّ أكثر العلوم الّتي نبحث وندأب فيها اللّيل والنّهار حاصلة عندهم بأصل الخلقة من اللّغة والنّحو والتّصريف وأصول الفقه، وما عندهم من العقول الرّاجحة. وما أفاض اللّه عليهم من فيض النّبوءة العاصم من الخطإ في الفكر المغني عن المنطق وغيره من العلوم العقليّة»(4). وفي حقيقة الأمر يبدو أنّ الغزالي قد قطف ثمرة لبذرة كان  زرعها المتوكّل (232ه- 247ه) حين قاد الانقلاب السنّي ضدّ المعتزلة قائلا لهم: «أَمَا وسعكم ما وسع الصّحابة». وهكذا أضحى الزّمن الثّقافي دائريّا يرتدّ إلى الوراء أكثر ممّا يتطلّع إلى المستقبل، بخلاف ما دعا إليه القرآن من تطلّع إلى المستقبل الواعد. ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾(الأنعام:67) .‎
وعلى هذه الشّاكلة، نبتت شجرة طاعة العلماء وطاعة الأمراء باعتبارهما الطّائفتيْن اللّتيْن تنصلح بهما الأمّة، فطاعة العلماء تنبع من طاعة الرّسول وطاعة الأمراء تنبع من طاعة العلماء، علما بأنّ الّذين بلغوا مرتبة العلم والصّدق هم أولى بالتّبليغ عن اللّه. يقول ابن القيّم الجوزيّة في هذا المجال: «وإذا كان منصب التّوقيع عن الملوك بالمحلّ الّذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السّنيّات فكيف بمنصب التّوقيع عن ربّ الأرض والسّماوات، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب  أن يعدّ له عدّته، وأن يتأهّب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الّذي أقيم فيه»(5). والّذي يجب التّنبيه إليه هو الخلط بين لفظتيْ «أُولي» و«أولياء» في معرض فهم الآية التّالية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ  فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾(النساء:59) ، «فأُولو» هي جمع الاسم «ذي» المعروف بأحد الأسماء الخمسة. في حين أنّ «أولياء» جمع «وليّ». وذو الأمر في الآية متعلق بالعالم المُتّبع لتعاليم اللّه والرّسول.  ولمّا كان اللّه واحدا فإنّ المفسّرين استنبطوا من كلامه معنى واحدا، وبما أنّ المتكلّم مطلق فقد ارتأوا أنّ هذا المعنى يجب أن يكون كذلك مطلقا.
وفي هذا الإطار، فهموا قضيّة الاستخلاف الّذي أمدّ اللّه بها آدم بعد أنْ نفخ فيه من روحه. فلا غرابة أن تعني لديْهم فكرة الاستخلاف الإلهي معنى النّيابة عنه في المستويْن: السّياسي والدّيني. فقد تمّ توظيف النّيابة عن اللّه ذاتا وصفات وأن يحكم المستخلَف بحكم المستخلِف فيأمر بأمره ويحكم بحكمه. ومن ثمّ تجلّى التّماهي بين الحكم البشري وحكم أحكم الحاكمين. وهذا المدخل في حقيقته تعمية عن حقيقة الذّات البشريّة وحقيقة الألوهيّة. إذ تسبّب هذا الخلط في ضياع المفاهيم بضياع المعرفة وسيادة الفهم. كما ضاعت الإرادة المبدعة والحرّيّة الخلّاقة. وحقيقة الأمر أنّ الاستخلاف الخاصّ بالنّاس يتمثّل في خلافة الجيل اللاّحق للجيل السّابق. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾(الأعراف:69) .
وبالرَّغم من أنَ آيات المصحف من أوّلها إلى آخرها لا تتضمّن لفظة السّيف، فإنّ المفسّرين والفقهاء أقحموا هذه اللّفظة في الفضاء القرآني إذ سمّوا الآية 5 من سورة التّوبة 9 بآية السّيف واعتبروها ناسخة  لآيات كثيرة. وهي  مجموع الآيات الَّتي تدعو إلى العفو والسّلام والسّماحة. وكلّها تدعو إلى حرّيّة الاختيار في المعتقد وانتهاج اللَّين في الإقناع. وقد أورد السّيوطي أنّ ابن العربي قال: «كلّ ما في القرآن من الصّفح عن الكفّار والتّولّي والإعراض والكفّ عنهم منسوخ بآية السّيف نَسخت مائة وأربع وعشرين آية»(6). ومن ثمّة قرئ القرآن قراءة سياسيّة، وفُسّر في ضوء هيمنة السّلطان. فضاعت قيم هذا الكتاب الكريم وحُجبت أفكاره ومعانيه وصار الإنسان مجرّد وسيلة لتحقيق مآرب الحكّام بعد أنْ كان غاية من أجله نزلت الرّسالات وسُخّر له الوجود بأسره. يقول علي مبروك في هذا الصّدد: «ولقد ترافق هذا التّحويل، بدوره، مع تحوّلات مسار السّياسة في الإسلام، وبمعنى أنّه قد انطوى على التّحوّل من القرآن الّذي كان مركزه وقطبه الإنسان، إلى القرآن الّذي استعمره واحتكره السّلطان»(7). وفي هذا الإطار اُستبدل الإقناع بواسطة الحجّة بأدوات الإكراه. وهذا الإكراه هو الّذي حجب عن الأذهان معنى الشّريعة السّمحاء. ولقد سمّيت الشّريعة الّتي جاء بها الرّسول الخاتم بهذا الاسم، لأنّها تسمح للمختلفين في العقيدة بالعيش الكريم وإنْ كانوا يعيشون في ظلّها. إلّا أنّ القائمين على الشّأن الدّيني السّياسي أبوْا إلّا أنْ يقولوا بخلاف ذلك. 
لقد مثّلت حادثة التّحكيم، المُشار إليها في الحلقة السّابقة، منعرجا خطيرا في سبيل نشأة الوعي الدّيني الجديد. وهذه الخطورة تتمثّل في تمازج الوعي السّياسي بالوعي الدّيني. ولعلّ ذلك هو الّذي حدا بعليّ بن أبي طالب إلى القول:«إنّ معاوية وعمرو ومن معهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنّهم يقرؤون الآيات ولا يعلمون ما فيها. ما رفعوها إلّا خديعة ومكيدة»(8). وقد أشار عمّار بن ياسر بدوره، حين قال عن المتمرّدين على عليّ: «والّذي نفسي بيده لنقاتلنّهم على تأويله كما قاتلناهم على تنزيله»(9). 
والنّاظر في تاريخ العلاقة بين الدّيني والسّياسي يلاحظ بجلاء أنّ انتشار مذهب من المذاهب في بلد من البلدان ليس ثمرة اختيار حرّ لأهله وساكنيه ولكنّه في غالب الأحيان نتيجة قرار الحكّام، وأحيانا يضطلع تلاميذ فقيه ما بنشر مذهبه، ثمّ تعمد السّلطة إلى القبول به وتعمل على فرضه على النّاس. وفي كثير من الأحيان يعمد السّلطان إلى التّوزير وإسناد الولايات شرط الانتماء إلى الفرقة أو المذهب، ممّا يُسهّل بسط النّفوذ واضطهاد الخصوم. وهكذا ينطبع الوعي الدّيني بالطّابع السّياسي تبريرا وتسهيلا لتمرير القرارات والاختيارات السّياسيّة. وبمفعول الاستبداد السّياسي صار رجال الدّين مُفتون وفقهاء ومفسّرون خاضعين لرجال السّياسة. 
فالمذهب الحنفي والاتّجاه الاعتزالي، كانت لهما الحظوة لدى العبّاسيين، ثمّ ناصر العثمانيّون لاحقا المذهب الحنفي. ومنذ القرن الرّابع للهجرة شهد المذهب الشّافعي انتشارا واسعا في الشّام والحجاز، ثمّ زاده صلاح الدّين الأيّوبي دعما ملحوظا، إذ شيّد مقام الشّافعي بالقاهرة وحوّل كنيسة في بيت المقدس إلى مدرسة شافعيّة(10). وفي المقابل انحسر المذهب المالكي أمام وطأة الفاطميين. والأمثلة عديدة على تبيان أنّ الشّأن الدّيني مجرّد مطيّة لدى السّلطان (11) .
إنّ فهم القرآن، وفق هذا المنظور، ظلّ رازحاً تحت رقابة السّيف وعين السّلطة. وأكثر من ذلك أصبح القرآن أداةً يمكن أن يُكفّر بها المرء أو يُزندَق أو يُهرطق أو يُقتَل، كما قُتل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، ونُكّل بجابر بن حيّان، وكُفّر الفلاسفة، وقُتل المتصوّفة والعلماء والأدباء. وكلّ ذلك تمّ تحت الغطاء المعروف وهو المُروق عن الدّين، والإساءة إلى القرآن. وانظر إلى نهاية «ابن المقفّع» حين نصح السّلطان وكتب رسالة الصّحابة. لقد مُزّقت أعضاؤه عضواً بعد عضو. وكانت تُشوى على مرآى منه حتّى مات(12). وهذا القهر مناف تمام المنافاة للحرّيّة الدّينيّة والفكريّة الواردة في المُصحف الصّريح إذ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة:256) . والإكراه يتجلَّى في المظاهر القانونيَة والإداريّة والأمنيّة والسّياسيّة والعسكريّة. إنّ المتأمّل في بشاعة الاستبداد، وشناعة نتائجه ينتبه إلى أنّ السّياسة حين احتكرت الدّين وجعلته مسألة رسميّة، أحدثت التّماهي بين الدّين والدّولة. ولمّعت صورتها بأنْ جعلته دينها الرّسمي. 
وهذا التّماهي موظّف توظيفا مرعبا لأنّ المعارض السّياسي سيُصوّر على أنّه خارج على الدّين ومرتدّ عنه. وقد أصدر الفقهاء السّائرون في موكب السّياسة أنّ المرتدّ يُقتل. وهذا حُكم لا يجد له مرتكزا في المُصحف القائل:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ  ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾(المائدة:54) . 
إنّ الأدلّة على النّزعة القهريّة في فهم المُصحف وفهمه فهما رومانيّا وتوجيه معانيه توجيها قيصريّا أدلّة كثيرة. ونقتصر في هذا المجال على ذكر البعض منها كإضافة الشّافعي ما يُفيد أنّ لفظة «ولَد» الواردة في آية الإرث تُحيلُ على معنى «الذَّكر»(13)، كيْ يُرضيَ رغبة الخليفة العبّاسي في إرث الخلافة قياسا على علم الفرائض. وهو ما شجع الخليفة العبّاسيّ المنصور على تتبّع المعارضة الشّيعيّة. فبعث إلى محمّد النّفس الزّكيّة رسالة يفرض عليه قياس انتقال الخِلافة كمؤسّسة سياسيّة على الشّكل الّذي تنتقل وفقه التّركات. وذلك حسب آيات الفرائض، باعتبار أنّ الرّسول محمّد بن عبد الله قد ترك بعده عمّه العبّاس وابنته فاطمة. ولمّا كان العبّاس ذكرا وفاطمة أنثى فقد صار الذّكر يحجب الأنثى في الفقه السّنّي، وصار العكس في الفقه الشّيعيّ(14). 
وهكذا يتجلّى أنّ تفسير المعاني القرآنيّة ليس بمنأى عن الأهواء السّياسيّة. وقد أُقحم العمّ في منظومة الإرث وهو غير مذكور في الآيات الخاصّة بالفرائض، ممّا يدلّ على أنّ علم الفرائض هو صناعة بشريّة صرفة. والفرق بين آيات الفرائض وعلم الفرائض واضح لكلّ ذي لبّ. وهذا مجال خصب يسمح بالتّساؤل عن مدى حضور الإعجاز عند الفقهاء والمفسّرين وجدواه وأثره. فالواضح أنّ نفوذ السّلطان هو المعجز الحقيقي حين يوجّه المعنى كما يشاء خدمة لأغراضه ومصالحه. ولعلّ هذا المعنى يجد صداه فيما يُنسب للخليفة الثّالث عثمان بن عفّان أنّه قال: «إنّ اللّه يَزَعُ بالسّلطان ما لا يَزَع بالقرآن» (15) .
ونتيجة لاجترار هذا الموروث، نُلفي الوعي الدّيني، في حياتنا المعاصرة يُعاني انكماشا وغربة. وهذه الحالة تعود إلى عامليْن اثنيْن: العامل الأوّل هو التّشبّث بطبيعة الأرضيّة المعرفيّة والذّهنيّة الثّقافيّة الّتي أنشأها الجيل الأوّل من الأصوليين والفقهاء والمفسرّين. والعامل الثّاني هو اشتداد الصّراعات المذهبيّة بين الأحفاد بالوتيرة ذاتها التي كانت مطروحة بين الأجداد. ومن الأمثلة الدّالة على العمى المذهبي، نذكر أنّ الطّبريّ الملتصق بالمذهب الرّسميّ للدّولة العبّاسيّة، وبتوجّهاتها يتحرّج من ذكر الاسم الكامل لصاحب القراءة في الكوفة وهو عبد الله بن مسعود، فيكتفي بذكر الشّطر الأوّل من الاسم نظرا لأنّ الكوفة معقل للشّيعة والشّيعة تُعَدُّ من المعارضة للدّولة العبّاسيّة. والمعارضة مغضوب عليها سياسيّاً. وهذا الغضب السّياسي يغلّف بالغطاء الدّيني المزعوم المُتمثّل في البُعد المذهبي والعقدي(16).
وما من شكّ في أنّ حصر الإعجاز الكامن في القرآن في المستوى البلاغي إنّما يعود إلى التّأثيرات السّلبيّة الّتي ألحقتها السّياسة بالدّين. ولقد رفعت الدّولة الأمويّة لواء العروبة والعربيّة. وأقحمت شرط العروبة والقرشيّة في الخليفة. وهو تنكّر صريح لمبدأ مهمّ من المبادئ الإسلاميَة وهو أنّ أكرم النّاس عند اللّه هو الأكثر تقوى. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات:13) .
ويبدو أنّ الانتقال من الاتّساع إلى الضّيق ومن الرّؤية الدّينيّة المفتوحة إلى الرّؤية السّياسيّة المنغلقة أمر ضارب في الزّمن المتقدّم حتّى على الدّولة الأمويّة، إذْ بدتْ معالم ذلك جليّة حتّى في ضبط المقاييس المتعلّقة بكتابة المصحف. ففي الوقت الّذي أراد فيه عمر بن الخطاب أن يكتب المصحف الإمام جمع لذلك نفرا من الصّحابة وقال: «إذا اختلفتم في اللّغة فاكتبوها بلغة مضر، فإنَ القرآن قد نزل على رجل من مضر»(17). ولمّا جاء عثمان بن عفّان اختلف الأمر معه إذ يُروى أنَه قال: «إذا اختلفتم في عربيّة من عربيّة القرآن، فاكتبوها بلغة قريش، فإنّ القرآن أُنزل بلسانهم»(18). 
وليس خافيا، أنّ كلّ تحوّل في الثّقافة يُخفي وراءه تحوّلا في السّياسة. وأثر السّياسة يتجلّى في كلّ اختيار وفي كلّ سلوك. ولا أدلّ على ذلك من حصر كلّ الصّحابة المبشّرين بالجنّة في العنصر القرشي. ولو صحّ هذا الأمر لاحتجّ الأنصار وثاروا. ولا مُبرّر يقبله العقل في استثناء الأنصار من هذا التّبشير، ولاسيّما أنّ فضلهم في نُصرة الإسلام لا يخفى على ناظر. وهكذا يتجلّى أنّ كثيرا من الأمور الّتي وردت إلينا على أنَها نهائيّة وأنّها تُمثّل حقائق دينيّة، لا تستقيم أمام القدر القليل من النّظر والتّمحيص. ذلك هو مثل حادثة الإفك وما نُسج حولها من تفسير مدعوم بأخبار وآثار تصطدم في أغلبها مع العقل السليم والذّوق الرفيع. 
والّذي لا مِراء فيه، هو أنّ السّلطة السّياسيّة كلّما بسطت نفوذها على الجوانب الدّينيّة ألحقت بها التّشويه. وكلّما امتزج السّياسي بالدّيني لحقهما الضّيم. فيقدّس غير المقدّس. ويصبح الوعي الدّيني حاملا لمعاني الضّعف والعجز. وهو محور الحلقة القادمة إن شاء اللّه.
وقد تبلورت عبر الأعصر علاقة عدائيّة بين أنصار التّصوّرات اللّاهوتيّة على النّمط السّلفي وأنصار العلوم في مسيرتها المتطوّرة  بشكل لافت. ولمّا حُصرت القدرة الإلهيّة في المجالات الّتي يعجز الإنسان عن تفسيرها وهو ما يسمّى  بالإعجاز، ولمّا  قلّص العلم من هذه الدّوائر الإعجازيّة فقد شكّل أزمة في تأويليّة المعنى الجانحة إلى الإطلاقيّة. يقول ديتفورت(19): «إنّ من تبنّى الفكرة التعسة بأنّ الإله لا يوجد إلّا في الجزء غير المفسّر من العالم أو كما يُدّعى، غير قابل للتّفسير، عليه أن يتلقّن درسا من العلماء بأن القسم من العالم الّذي تبقى للإله يضيق عاما بعد عام. وانطلاقا من هذه الطّريقة في البرهان نشأ التّعبير الجارح عن «أزمة السّكن الإلهيّة» الّذي ينسب إلى عالم الحيوان المعادي للكنيسة أرنست هيل»(20). 
ولمّا اضطلعت العلوم بتحقيق التّراكم المعرفي، فإنّ مسألة الاستخلاف في الأرض أصبحت تمثّلا لصفات الله كالعدل والرّحمة والعلم. أمّا ذاته فلا تستخلف لأمريْن: الأوّل لأنّها دائمة الحضور مع خلقه ولا تغيب أبدا. والثّاني لأنّها من طبيعة مفارقة إذ لا يشبهها شيء. 
الهوامش
(1)  انظر، على سبيل المثال، أبا عثمان الجاحظ، البيان والتّبيين، ج1، تحقيق عبد السّلام هارون، دار الجيل، بيروت، لبنان، د ت، ص75.
(2) انظر ابن القيم الجوزية، أعلام المُوقّعين عن ربّ العالمين، ج1، إدارة الطّباعة المنيريّة، مصر، د ت، «خطبة الكتاب».
(3)  انظر ابن القيّم الجوزيّة، م ن، ص4.
 (4) أبو حامد الغزالي، فيصل التّفرقة فيما بين الإسلام والزّندقة، تحقيق سليمان دنيا، دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة، ط 1، 1961، ص 50.  
 (5) ابن القيّم الجوزيّة، م ن، ص8.
(6) انظر جلال الدّين السّيوطي، الاتقان في علوم القرآن، ج2، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د ت، النّوع السّابع والأربعون: في ناسخه ومنسوخه، ص31. 
(7) علي مبروك، نصوص حول القرآن: في السّعي وراء القرآن الحيّ، المركز الثّقافي العربي،  الدّار البيضاء، المغرب، ط 1، سنة 2015، ص ص 19،20.
(8) علي بن الحسين المسعودي، مروج الذّهب ومعادن الجوهر، ج2، مراجعة كمال حسن مرعي، المكتبة العصريَة، بيروت، لبنان، ط 1، سنة 2005، ص 401.
(9) علي بن الحسين المسعودي،  ج2، م ن،  ص391.
(10) انظر السّيوطي، تاريخ الخلفاء، دار المعارف، بيروت، لبنان، د ت، ص 448.
(11) انظر في هذا الصّدد رضا خالد، نحو أفق إسلامي جديد، الرّسالة – الشّريعة- المجتمع، دار الجنوب للنّشر، تونس، سنة 2012، ص225 وما بعدها.
(12) أبو الفرج بن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ج8، تحقيق محمّد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا،، مراجعة نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د ت، وبالتّحديد باب: ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة، ص57.
(13) انظر محمّد بن  إدريس الشافعي، الرسالة، ج1، تحقيق أحمد محمّد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د ت، ص169.
(14) ردّ أبو جعفر المنصور على اعتراض محمّد النّفس الزّكيّة سياسيّا ودينيّا على السّياسة العبّاسيّة بقوله: «وأمّا ما ذكرت من أنّك ابن رسول الله ﷺَ فإنّ الله جلّ ثناؤه أبى ذلك فقال: «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» ( الأحزاب: 40). ولكنّكم بنو ابنته. وإنّها  لقرابة قريبة غير أنّها امرأة لا تحوز الميراث ولا يجوز أن تؤمَّ. فكيف تورث الإمامة من قبَلها وقد طلبها أبوك بكلّ وجه فأخرجها. تخاصم على ميراثها فلم يحصل لها شيء». انظر ابن حمدون بن الحسن بن محمد بن عليّ، التّذكرة الحمدونيّة، تحقيق إحسان عبّاس وبكر عبّاس، ج3، دار صادر، بيروت، لبنان، ط1، سنة 1966، ص416.
(15) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج4، تحقيق بشار عواد معروف،  دار الغرب الاسلامي، سنة 2001، ص107.
(16) انظر الطّبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مج10، تحقيق أحمد بكري عبد الرازق ومن معه، دار السلام، القاهرة، مصر، ط2، سنة 1428ه، 2007م، ص 8385. ولم يحدّد من هو المقصود بعبد الله من جملة العبادلة: عبد الله بن مسعود أو ابن عبّاس أو عبد الله بن ذكوان أو عبد الله بن كثير. أمّا محمّد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان  أثير الدّين أبو حيّان الغرناطي الأندلسي فقد حدّد أنّه عبد الله بن مسعود. انظر البحر المحيط، ج8، ص393. ويبدو أنّ هذا الاقتصاد في ذكر الاسم الكامل ليس عملا مجّانيّا وإنّما يُخفي موقف الطّبري من ابن مسعود. ولمزيد التّوسع في هذه الفكرة يمكن العودة إلى:
 Encyclopédie de l›Islam, nouvelle édition,Tome III, J .C. Vadet, Article ‹Ibn masʽude›, p899.                                                                                                                      
(17) أبو داود السّجستاني، كتاب المصاحف، مؤسّسة قرطبة للنّشر والتّوزيع، القاهرة ، د ت، ص11.
(18) أبو داود السّجستاني، م ن، ص 19.
(19) ولد ببرلين سنة 1921، وهو أستاذ في علم الأعصاب والمعالجة النّفسية. يعتبر من أنجح العاملين في الصحافة العلمية، وقد أثار برنامجه «جولة حول العلوم»، الّذي كان يقدمه في التلفزيون الألماني كثيرا من الاهتمام، حيث كان يعرض نتائج العلوم الطّبيعية الحديثة بطريقة مثيرة تجعلها إلى جانب غناها بالمعلومات ممتعة ومفهومة من الجميع. أشهر مؤلفاته حتّى الآن: أطفال الفضاء 1970، في البدء كان الهيدروجين 1972، أبعاد الحياة 1973، العلاقات المترابطة-أفكار حول صور علمية موحدة للعالم 1973، لم يهبط العقل من السماء 1976، لسنا من هذا العالم فقط  1981. يُنظر «حول المؤلف»، من كتاب تاريخ النشوء،  ديتفورت هويمارفون، تعريب محمود كبيبو، مراجعة علي محمّد، دار الحوار للنّشر والتّوزيع، اللّاذقيّة، سوريا، ط1، 1990، ص 5.
(20) ديتفورت هويمارفون، تاريخ النّشوء، م ن، ص 126.