في الصميم

بقلم
نجم الدّين غربال
مَلاَمِحْ نِظَامٍ مَالِي قَوِيٌّ ومُنْصِفْ (9) أسواق المال الواقع والآفاق
 تمهيد
إذا إنطلقنا من مُسلّمة أنّ المال مال اللّه وأنّ النّاس مستخلفون فيه وأنّ القيمة المطلقة للإنسان وأنّ النّفع تبعا لذلك موجّه لكلّ النّاس وأنّ وجود هؤلاء النّاس في هذه الحياة هو وجود إبتلاء، أيّهم أحسن عملا أيّ أيّهم أكثر استدامة لنفع النّوع البشري وإعمارا للأرض وعدم الفساد فيها، ضمن منظومة قِيَمِيّة قائمة على عدم إرادة العلوّ ولا الفساد وعدم أكل أموال النّاس بالباطل والعدوان. وإذا إعتبرنا أنّ استدامة نفع العُنصر البشري يمرّ حتما عبر الحفاظ على استدامة شروط الحياة الطّيبة له وللأجيال القادمة عبر توفير بيئة عيش سليمة اجتماعيّة واقتصاديّة وماليّة، أدركنا الحاجة الى موارد ماليّة بحجم يُمَكِّنُ من حُسن توظيفها تحقيقا لذلك الهدف من خلال إعمار الأرض، وأدركنا، تبعا لذلك الحاجة إلى أدوات تمويل مُتنوّعة ومتعدّدة والحاجة إلى أسواق لجمع الأموال.
وما سنبحث عنه في هذا المقال هو أسواق المال ضمن المقاربة اللّيبيراليّة المهيمنة، وإبراز الحاجة الى إعادة النّظر في دور هذه الأسواق من خلال عرض لسلبياتها وخاصة مخاطرها ولكن وِفق مقاربة نفعيّة لكل النّاس، ذات أبعاد متعدّدة،حسب تعدّد احتياجات النّاس الحياتيّة والمعيشيّة، نظرا لإيماننا بأنّ للمال دورا استثماريّا للإعمار ولتدفّق احتياجات النّاس باستمرار، دون انقطاع أو منع، سواء الحياتيّة منها أو المعيشيّة، ولا يُختزل دوره في تنميّة مداخيل المستثمرين فحسب.
 وحسب هذه المقاربة فإنّ المسلّمة ليست محدوديّة الموارد وعدم محدوديّة احتياجات النّاس الّتي انبنى عليها علم الاقتصاد الحديث بل المسلّمة هي أنّ كلّ ما في السّماوات والأرض مسخّر للنّاس، بمعنى أنّ الموارد إنّما هي بقَدَر، أيّ بما يُحقّقُ الرّزق لكلّ دابّة على الأرض دون استثناء، ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (هود:6)، وأنّ احتياجات النّاس، في مقابل ذلك، محدودة بتوفّر كفاية كلّ انسان.
ووِفق هذه المقاربة وانطلاقا من توفّر تلك الموارد، فمن البديهي أن يبحث الإنسان في كيفيّة توفير أكثر أدوات ممكنة لتحصيل تلك الموارد وذلك لتلبية ما يجعله يصل مستوى الكفاية عند تلبية احتياجاته، ومن هنا تأتي شرعيّة أسواق المال ومشروعيّتها، ولذلك على المؤمنين بمقاربة النّفع لكلّ النّاس العمل على توفير ما به يتمّ تعمير الأرض وتُلَبَّى به احتياجات النّاس الحياتيّة والمعيشيّة من أدوات تمويل.
1 -  واقع أسواق المال
تُعرّف السّوق الماليّة بالسّوق التي يتاجر فيها الأفراد أو الشّركات أو حتّى الحكومات بالأوراق الماليّة ومشتقّاتها، مقابل تكاليف معاملات منخفضة، وقد درج استخدام مصطلح أسواق المال عند الحديث عن القطاع المالي للإشارة الى الأسواق الّتي تُستخدم لجمع الموارد الماليّة للتّمويل بمختلف مداه، فإن كان التّمويل طويل المدى فيُطلق عليها مصطلح «أسواق رأس المال» وإن كان قصير المدى فتُدعى بـ «الأسواق النّقديّة»(1) .
ويدير السّوق المالي إدارة بالإضافة الى وسيط أوراق ماليّة مقابل عمولات مفروضة على كل عملية تداول وتلك العمولات مضمونة سواء خسر المتداول أم ربح.
ويُعتبر السّوق المالي بالنسبة للأفراد والمُؤسّسات مُنتجا للثّروة كما هي التّجارة ومجالا للاستثمار في المؤسّسات بهدف المضاربة، إذ يمكّن السّوق المالي من له فائض مالي والباحث عن الثّروة من الحصول على نسبة من أرباح الشّركات الّتي يستثمر فيها، كما يُفيد السّوق تلك الشّركات من موارد تمويليّة ويُساهم في تنشيط الاقتصاد. 
وتحتوي أسواق رأس المال أسواق الأسهم والسّندات والسّلع الأساسيّة، وتوفّر الأسواق النّقديّة تمويل الدّيون قصيرة الأجل والاستثمار، كما توجد أسواق المشتقّات الماليّة الّتي تزوّد صكوكا للتّعامل مع المخاطر الماليّة وأسواق العقود الآجلة الّتي تزوّد عقودا قياسيّة لمبادلة المنتجات في موعد مقبل، وسوق صرف العملات التي تُسهّل التّجارة بالنّقد الأجنبي، وسوق العملات المشفّرة التي تُسهّل التّجارة بالموارد الرّقميّة والتّكنولوجيّة الماليّة وغيرها من الأسواق(2). 
وبمصطلحات الميزانيّة تضطلع تلك الأسواق بجذب الإيرادات مِمّن لهم فائض مال ووضعها على ذمّة من هم في حاجة لها لتغطية تمويل أعباء نشاطهم، وبالمصطلحات الماليّة توفّر تلك الأسواق التّمويل اللاّزم للدّفع لشركات القطاع الخاصّ وللحكومات حتّى تقدر على دفع التزاماتها الماليّة لاستمراريّة نشاطها أو لتطوير أدائها والرّفع من مردوديّتها الماليّة أو من إنتاجيّتها. 
وبدون تلك الأسواق يصعب على المقترضين إيجاد مقرضين خاصّة في العمليّات الأكثر تعقيدا من الإيداع البسيط في المصرف، فتلك العمليّات تحتاج أسواقا يستطيع فيها المقرضون وعملاؤهم مقابلة المقترضين وعملائهم، وفيها يمكن بيع تعهّدات الشّراء أو بيع القائمة الى أطراف أخرى، وفيها تستطيع شركة ما جمع المال عن طريق بيع الأسهم الى مستثمرين كما يمكن بيع أو شراء أسهمها القائمة.
وأمام أزمة التّمويل العمومي التي تواجهها الحكومات توفّر أسواق المال مخرجا لتمويل الاحتياجات الكلّية لها، وتقترض تلك الحكومات عبر إصدار سندات، وفي كثير من الأحيان يصعب عليها جمع المال محلّيا فتحتاج الى الاقتراض دوليّا بمساعدة سوق صرف العملات. 
ومن الأسواق المالية التي يجدر الحديث عنها سوق الأوراق الماليّة أو ما درج على تسميتها بالبورصة، فهي سوق مختلفة عن غيرها من الأسواق حيث أنّها لا تعرض ولا تملك في معظم الأحوال البضائع والسّلع، فالبضاعة والسّلع التي يجري تداولها في تلك السّوق ليست أصولا حقيقيّة بل أوراقا ماليّة أو أصولا ماليّة، وغالبا ما تكون هذه البضائع أسهما وسندات. 
وللبورصة قواعد قانونيّة وفنّية تحكم كيفيّة أدائها وتحكم كيفيّة اختيار ورقة ماليّة معيّنة وتوقيت التّصرّف فيها، وقد يتعرّض المستثمر غير الرّشيد أو غير المؤهل لخسارة كبرى في حال قيامه بشراء أو بيع الأوراق الماليّة في البورصة لأنّه استند في استنتاجاته في البيع أو الشراء على بيانات خاطئة أو غير دقيقة أو أنّه أساء تقدير تلك البيانات(3). 
ولسوق الأوراق الماليّة في نظر الاقتصاديّين اللّيبيراليّين دور هام (4) يتمثل في:
- تأمين السّيولة لتبادل الأسهم المطروحة في السّوق الأوّلية؛
- تسهيل جمع السّيولة النّقدية لنمو الشّركات؛
- تحفيز المدخّرات نحو الاستثمار؛
- مساعدة الحكومة والشّركات على جمع النّقود للمشاريع الإنمائيّة؛
- إعادة توزيع الثّروة؛
- تحفيز حوكمة الشّركات.
كما تعدّ مؤشّرات الأسهم مقياسًا للأداء الاقتصادي حيث تعمل الأسواق الماليّة، في الغالب، كمرآة للاقتصاد، من خلال تفاعل قوى العرض والطّلب، وتأثّر هذه القوى بالحالة الاقتصاديّة العامّة.
ويُعتبر المؤشّر العام لأسعار الأسهم في السّوق الماليّة من المؤشّرات السّابقة للأحداث، حيث تعكس أسعار الأسهم توقّعات المستثمرين بشأن الأوضاع الاقتصاديّة المستقبليّة، ومن ثمّة تعطي تحرّكات المؤشّر إشارات مبكّرة عن الاتجاهات الاقتصاديّة المحتملة، ممّا يساعد واضعي السّياسات الاقتصاديّة على اتخاذ التّدابير المناسبة في الوقت المناسب.
كما لسوق الأوراق الماليّة أدوار هامّة في النّشاط الاقتصادي وفي العمليّة التّنمويّة عموما(5)من خلال:
- تنمية الاقتصاد بتوجيه المدّخرات الى الاستثمار؛ 
- تحسين مستوى المعيشة من خلال استعمال الأموال المقترضة في شراء وتأجير عناصر الإنتاج؛
- المساهمة في تمويل خطط التّنمية عن طريق طرح أوراق ماليّة حكوميّة في تلك السّوق؛
- المساهمة في دعم الائتمان الدّاخلي والخارجي؛
- المساهمة في تحقيق كفاءة عالية في توجيه الموارد إلى المجالات الأكثر ربحيّة؛ وهو ما يصاحبه نموّ وازدهار اقتصادي.
2 - مخاطر أسواق المال وسلبيّاتها
كما للأسواق فرص من خلال ما توفّره من تمويل، فإنّها في المقابل مُولدة للمخاطر، فارتفاع الأسعار وانخفاضها في السّوق المالي هما مصدر المخاطرة، سواء أسعار الأسهم أو أسعار الحصص أو أسعار السّندات أو أسعار صرف العملات أو أسعار الفوائد وأرباحها، وقد تمّ اللّجوء الى منتجات ماليّة مشتقّة للتّحكّم بالمخاطرة أو بشكل متناقض لاستغلال المخاطرة، كما تُسمّى بعلم الاقتصاد المالي، حيث تُساعد تلك المنتجات أو الصكوك المشتقّة جهات الإصدار على كسب أرباح كبيرة.
كما يحتمل في الأسواق الماليّة ولو نظريّاً أن تتمكّن كلّ الشّركات في أيّ نشاط تجاري ضخم من تحقيق الأرباح أو عدم التّعرّض للخسائر على الأقل، لكنّ ذلك غير ممكن عن طريق المضاربة، فكلّ ربح عن طريق المضاربة في السّوق المالي لا بدّ من أن تقابله خسارة طرف آخر ولو بعد حين.
وكما للأسواق الماليّة إيجابيّات فإنّ لها كثيرا من السّلبيات(6) نذكر منها:
- غياب السّيولة عن الاقتصاد «الحقيقي» نتيجة إعراض المضاربين عنه: فأثناء فترة صعود السّوق وارتفاع الأسعار يتشجّع النّاس لاستثمار مدّخراتهم ورؤوس أموالهم للمضاربة في السّوق المالي، ممّا يكبح نشاطهم الاقتصادي خلال تلك الفترة.
- انقطاع الأسواق عن الواقع: فقد اعتبر الاقتصادي البريطاني «جون مينارد كينز» في كتابه النّظريّة العامّة في التّشغيل والفائدة والنّقود (الباب الثّاني عشر) أنّ البورصة أشبه بمباراة جمال، أي أنّ الرّبح في البورصة يقتضي ألّا تشتري أسهم الشّركة الأكثر ربحا بل أسهم الشّركة التي يظنّ الجميع أنّها تحقّق ربحا أكثر.
ويؤدّي هذا الفارق إلى استعمال مبالغ فيه للدّعاية والإعلام، إذ أنّ الشّركة لا تحتاج أن تكون رابحة بل أن تُوهِم أغلبيّةَ الفاعلين بهذا ثمّ أن تعلم القاصي والدّاني بأنّ الأكثريّة تعتقد بأنّها رابحة، ممّا سيزيد من ثقة المساهمين بأسهمها وإن كان ذلك على أسس وهميّة.
حتّى نلتقي
ما أصبح معلوما للجميع أنّ الدّائرة النّقديّة المتكوّنة من المنتجات الماليّة ومشتقّاتها في اتساع مضطرد دون تناسب مع حجم الدّائرة الحقيقيّة المتكوّنة من الإنتاج الحقيقي سلعا وخدمات، ممّا أفرز أزمات ماليّة متفاقمة عطّلت دور المال في الإنتاج والإعمار، وقد تمّ استعمال أسواق المال بغاية مراكمة الثّروة لا بغاية تجميع الأموال وتوفيرها لإنتاج ما تحتاجه البشريّة من سلع وخدمات.
 وبقدر ما يمكن الاستفادة من تقنيات العمل بالأسواق الماليّة بقدر ما يجب التّحفّظ على محرّكاتها ودوافعها وإعادة النّظر في أهدافها وغاياتها حتّى تكون مجالا - سواء أكان مادّيا أو افتراضيّا- لتوفير الأموال بما يُحسّن باستمرار شروط حياة من له فائض من المال ويُمكّن من هم في حاجة له، أفرادا أو مؤسّسات وكذلك حكومات من توفير احتياجاتهم التّمويليّة للتّنمية والإعمار، وتحسين مستوى عيش الجميع، وتطوير نوعيّة حياتهم بما يحافظ على كرامة الإنسان وحرّيته وأفضليته على كثير من الخلق.
الهوامش
(1) سوق_الأوراق_المالية / https://ar.wikipedia.org/wiki
(2)  سوق_الأوراق_المالية / https://ar.wikipedia.org/wiki
(3) سوق_الأوراق_المالية / https://ar.wikipedia.org/wiki
(4)  نفسه
(5)   «BSE Ltd. (Bombay Stock Exchange) - Live Stock Market Updates for S& BSE SENSEX, Stock Quotes & Corporate   مؤرشف من الأصل في 15 أكتوبر 2012 . Information». bseindia.com 
(6)                                                 Murphy، Richard McGill (                         ). «Is Asia the next financial center of the world 
As Richard McGill Murphy (2014) notes: «In 1602 the Dutch East India Company opened the world›s first stock exchange in Amsterdam. (...) Rival European capitals launched their own stock exchanges. The securitization of the world was under way. (...) It›s worth remembering the original Amsterdam Bourse because it established the template for the modern financial center, a physical place where finance professionals help companies access the capital they need to grow
-  Diamond، Peter A. (1967). «The Role of a Stock Market in a General Equilibrium Model with Technological Uncertainty». American Economic Review