شخصيات الإصلاح

بقلم
التحرير الإصلاح
رشدي فكار: مفكر إسلامي عقلاني حمل همّ التجديد
 ولد الدكتور رشدي فكار في 10 جانفي 1928 بقرية «الكرنك» في مركز «أبوتشت» بمحافظة «قنا» بصعيد مصر، ونشأ في بيئة تقليدية ذات طابع ديني وتعليمي، ساهمت في تشكيل وعيه المبكّر بالحاجة إلى التّوفيق بين الإسلام والعقل، وبين الأصالة والمعاصرة. ومنذ شبابه، تجلّت لديه موهبة خاصّة في الكتابة والتّفكير النّقدي، وهو ما سيظهر لاحقًا في مشروعه الفكري الشّامل الذي ترك أثرًا واضحًا في الفكر الإسلامي المعاصر.
حفظ القرآن الكريم في كتّاب القرية في سنّ مبكرة، وتلقى تعليمه الأساسي بمعهد قنا الدّيني، ثمّ التحق بجامعة القاهرة حيث حصل على ليسانس في الفلسفة. لم يتوقف عند هذا الحد، بل تابع دراساته العليا بفرنسا ليحصل على الدّكتوراه في الفلسفة الإسلاميّة مع مرتبة الشّرف من جامعة باريس عام 1956م. تعمق في دراسة علم الكلام، والمنطق، والأديان المقارنة، إضافة إلى اطّلاعه الواسع على التّيارات الفلسفيّة الغربيّة الحديثة.وكان يجيد اللّغات العربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة. 
عمل الدكتور فكّار بعد تخرّجه مدرّساً في جامعة السّوربون، ثم انتقل إلى سويسرا للتّدريس في جامعة جنيف، وأنجز فيها خلال هذه الفترة رسالة جامعيّة أخرى نال بها شهادة دكتوراه الدّولة في علم النّفس في عام 1965، ثم انتقل إلى المغرب ليعمل أستاذاً في علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرّباط، كما عمل أستاذاً زائراً بالعديد من الجامعات العربيّة والأوروبيّة، منها جامعة جنيف، وجامعة نيوشاتل، وانتسب بالعضويّة لأكثر من 42 جمعيّة دوليّة وأكاديميّة.
كما حصل رشدي فكار على عضويّة أكاديميّة الآداب والفنون والعلوم بإيطاليا، وعضويّة المجلس الأعلى للشّؤون الإسلاميّة، وعضويّة الهيئة العالمية للكتاب، وعضويّة جمعيّة استر نجيرج، وهو أوّل عربي انضم لأكاديميّة العلوم (مجمع الخالدين) بفرنسا 16/2/1973م التي لا يحصل عليها إلاّ العلماء المتميّزون، وكان يعدّ من أكبر خمسة متخصّصين في أصول الماركسيّة في العالم، وذلك الذي أهّله للتّرشّح لجائزة نوبل عام 1976م.
اختارته الحكومة السّويسرية ليكون واحداً من فريق العلماء الذين يفحصون بكلّ أدوات العلم مشكلات سويسرا النّاجمة عن الثّروة المتضخّمة.. كما وقع عليه الاختيار كرئيس لجمعيّة الأيدو العالميّة، ومقرّها جنيف والتي تضمّ في عضويتها الحاصلين والمرشحين من شتّى أنحاء العالم لجوائز نوبل العالميّة. 
كان الدّكتور رشدي فكار من الأكاديميّين النّشطين في الكتابة الصحفيّة والمحاضرات العامّة، ساعيًا إلى عدم حصر فكره في مجال النخبة بل إيصاله إلى الجمهور الواسع. كما ساهم في الحوارات الفكريّة الكبرى التي عرفها العالم العربي في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي، خاصّة تلك المتعلّقة بالعلمانيّة، والحداثة، والدّيمقراطيّة، والإسلام السّياسي.
لم يكن فكار مجرد منظّر، بل كان مفكّرا نقديّا تحليليّا حاول أن يعيد ترتيب أولويّات العقل المسلم في مواجهة أسئلة العصر، دون الوقوع في الانبهار أو الرّفض المطلق للآخر. وسعى إلى صياغة مشروع فكري إسلامي عقلاني معاصر، يدعو إلى التّجديد الدّيني دون القطيعة مع الأصول، ويرتكز على ثلاث دعائم:
*العقل أساس لفهم النّصّ: اعتبر فكّار أنّ العقل هو وسيلة ضروريّة لفهم الدّين، لا خصم له. فقد أكّد على أنّ القرآن يخاطب العقل، ويحثّ على التّفكّر، ويجعل من الاجتهاد واجبًا في مواجهة مستجدّات العصر.
* الإسلام دين حركة لا جمود : شدّد على أنّ الإسلام ليس نظامًا مغلقًا، بل دينًا ينطوي على طاقات حضاريّة وروحيّة قادرة على التّجدّد باستمرار، شريطة الانطلاق من مقاصده الكبرى لا من النّصوص الظّاهريّة الجامدة. رافضا التّصوّرات السّطحيّة التي تقدّم الإسلام في صورة خصم للعلم أو الحرّية، مؤكّداً أنّ الإسلام في جوهره متوافق مع مبادئ العقلانيّة، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعيّة.
* ضرورة نقد التّراث : دعا إلى نقد الموروث الدّيني والفقهي بروح علميّة موضوعيّة، معتبرًا أنّ كثيرًا من الانحرافات المعاصرة ناتجة عن تقديس أقوال الفقهاء والخلط بين الثّوابت والمتغيّرات.
يُعد الدكتور رشدي فكار من المفكرين الذين حاولوا بجديّة ومسؤوليّة ردم الفجوة بين الإسلام والحداثة، من دون أن يسقطوا في التّوفيقيّة السّطحيّة أو في رفض الغرب المطلق. واستطاع أن يجمع بتوازن واعتدال بين ثقافته الإسلاميّة التي استقاها من منابعها الصّافية منذ نعومة أظافره وبين الثّقافة الغربيّة التي عاش دارسًا لها ردحًا من الزّمن، وبذلك استطاع أن يتعامل مع الغرب برؤية مفادها أنّه سفير أمّة لديها ما تستطيع أن تقدّمه للعالم، وتمكّن خلال رحلته الطّويلة والشّاقّة مع عطائها الفكري والثّقافي المتعدّد المدارس والمختلف الألوان، أن يعيش بتلك الرّوح التي بدأ بها حياته.. ولم يشعر فكّار في يوم من الأيام بنوع من التّناقض فيما أودع عقله من علوم شرعيّة وأخرى غربيّة.
ألّف الدكتور رشدي فكار عددًا من الكتب المهمة التي تناولت قضايا الفكر الإسلامي والفلسفة والتجديد(17 مؤلفًا)، من أبرزها: «الإسلام في عصر العلم» و«التفسير العقلي للإسلام» و«الديمقراطية بين الإسلام والغرب» و«العقل والحرية في الفكر الإسلامي» و«الإسلام والغرب: حوار لا صدام»
كما أعدّ أكثر من مائة بحث ودراسة حول شتّى علوم الإنسان، من مجالات الدّراسات الإسلاميّة، والاجتماعيّة والنّفسيّة، وتمّت ترجمتها إلى لغات أخرى. نذكر منها: «علاقة العالم العربي الثّقافيّة مع فرنسا»، و«تأمّلات في الإسلام»، و«الحياة اليوميّة في مصر إبان عصر محمد علي»، و«الشّباب وحرية الاختيار»، و«ظاهرة الانتحار»، و«المراهنة الصناعية»، و«نظرية أصول الماركسيّة والمراهنة الصّناعيّة».
كما كتب مقالات دوريّة في عدد من الصّحف والمجلاّت الفكريّة، وكان صوتًا مهمًا في المشهد الثّقافي العربي، خاصّة في دعوته إلى الحوار الحضاري بدل الصّراع، والتّأصيل العقلاني بدل التّبعيّة.
تُوُفِّى الدكتور رشدي فكار  فى 5 أوت/اغسطس 2000م بالمغرب إثر أزمة قلبيّة مفاجئة، تاركا وراءه إرثًا غنيًا من الأفكار لا تزال قابلة للنّقاش والتّطوير، خاصّة في ظلّ الحاجة المتزايدة اليوم إلى بناء وعي إسلامي جديد يستند إلى العقل والحرّية والتّجديد.