تمتمات

بقلم
م.رفيق الشاهد
دعاء الرّخاء لا يكون إلاّ حمدا
 لطالما انشغلت مثل غيري بالشّأن العام الذي لا يمكن أن يخوض المرء فيه دون أن تبتل أطرافه بمائه العكر ولا تترنح رجلاه في وحل مستنقعاته الرّاكدة، حتّى أصبح شغلي الشّاغل كيف أهرب بنفسي فلا أحمّلها أثقل ممّا يحتمل أن تتحمّل. 
أقحمت نفسي في خضم المعارك حريصا ألاّ أكون طرفا فيها، ولكن في كلّ مرّة أجدني منحازا إلى فئة أشاركها الرّأي دون أخرى، فأنساق في تأييدها ودعمها. فإذا بالمراقبين الذين ظنّوا عبثا أنّهم واقفون على مسافة تحقّق لهم الحياد، أجدهم ينظرون إليّ بعين الطّرف المواجه، أولئك الذين اتخذوا من زاوية نظرهم معقلا للدّفاع عمّا يعتقدونه حقيقة، فجعلوني خصمهم ولا يضيعون فرصة لمهاجمتي والنّيل مني.
«كل إفراط يقود الى التّطرف. والإفراط في عدم الانحياز انحياز بعينه يفقد صاحبه الاعتدال ومنزلة الحياد». هكذا يتصرّف الكثير من النّاس. يوغلون في نبذ النّبذ ويتشدّدون فيه حتّى ينبذوا من ليس على شاكلتهم.
كلّت النّفس من تحت وطأة الخلافات. والخلاف إذا ما نُبِش فيه قليلا تحوّل بالضّرورة إلى نزاع، وكلّما تعمّق الخدش ولمسنا التّفاصيل اندلعت الحروب ونشبت مستعرة ومدمّرة لكلّ ما تفاخرت به الإنسانيّة من قيم عليا راكمتها التّجارب عبر التّاريخ فجعلتها مواثيقا بين الأمم، وفي كلّ مرّة لا تكون النّتيجة إلّا تقهقر مسيرة ذاك الإنسان في نشأته التي لم تكتمل بعدُ. كلّت النّفس وصرت أنزوي إلى ما يجول بخاطري، فأجدني خارج المكان والزّمان بعيدا عن الأذى الذي قد أسبّبه لغيري أو أن يصيبني منهم. وصرت أكثر انتباها لأشياء لم أكن أحتسبها ولا أعيرها كثير اهتمام رغم قربها منّي وملاحقتها لي إلى درجة المضايقة.
من هذه الأشياء التي تبدو طبيعيّة ولا تزعج أحدا، ما قرأته مكتوبا بالبند العريض على يافطة أحد الدّكاكين «اللّهم أعطهم ضعف ما يتمنّون لي». وتساءلت هل تؤخذ القولة بالعفويّة التي كتبت بها، دعاء لمن تمنّى الخير أو دعاء على من تمنّى الشّر؟ فالأول وجيه ومقبول والثّاني منبوذ، كنت أتمنّى الدّعاء في هذه الحالة بالهداية وصلاح الحال. ثمّ تساءلت ربّما تؤخذ هذه القولة المعلّقة بالخبث المحتمل من وراء تركيبتها التي أراد الكاتب أن يظهر من خلالها في منزلة النّبيه الحاذق الذي لا ينطلي عليه خبث الآخرين ولا يتسامح معه، كما ورد على لسان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه-: «لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني». والخبّ هو المخادع الغادر.
في الحقيقة شغلني ما فكر فيه صاحب المعلقة من وراء هذا الدّعاء وتساءلت مرّة أخرى لماذا نقحم اللّه في مثل هذه الأدعية المشبوهة والمشوّهة باللّبس في المعاني والنّيات. ودفعني الفضول الى البحث في العديد من الأدعية التي بشوبها الخبث وتفنّن أصحابها في تشكيلها وتزويقها حتّى بدت متفرّدة في الشّكل والمضمون وأصبحت الأدعية صيحات دعائيّة في كرنفال فنّ التّزويق والالتباس. فأطلقت عليها تسمية «أدعية الرّخاء».
ووقع اهتمامي في طريق بحثي على مقال لمجلة القدس العربي بعنوان «اللّهم أعطهم ضعف ما يتمنّون لي!» بتاريخ 7 أكتوبر 2016 بقلم أستاذ اللّسانيّات بالجامعة التونسيّة توفيق قريرة. ووجدتني على رأيه في أنّ الأدعية التي عادة ما تكتب على عدّة محامل ثابتة أو متنقلة واقعيّة أو افتراضيّة أصبحت سلوكا لغويّا يحتاج تدبُّرا لسانيّا. ويشير كاتب المقال في هذا السّياق متدبّرا، الى أنّ الكتابة على الأبواب والجدران والسّيارات والحوامل الأخرى تعدّ ضربا من السّلوك القولي أو المتشكّل بالقول طالما لم يكن الغرض من ورائها إرشادا أو إشهارا، بل فقط للتّعبير عن انفعالات في شكل إنشائيّ يوجّه عادة إلى الرّبّ كالالتماس والدّعاء. 
وأهم ما في هذه الأقوال إضافة إلى الإيجاز الذي يفرضه الحيز الذي يسمح به الحامل، الأهمّ من ذلك لا اللّبس بذاته الذي يجعل القول الواحد يَحتمل تأويلين أو أكثر، بل غاية كاتب الدّعاء إحكام اللّبس عبر طمس المقام والسّياق وراء اختيار الحامل أو المعلقة، فيزيد التّضليل بتشويش المعطيات التي قد تستخلص منهما والتي تساعد عادة على الفهم والقراءة الصّحيحة لما أضمره صاحب الدّعاء.
لقد أبدع الأستاذ في توضيح تاريخ الكتابة على الأبواب والجدران وغيرهما كأسلوب أساسه الالتباس لا الغموض بُنِي على التّصوّر الشّعبي الذي جعل إرادة الشّرّ من الأمنيات، ما يفسّر الغيبة والنّميمة والحسد ثمّ الدّعاء بالشّرّ المبطن بالخير. فيقرأ على نيّة كاتبه المتوثّب للشرّ سماها الأستاذ «النّيّة المُقَعْفِزَةُ».
هكذا، كلّما ابتعدت بما اعتقدت الانزواء والاعتزال لرؤية الاشياء بعيني، وجدتني بين أناس سبقوني يجادلونني وحدتي ويفرضون عليّ مشاهداتهم. وإذا بي أميل إلى هؤلاء وأميل عن هؤلاء.
من المتعارف عليه أنّ الدّعاء هو سؤال العبد ربّه ما يحتاجه من خير قولا أو كتابة أو حتّى صمتا... والدّعاء في الدّيانات السّماوية مظهر من مظاهر عبادة اللّه والخنوع إليه، وهو بذلك صلة مباشرة بين العبد وربّه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..﴾(غافر: 60). وقال في موضع آخر: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(الذاريات: 56). أي ليذعنوا له بالعبوديّة بما يتعيّن من الذلّ والافتقار إليه. وبحثت في عدد من الأدعية المعروضة على قارعة الطّريق عن هذه الخصائص التي يتوجّب على الدّاعي أن يوفّرها في الدّعاء طبقا لكراس الشّروط لقبوله والاستجابة له، فلم أجد شيئا منها. بل يبدو من خلال ما عرض علي، أنّ ما يضمره الدّاعي في وادي وما يقوله الدّعاء في وادي آخر.  وأكثر من ذلك فأين مقام اللّه جلّ جلاله قي مثل هذا الأدعية؟ وما الفرق بين هذا الدّعاء الملقى على قارعة الفيسبوك: ‹اللهم أعطي لأبنائي من الخير ما يكفيهم ومن الكفاية ما يرضيهم ومن الرّضا ما يسعدهم» وهذا الأمر «يا أمين الصّندوق، أعطي لفلان وأغدق عليه حتّى يرضى، وزد فوق الرّضا ما يزيدنا فخرا وكرما».؟ لا يصلح الدّعاء إن لم يزين بالسّكينة ولم يكن خفيّا وصلاة صادقة من الرّوح إلى الرّوح. إنّ شكل الدّعاء واختيار الحامل يرفع من قيمته واعتباره عند اللّه.
ثمّ، من منّا يدرك موضع الخير حتّى يطلبه من اللّه ويستجديه إيّاه؟ وما تراه خيرا لك اليوم قد يكون شرّا لغيرك؟ ولمّا يدعو أحدنا ربّه بالنّجاح في امتحان لانتدابٍ واحدٍ، هل يدعو لصديقه الذي ينافسه في نفس الامتحان بالنّجاح أو يدعو عليه بالإخفاق؟ علما وأنّه إذا ما دعا لنفسه دعا بنفس الدّعاء على الآخر. فنجسّد بهذا الشّكل التّصوّر الشّعبي الذي جعل إرادة الشّرّ من الأمنيات حسب الأستاذ توفيق قريرة، وهي تعتبر حالة مرضيّة في المجتمع تتعارض مع الأخلاق والتّعاليم الدّينيّة الدّاعية إلى أن يحبّ المرء لأخيه ما يحبّه لنفسه. وتستوجب هذه الحالة معالجة لا بالعزوف عن الدّعاء بالشرّ فقط، بل بتجنّب كلّ الأدعية الملتبسة الدّاعية ظاهريّا بالخير المشترط بالشّرّ للآخر. 
تعالى ربّنا على أن يستجيب لدعاء بشر إلاّ للمقهور الذي أوكل أمره للّه الذي لا يخفى عليه حال الظّالم ولا المظلوم. وعيب فينا نحن البشر أن نقحمه في ألاعيبنا وترّهاتنا. وأحسن الأدعية في هذه الحالة ما جاء في قوله تعالى:﴿... حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾( آل عمران: 173). هو ليس دعاء بشر، بل يحمل شكوى المظلوم إلى اللّه والاعتماد عليه في اتقاء شرّ الظّالم وقد ترك للّه حسن التّدبير في ذلك. 
أصدق الأدعية هي التي يلجأ إليها العبد في أوقات الشّدّة والضّيق، أي تلك المصنفة «دعاء المضطر». واللّه الذي حرّم على نفسه الظّلم يستجيب لدعاء المظلوم كيفما صدر حتّى بالصّمت، لأنّ مناجاة المظلوم ربّه صلاةٌ. وهي تواصل مباشر بينهما. أمّا بقية الأدعية، فاعتبرها من زمرة دعاء الرّخاء، فلا تكون إلّا حمدا. والحمد الصّادق دون رياء، ما أحلاها صلاة تقوى.