وجهة نظر
| بقلم |
![]() |
| د.عبدالله التركماني |
| تحديات التحوّل الديمقراطي وكيفيات نجاحه في سورية (3-3) |
كيفيّات التّعاطي المجدي مع التّحديّات
تفيد تجارب التّحوّل الدّيمقراطي أنّ التّعاطي المجدي مع التّحديات في سورية يتطلّب عددًا من المعطيات من أهمّها: وجود نخب ثقافيّة وسياسيّة مؤثّرة في الحياة العامّة، ومجتمع مدني ضاغط من أجل إنجاح عمليّة التّحوّل، وحياة اقتصاديّة نشطة تفسح المجال لنموّ طبقة وسطى فاعلة تتبنّى الحرّيات العامّة.
إنّ إسقاط النّظام البائد لا يعني بداية التّحوّل الدّيمقراطي، فالخوف يكون دائمًا في التحام النّخب السّابقة وتوحّدها لإعادة الاستبداد بوجوه جديدة، أو مع تعديلات ثانويّة تكون بعيدة عن ضمان عمليّة التّحوّل. وهنا تأتي أهمّية المعارضة السّياسيّة والنّخب الوطنيّة لامتلاك رؤية استراتيجيّة مستقبليّة لآليّات العمليّة والحفاظ عليها.
تتطلّب المرحلة الانتقاليّة، بعد إسقاط النّظام البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إدارة رشيدة للتّعاطي المجدي مع تحدّيات التّحوّل الدّيمقراطي، لإعادة بناء الدّولة الوطنيّة الحديثة، دولة مواطنوها أحرار متساوون في الحقوق والواجبات، طبقًا لمؤسّسات التّحوّل المتدرج وقيمه. إذ أنّ التّحوّل الدّيمقراطي يحتاج إلى عمل تراكمي متواصل، ممّا يدعونا إلى عدم الوهم بالتّغيير السّريع. باعتبار أنّ الدّيمقراطيّة عمليّة تراكميّة، تعتمد على وجود الثّقافة الدّيمقراطيّة على الأقل لدى النّخب بداية، فليس ثمّة ضمان أن يؤدّي التّغيير إلى تحقيق الدّيمقراطيّة مباشرة. إنّ نجاح عمليّة التّحوّل مرهون بتوفّر: التّوعية السّياسيّة المكثّفة لقطاعات واسعة من الشّباب والنّساء، وتشكيل «كتلة تاريخيّة» واسعة من القوى السّياسيّة العاملة من أجل نجاح هذا الخيار، والاستفادة من الدّعم الدّولي لما يخدم الخيار الدّيمقراطي، وقطع الطّريق على قوى الثّورة المضادّة.
وفي هذا السّياق، لا شكّ أنّ تحديد الأولويّات ومراجعة الأهداف المزمع تحقيقها ضرورة ملحّة، ليتمّ التّركيز على متطلّبات تكريس المؤسّسات الدّستوريّة ومعالجة المشاكل المعيشيّة وتحديث الهياكل والبنى الاقتصاديّة والاجتماع والثّقافة، وتحقيق التّنمية والارتقاء بمستويات القدرات السّورية. ممّا يتطلّب عدم توجيه طاقات الشّعب السّوري لتصفية الحساب مع الماضي وإهمال تحدّيات الحاضر وتأجيل التّفكير في آفاق المستقبل، لأنّ تصفية الحساب مع الماضي توجب الاستعانة بخبرات الدّول الأخرى التي انتقلت من السّلطويّة إلى الدّيمقراطيّة، حتّى لا تؤدّي في النّهاية إلى تفكيك الدّولة ذاتها إلى مكوّناتها المتنوّعة. بل إعادة بناء النّظام السّياسي التّشاركي، على طريق ولادة مجتمع مدنيّ وأحزاب سياسيّة وقيادات تكتسب ثقة السّوريين والتّوافق الطّوعي والاستجابة إلى مصالح المواطنين.
وقد استنتجنا في الجزء الأول من البحث(1) أنّ تجارب التّحوّل الدّيمقراطي ليست متشابهة، إذ إنّ المسألة تعود إلى مستوى تطوّر شعوب ودول كلّ تجربة، والأمر يقوم على(2) : مستوى قدرة الأفراد على عمليّة الاختيار الحرّة وتحويلها مع الزّمن الى عمليّة تلقائيّة، والمراجعة النّقديّة التّلقائيّة للسّلوك، وتعديل السّلوك المستقبلي، ممّا يؤدّي مع الزّمن إلى تراكم الخبرات عبر الممارسة اليوميّة.
وبذلك تمثّل المرحلة الانتقاليّة فرصة لإرساء نظام سياسي جديد، يقطع الطّريق أمام عودة أيّ نظام تسلّطي، فيما إذا عملت قيادة المرحلة على مبادئ الحكم الرّشيد والتّشاركيّة السّياسيّة وضمان حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية لكلّ مكوّنات الشّعب السّوري.
المهام الأساسيّة في المرحلة الانتقاليّة
التّقدّم التّدريجي نحو التّحوّل الدّيمقراطي لا يمكن تحقيقه بمعزل عن الشّروع في بناء الدّولة السّورية الحديثة التي تقوم على فصل السّلطات التّنفيذيّة والتّشريعيّة والقضائيّة، ورقابة المجتمع على سلطة الدّولة، وخضوع سلطة الدّولة نفسها للقوانين التي تسنّها، وإطلاق حياة سياسيّة نشطة بالاستناد إلى الحرّيات الفرديّة والعامّة.
كما يجب(3): إعادة تأهيل الأجهزة العسكريّة والأمنيّة بحيث لا تشكّل مخاطر على عمليّة التّحوّل، وتأكيد حكم القانون، واستقلال مؤسّسات العدالة، وتدعيم مؤسّسات الرّقابة والمحاسبة، وإصلاح المنظومة الإداريّة، وحياديّة الدّولة عن الأيديولوجيّات والأديان، باعتبارها فضاء عمومي لكلّ المواطنين يحكمها القانون. هذا المفهوم « لا يؤسّس لجدل الإكراه والإجماع أو السّيطرة والهيمنة بلغة غرامشي أو الجهاز الاجتماعي الأمني والشّرعيّة السّياسيّة الثّقافيّة والأخلاقيّة القانونيّة حسب ماكس فيبر، أي أيديولوجيّة الدّولة بتعبير عبد اللّه العروي أو دولة الحقّ والقانون والدّيمقراطيّة، حيث العلاقة تفاعليّة تكامليّة بين الدّولة والمواطنين، أي بين الدّولة وبعدها المدني، كمجال عمومي يضمن تحقيق التّضامن بين النّاس، والتّأسيس القانوني كتنظيم ذاتي للرّأي والإرادة السّياسيّة الدّيمقراطيّة وفق ما يطرحه هابرماس»(4).
لقد أضحى تعبير المواطنة جزءًا من نظام سياسي يقوم على الدّستور، ودولة وطنيّة تقوم على السّيادة الوطنيّة، وجزءًا من حقوق وواجبات ينتظم فيها الفرد بموجب عقد اجتماعي يجعله مواطنًا في دولة. ويتحقّق ذلك عبر « إتاحة المجال أمام الجميع للمشاركة في الحكم والإدارة، والاستفادة من الموارد الاقتصاديّة وفق أسس عادلة، تضمن كرامة النّاس، وتمكّنهم من التّعبير عن آرائهم بحرّية وشفافيّة، على أن يكون كلّ ذلك محميًّا من قضاء نزيه، يضع حدًّا للفساد والإفساد... وذلك بهدف امتصاص الصدمات، والمصادرة على احتمالات الانفجارات المجتمعيّة، لتحسين قواعد العيش المشترك بين كلّ السّوريين من جميع الانتماءات والتّوجّهات، وفي سائر الجهات»(5).
وفي ظل المواطنة المتساوية يمكن التّعاطي المجدي مع مخاطر الطّائفيّة، من خلال « بناء رؤية تنموية متكاملة على مستوى الجغرافيّة السّوريّة تؤدّي دورًا مهمًّا في نمو ديناميّات ديموغرافيّة ثقافيّة، تؤدّي إلى تخفيف التّوتّرات الطّائفيّة وزيادة التّفاهم والتّعاون بين مختلف المكوّنات»(6).
وهكذا، فإنّ أهمّية كيفيّات التّعاطي المجدي مع تحدّيات التّحوّل الدّيمقراطي، والمهام الأساسيّة في المرحلة الانتقالية، تكمن في:
1 – إعلان الالتزام بالشّرعة العالميّة لحقوق الإنسان
بما يضمن الحقوق والحرّيات لكلّ المواطنين، والعمل من أجل رفعها إلى مستوى مبادئ محصّنة دستوريًّا في الدّستور الدّائم، بمضامينها السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، أي ضرورة أن تصاحب الدّيمقراطيّة السّياسيّة ديمقراطيّة اقتصاديّة واجتماعيّة، تنطلق من مبادئ العدالة الاجتماعيّة. إضافة إلى الإقلاع عن تهميش المرأة السّورية، بل تمتّعها بكلّ الحقوق المنصوص عليها في الشّرعة العالميّة، بحيث تتمتّع بكامل حقوقها السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. بما فيها تحديث قانون الأحوال الشّخصيّة في اتجاه تدعيمه بإمكانيّة قانون مدني، وترك الخيار إلى المواطنين. ذلك لأنّ أيّة أهداف تطرحها الدّولة في عالم اليوم « لا يجوز وضعها فوق حقوق الإنسان والمواطن، بل بالعكس يجب أن تكون جميع الأهداف نابعة من هذه الأهداف خادمة لها. أمّا الشّرعيّة التّاريخيّة التي قد يدّعيها هذا الحاكم أو ذاك فهي شيء من أشياء الماضي»(7).
2 – العدالة الانتقاليّة
إنّ طي صفحات الماضي، من خلال آليّات العدالة الانتقاليّة، يعدّ أحد المداخل اللاّزمة لعمليّة التّحوّل الدّيمقراطي. فمن أجل بناء الثّقة بين المواطنين والدّولة السّوريّة الجديدة ومعالجة المظلوميّات العديدة، يجب تشكيل هيئة مستقلّة للعدالة الانتقاليّة، تتكوّن من قضاة ومحامين وممثّلين عن المجتمع المدني، بهدف محاسبة مرتكبي الجرائم ضدّ السّوريين، ضمن مبدأ «عدم الإفلات من العقاب»، وتقديم التّعويضات لأهالي الضّحايا والمصابين والمعتقلين. بحيث «تُعدّ الخطوة الأولى نحو الانتقال السّياسي التّعدّدي تشكيل هيئة حكم انتقاليّة تضمن عمليّة تحوّل منظمة وشاملة، تمهّد الطّريق نحو استقرار مؤسّسي حقيقي»(8).
فإلى جانب تعقيدات التّحوّل «يبرز حجم المشكلات المتراكمة بفعل الاستبداد وانتشار الفساد وغياب الحرّيات، وهشاشة مؤسّسة القضاء، وعدم القدرة على تدبير الاختلاف المجتمعي، هي عوامل تجعل التّحوّل مستحيلا، في غياب مصالحة وطنيّة شاملة وعدالة انتقاليّة حقيقيّة»(9).
3 – الدّستور الدّائم
يُعتبر إنجاز دستور دائم من قبل هيئة منبثقة عن جمعيّة تأسيسيّة توافقيّة (أي المجلس التّشريعي حسب الإعلان الدّستوري) مهمًّا لضمان نجاح التّحوّل الدّيمقراطي، باعتباره ناظمًا لسياسات الدّولة الدّاخليّة والخارجيّة.
4 – الثّقافة السّياسيّة الدّيمقراطيّة
بعد غياب الحياة السّياسيّة في ظلّ ديمومة الاستبداد لـ 54 عامًا ليس سهلًا انتشار ثقافة سياسيّة حديثة، تؤهّل المواطن لاختيار قيادات تمثّله ومراقبة مدى التزامها ببرامجها المعلنة. ولكن من الضّروري أن تتمتّع النّخب بهذه الثّقافة، كي تفتح المجال لنجاح عمليّة التّحوّل الدّيمقراطي، ومن ثمَّ تحوّل السّياسة فعلًا مجتمعيًّا تشاركيًّا، يجمع بين الحرّية والتّجربة والمصلحة العامّة.
وتبرز الكثير من المؤشّرات إلى أنّنا في حاجة ماسّة إلى «ترسيخ ثقافة سياسيّة داخل المجتمع وفي أوساط الفاعلين السّياسيّين تقوم على المشترك، وعلى قيم المواطنة بأبعادها القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، وما يتّصل بذلك من قيم وسلوكات وقناعات وتمثّلات تتحكّم في علاقة الأفراد فيما بينهم، أو في علاقتهم بالسّلطة السّياسيّة الحاكمة، وبالحياة السّياسيّة وبقضاياها المختلفة، سواء على مستوى توخّي الحوار والعيش المشترك والتّسامح والتّداول السّلمي على السّلطة، وكذا نبذ العنف والتّطرّف والإرهاب ورفض الفساد بكلّ أشكاله»(10).
ولا شكَّ أنّ تعزيز الثّقافة الدّيمقراطيّة تدريجيًّا ضروريّة لعمليّة التّحوّل القابلة للاستمرار، ممّا يتطلّب استقرار الدّولة السّوريّة الجديدة وشرعيّتها أوّلًا، وتلبية الحاجات الاقتصاديّة والاجتماعيّة ثانيًا، طبقًا لرؤية عزمي بشارة حول مآلات الثّورة التّونسيّة.
5 – دور المنظومة التّربويّة في التّنشئة السّياسيّة والاجتماعيّة
إنّ تنشئة الأجيال الجديدة تتطلّب التّلازم العضوي بين التّربوي والاجتماعي والسّياسي في المناهج الدّراسيّة، بما يرمي إلى تكوين المواطن المعترف بالآخر المختلف عنه، باعتبارها « تنشئة عمل»، تستوجب ممارستها في سلوكه اليومي، من خلال حرصه على حقوق المجتمع ومصالحه بقدر حرصه على حقوقه. إذ إنّ التّحوّل « يتطلّب فتح النّوافذ للحوار التّعدّدي الذي غيّبه النّظام السّابق، وإعادة اكتشاف الذّات التي هي متعدّدة من منظور الواقع»(11).
إنّها ثقافة المساهمة التي تقوم على اعتبار الأفراد مواطنين من حقّهم المساهمة في الحياة العامّة والتّأثير في المنظومة السّياسيّة وتوجيه عملها في أوطانهم، إنّها « مزيج بين التّطلّعات المختلفة وأحيانًا المتناقضة للأفراد والمجموعات الجزئيّة، بحيث تمكّن من التّعبير عن التّنوّع والخصوصيّة والوحدة من جهة، وعن الانسجام دون استسلام من جهة ثانية، وعن المساهمة والالتزام دون تهريج من جهة ثالثة. وكلّ هذا يعني أنّ الثّقافة السّياسيّة الدّيمقراطيّة هي ثقافة التّوازن والاعتدال»(12).
وتُعَدُّ التّربية أحد العناصر المهمّة القادرة على تنمية قيم التّفاعل والمشاركة والإيخاء بين المواطنين واتجاهاتها، من خلال(13): العمل على تنمية ثقافة الدّيمقراطيّة داخل المدرسة، تعميقًا لقيم التّسامح والاحترام المتبادل، والتّعبير عن الرّأي والحوار المثمر وتشجيع التّلاميذ على المشاركة في عمليّات صنع القرار. وتنمية قيم المواطنة لدى الشّباب، لضمان مشاركتهم الفعّالة في الحياة السّياسيّة، وتحقيق الأهداف المنشودة، والقدرة على نقدها وتقويمها.
إنّ المواطنة المتساوية هي التي تنتج الوطن، بل هي التي «تجعل من الوطن كيانًا سياسيًّا أساسه حرّية الفرد وحقوق الإنسان، وتمنحه معنى هو سيادة الشّعب، بصفتها سيادة الدّولة، التي يكون انتماء مواطناتها ومواطنيها إليها شكلًا من انتمائهن وانتمائهم إلى الوطن»(14).
وفي هذا الإطار تبرز أهمّية منظّمات المجتمع المدني التّطوّعيّة في تدعيم التّنشئة المواطنيّة، انطلاقًا من الإحساس بعمق الانتماء الوطني ومسؤوليّة المشاركة المجتمعيّة. ممّا يعطي هذه المنظّمات وجهة تمكّنها من القيام بدور هيئات تنمية الاعتدال والاتزان في الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّـة. كماتبرز أولويّة « توحيد النّظم التّعليميّة الرّاهنة في نظام واحد، وإعادة توجيه محتويات مناهجها وفق فلسفة جديدة، تتبنى قيم الانفتاح العقلي – النّقدي وقبول الآخر والتّعدديّة، وغيرها من قيم مجتمع المواطنة المتساوية»(15).
6 – إصلاح المؤسّسات وإعادة تأهيلها
يُعدّ الاستقرار بمعناه الشّامل وديمومته استحقاقًا وشرطًا لا بدَّ منه كي تطوي سورية صفحة الصّراع وتنطلق في عمليّة إعادة البناء الشّامل. ونقطة البدء هي إنهاء حالة العسكرة ونزع السّلاح من يد الميليشيّات والأفراد، ووضعه تحت تصرّف الدّولة، فالعسكرة لا تتعايش مع الحياة المدنية تحت أيّ مسمى، وهنا تبرز أهمّية قناعات الأفراد والجماعات بضرورة مغادرة فكرة العسكرة والتّعويل عليها في ضمان الأمان، هذا الأمان الذي يجب أن يوكل إلى قوّة الدّولة والقانون.
إذ إنّ نجاح عمليّة التّحوّل الدّيمقراطي يتطلّب إصلاح مؤسّسات الدّولة وإعادة تأهيلها، خاصّة الأمن والقضاء والتّعليم، بما يضمن فصل السّلطات واستقلال القضاء والحرّيات العامّة وقانون مرن لإنشاء الأحزاب السّياسيّة ومنظّمات المجتمع المدني، لأنّنا بحاجة إلى ضوابط للعمل السّياسي والاجتماعي.
وفيما يتعلّق بالأجهزة الأمنيّة يعرف السّوريّون التّأثير الكبير الذي كانت تتمتّع به على حياتهم السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، في ظلّ النّظام البائد، ولذلك فإنّ تفكيك هذه الأجهزة وإعادة بنائها يعدّ أولويّة حيويّة، ممّا يفرض اعتماد حكامة أمنيّة توازن بين فرض النّظام من جهة، واحترام الحقوق والحرّيات من جهة أخرى. ولا شكَّ أنّ النّجاح ينبغي أن يعتمد على مؤسّسات اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة متجدّدة، تتضمّن معارضات سياسيّة ونقابات مهنيّة مستقلّة، وصولًا إلى الشّرعيّة الانتخابيّة. ومن المهم أيضًا الإصلاحات الاقتصاديّة الكفيلة بتحقيق التّنمية التّشاركيّة، بهدف تحسين الأوضاع الاجتماعيّة. ويبدو أنّ نجاح التّحوّل السّياسي والقانوني مرهون بهذه الإصلاحات، خاصّة أنّ سوء هذه الأوضاع كان محرّكًا أساسيًا للحراك الشّعبي في سنة 2011.
إنّ تحدّيات كثيرة ستواجه سورية في المرحلة الانتقاليّة، ممّا يتطلّب تأسيس أحزاب سياسيّة نوعيّة ومختلفة، حاضنتها الاجتماعيّة من شابّات وشباب سورية، وبوصلتها المصالح العليا للشّعب والوطن، ترفع ألوية الفكر والسّياسة والواقع، بدل الأيديولوجيا التي قتلت الفكر والرّوح، تتبنّى الدّيمقراطيّة منهجًا وقيمًا وسلوكًا وعملًا، وتؤمّن بالعمل المشترك مع الآخرين، وتعمل بالعقليّة المؤسّساتيّة، بما تقتضيه من فرق عمل متناغمة ومتكاملة وذات جدوى، تقيم حياة حزبيّة داخليّة ديمقراطيّة، مؤسّسة على الشّفافيّة والمحاسبة والنّقد والمراجعة، والانتشار الأفقي بين مختلف المكوّنات السّورية، على أساس برامج تستجيب لتطلّعاتها.
ومن غير الممكن تصوّر سورية لكلّ مواطنيها بمعزل عن عودة الرّوح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسّساته المستقلّة عن سلطة الدّولة، بما يخدم إعادة بناء الدّولة السّوريّة الحديثة. إنّ الدّولة التي لا تستمد مشروعيّتها من مجتمعها المدني، وليد مفاهيم السّياسة المدنيّة والعقد الاجتماعي، تكون هشّة وضعيفة مهما ادّعت القوّة. باعتبار المجتمع المدني قوة اقتراح ومراقبة وتعزيز أداء السّلطة، وتفعيل مشاركة المواطنين في رسم السّياسات العامّة. إذ من الصّعوبة بمكان إعادة بناء الدّولة السّوريّة الجديدة، بعد ديمومة الاستبداد لـ 54 سنة، دون فضاء سياسي تعدّدي، يقطع مع الاستبداد وينهي حكم الميليشيّات العسكريّة، ويمنع إدارة المرحلة الانتقاليّة بعقليّة فئويّة.
وفي هذا السّياق فإنّ قرار 53 الصّادر عن وزارة الخارجيّة، في 27 آذار/مارس الماضي، بإنشاء « الأمانة العامّة للشّؤون السّياسيّة»، باعتبارها بوّابة لتنظيم العمل السّياسي، يصادر القانون الذي ينتظره نشطاء الشّأن العام، والذي كفله الإعلان الدّستوري، في 13 آذار/مارس، حيث ورد في المادة 13 منه « تكفل الدّولة حرّية الرّأي والتّعبير والإعلام والنّشر والصّحافة»، وكذلك المادة 14 «تصون الدّولة حقّ المشاركة السّياسيّة وتشكيل الأحزاب على أسس وطنيّة وفقًا لقانون جديد، وتضمن الدّولة عمل الجمعيّات والنّقابات». في حين أنّنا أحوج ما نكون بحاجة إلى عدم احتكار العمليّة السّياسيّة، والبحث عن أوسع توافق بين أغلب التّيارات السّياسيّة الفاعلة، على قاعدة الحلول الواقعيّة للتّعاطي مع تحدّيات هذه المرحلة الصّعبة.
7 – ضمانة أوسع توافق مجتمعي
بما يضمن اندماج كلّ مكوّنات الشّعب السّوري تحت راية الوطنيّة الجامعة، من خلال إنشاء منصّات حواريّة بين انتماءات فكريّة وسياسيّة متنوّعة، وعقد ورشات تدريب على مهارات معينة للشّباب والنّساء « على كيفيّة حلّ النّزاعات بطرق سلميّة، وتعلّم تقنيات مثل الوساطة وحلّ المشكلات بصورة جماعيّة، إضافة إلى تشكيل فرق وساطة تتكوّن من أفراد محايدين من المجتمع السّوري يمكنهم التوسّط في الخلافات والتّحديات المحلّية، وتشجيع السّوريين على المشاركة في مشروعات تنمويّة تهدف إلى تحسين الظّروف المعيشيّة، مثل المشروعات الزّراعيّة أو الخدميّة. وتنظيم ورشات تثقيفيّة يجري التّركيز فيها على قيم التّسامح واحترام التّنوّع الثّقافي والدّيني والإثني في داخل المجتمع السّوري »(16).
8 – السّياسة الخارجيّة
يمكن للدّول العربيّة والإقليميّة والغربيّة أن تدعّم برامج التّنمية وإعادة الإعمار، مع الحرص على عدم عرقلتها للإصلاح المؤسّسي وضمان حقوق الإنسان. وفي المقابل، يجدر بقيادة المرحلة الانتقاليّة أن تطمئن هذه الدّول بأنّها ستعمل من أجل أمان المنطقة والعالم واستقرارهما، وعدم تصدير الإرهاب لدول الجوار والعالم.
وهكذا، فإنّ السّياسة التي نريد إعادة تأسيسها في سورية لا تسعى فقط لإصلاح الدولة وتحديثها ولكن تعمل على تجذير مشروعيتها، على طريق إنجاز عمليّة التحوّل الدّيمقراطي، أي مشروع دولة تقوم على رؤية شاملة توظّف الموارد الاقتصاديّة والبشريّة، وتحسم في التّوجهات والاختيارات وتدافع عن المصالح العامّة. ممّا يستوجب انتقال سورية إلى تبنّي سياسات تميّز بين الدّولة والسّلطة، وحقّ المواطنين في نقد سياسات السّلطات التّنفيذيّة، ممّا يتطلّب وجود معارضة تلجم تغوّل السّلطة على الدّولة والمجتمع.
خامسًا. أهم الاستنتاجات والتّوصيات
1 - إنّ تجارب دول العالم لا تقدِّم صيغة جاهزة للانتقال من السّلطويّة الى الدّيموقراطيّة، لكنّها تؤكّد أهمّية التّوافق الوطني وتطوّر المؤسّسات السّياسيّة والمدنيّة والاقتصاديّة، وحسن التّعاطي مع تحدّي التّغيير الدّستوري والانتخابات وخطر العمل السّياسي المسلّح.
2 - الثّقافة الدّيمقراطيّة التي تساهم في التزام سيادة القانون وحقوق المواطن والتعدّدية السّياسيّة، هي نتاج تطوّر تدريجي للنّظام الدّيمقراطي ونشوئه على مراحل. إذ إنّ شروط الانتقال تتلخّص في استقرار الدّولة وشرعيّتها، وثقافة النّخب السّياسيّة المساندة للدّيمقراطيّة، وعدم معارضة الجيش والأجهزة الأمنيّة للانتقال، وأيضًا عدم وجود بيئة إقليميّة معادية للدّيمقراطيّة.
3 - ثمّة عقبات كثيرة أمام التّحوّل الدّيمقراطي، على مستوى الأفراد والمجتمع، وتاريخ الدّولة السّوريّة، والنّظام الإقليمي والدّولي، ولكنّ البناء الدّيمقراطي السّليم للمؤسّسات، وصياغة دستور عصري، هما الضّمانة لنجاح التّحوّل.
4 - إنّ سورية أحوج ما تكون إلى الدّولة القادرة والعادلة والفاعلة، دولة الحقّ والقانون والمؤسّسات الدّستوريّة والتّنمية الشّاملة المستدامة، حقوق المواطنين فيها هي واجبات الدّولة، بما هي دولة الكلّ الاجتماعي. هي دولة كلّ مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، يشارك فيها الأفراد والمكوّنات الاجتماعيّة مشاركة فعليّة من خلال المؤسّسات.
5 - إنّ توسيع المشاركة الشّعبيّة، في عمليّة صنع القرارات، يتطلّب تشجيع منابر الحوار وتبادل الأفكار والتّعبير عنها بحرّية، وإقامة قنوات مفتوحة بين المواطنين والسّلطة، وإفساح المجال أمام المواطنين لتشكيل المنظّمات الطّوعيّة، بالإضافة إلى تعزيز دور مؤسّسات المجتمع المدني لتأتي تعبيرًا عن خيارات المجتمع. كما تقتضي تكريس سيادة القانون، وتوفير الآليّات الفعّالة التي يمكن للمواطنين من خلالها ممارسة حقوقهم التي ينصّ عليها الدّستور الدّائم، وتمكين المواطنين من الحصول على المعلومات والبيانات الضّروريّة لفهم الواقع والتّأثير فيه.
6 - إنّ التّحوّل الدّيمقراطي في سورية، يرتبط، من بين شروط عديدة أخرى، بوجود نخبة سورية وازنة من مختلف الاتجاهات الفكريّة والسّياسيّة، ذات ثقافة ديمقراطيّة، وبدون هذه النّخبة لن يكون من الممكن تحقيقه.
7 - طبقًا للشّرعة العالميّة لحقوق الإنسان لم يعد الحديث عن ديمقراطيّة سياسيّة بمعزل عن الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة يكفي. وفي سورية، تفرض الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة هذا التّلازم.
8 - إنّ الحديث عن طغيان الأغلبيّة الدّينيّة، سيتحوّل عمليًّا إلى طغيان مجموعة حاكمة مستبّدة، وسيتحوّل المواطنون إلى أغلبيّة مقموعة مسلوبة الحقوق، أيًا كان دينهم وانتماؤهم.
9 - لا يمكن ديمومة عمليّة التّحوّل الدّيمقراطي إلاّ عبر إرساء تنشئة اجتماعيّة سليمة، تقوم على احترام حقوق الإنسان، والالتزام بالواجبات والتّمتّع بالحقوق، وعلى تنمية شخصيّة الفرد ودفعه نحو التّكيّف الإيجابي مع محيطه، والإسهام في بلورة مواقف وسلوكيّات مواطنة، تؤمن بالمشترك في إطار من الحرّية والمسؤوليّة.
10 - مختلف الجماعات والتّوجهات والتّيارات السّورية موجودة وستبقى في الواقع السّوري، والكلّ على سفينة واحدة، ويواجهون مصيرًا واحدًا، ومن مصلحة الجميع العمل على تقريب وجهات النّظر فيما بينهم، والبحث عن المشتركات، وإدارة خلافاتهم بالآليّات الدّيمقراطيّة، واجتراح معالجات مبتكرة لها تراعي مصالح الجميع دون تمييز، إذا أرادوا دولة وطنيّة حديثة قادرة على دخول العصر.
الهوامش
(1) أنظر مقالنا «تحديات التحوّل الديمقراطي وكيفيات نجاحه في سورية (1-3)، مجلّة الإصلاح، العدد 216، جويلية 2025
(2) راجع ثائر أبو صالح، الديمقراطية وأهم معوّقاتها...، المرجع السابق.
(3) راجع توفيق المديني: سورية الجديدة...، المرجع السابق.
(4) نزيه كوثراني، في مفهوم « الدّولة المدنيّة « (2)، صحيفة « الأوان « الكويتية – 21 كانون الأول/ديسمبر 2011.
(5)عبد الباسط سيدا، الديمقراطية التقليدية ومجتمعاتنا بدولها المأزومة، صحيفة « العربي الجديد « – 14 أيار/مايو 2024.
(6) ريمون معلولي، استراتيجيات مقترحة لمواجهة الطائفية في المجتمع السوري، مركز حرمون للدراسات المعاصرة – المركز 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.
(7) محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت، ط2 1997، ص 130.
(8)رؤية « الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان « لتحقيق التعددية السياسية وتشكيل هيئة العدالة الانتقالية – 6 آذار/مارس 2025.
(9) إدريس لكريني وآخرون، أطوار التاريخ الانتقالي/مآل الثورات العربية، العدالة الانتقالية وأثرها في التحوّل الديمقراطي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تشرين الثاني/نوفمبر 2015، ص 503.
(10) إدريس لكريني، المشترك والطريق نحو التنمية والديمقراطية، صحيفة « الخليج « الإماراتية -8 شباط/فبراير 2025.
(11) إميل بدارين وآخرين، أطوار التاريخ الانتقالي/مآل الثورات العربية، عن فرص بناء أفق سياسي تعددي في دول الثورات العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تشرين الثاني/نوفمبر 2015، ص 302/.
(12)عبد الفتاح عمر، التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية في الوطن العربي، الثقافة السياسية والديمقراطية، المعهد العربي لحقوق الإنسان – 1994.
(13)محمد محمد سكران، التربية وحوار الثقافات، صحيفة « الأهرام « المصرية – 25 كانون الأول/ديسمبر 2002.
(14) جاد الكريم الجباعي، تأملات في المسألة الوطنية، دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر 2021، ص 129.
(15) ريمون معلولي، استراتيجيات مقترحة لمواجهة الطائفية..، المرجع السابق.
(16) ريمون المعلولي، الحوار بين السوريين ضروراته وسبل تفعيله، مركز حرمون للدراسات المعاصرة – 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
|




