باختصار

بقلم
عبدالقادر رالة
اللّغة واللّهجات
 كتب الكاتب الكبير والعبقري «جبران خليل جبران» في كتابه البدائع والطّرائف :«وفي اللّغات العامّية الشّيء الكثير من الأنسب الذي سيبقى، لأنّه أقرب الى فكر الأمّة، وأدنى الى مرامي ذاتها العامّة. قلت سيبقى وأعني بذلك سيلتحم بجسم اللّغة ويصير جزءا من مجموعها»(1). وهو يشير إلى أنّ اللّغة العربيّة الفصحى تُثرى ويتوسّع قاموسها وتتنوّع مفرداتها وتتفتّح عبقريّتها على الأدب والعلوم والفنون بالنّهل من اللّغات العامّيّة أو اللّهجات، وليس كلّ اللّهجات وإنّما بمفردات بعينها خاصّة، كانت تعبّر عن حال الأمّة العربيّة السّياسي أو الوجداني أو الفنّي في لحظة من لحظات تاريخها المتقلّب بين السّلم والحرب، بين التّحفّز للنّهوض والاستسلام للانحطاط!.. 
تلك المفردات سرعان ما تلتحم باللّغة العربيّة الفصحى وتصير جزءا من قاموسها.   
ويضيف قائلا في نفس الكتاب أنّ علاقة اللّغة العربيّة باللّهجات العربيّة ليس أمرا مقصورا عليها وإنّما تعرفه جميع لغات العالم الحيّة، فكلّ لغة عالميّة فصحى تعيش على ضفافها لهجات قد تكون كثيرة أو قليلة، ويضرب مثلا بأوروبا: «لكلّ لغة من لغات الغرب لهجات عامّية، ولتلك اللّهجات مظاهر أدبيّة وفنّية لا تخلو من المرغوب الجميل والجديد المبتكر»(2).
كانت اللّغة العربيّة في العهد الجاهلي لهجات متعدّدة تنتشر في مكّة والمدينة ونجد واليمن وبادية الشّام وعلى أطراف العراق، وبعد ظهور الإسلام توحّدت في لهجة واحدة؛ لهجة قريش التي غدت أساسا للّغة العربية الفصحى. «وأصبح القرآن الكريم سورا للعربيّة الفصحى يدفعُ عنها كلّ أذى، ويردّ عنها كل عادية، وبذلك حفظ اللّغة العربيّة الفصحى ممّا خضعت له سائر اللّغات من التقهقر والتّشعّب والضّياع والاندثار»(3). 
كان للقرآن الكريم دور فعّال وعميق في تطوّر اللّغة العربيّة والحفاظ عليها من الضّياع والاندثار، ثمّ ما لبثت بعد قرون قليلة أن صارت لغة الحضارة والاقتصاد والعلوم والفقه والفلسفة والأدب والفنون خلال العصور الوسطى، وعلى طول العالم القديم بصحاريه ووديانه وجباله ومحيطاته وحواضره وموانئه ..
لكن هيمنة اللّغة العربيّة على الحضارة والعلوم لم تستمر، إذ تعرّضت البلاد العربيّة والإسلاميّة لهجمات عدوانيّة مدمّرة عرفت في التّاريخ بالحروب الصّليبيّة، وحركة الاسترداد الكاثوليكيّة في الأندلس والمغرب، والانزياح المغولي القادم من صحاري منغوليا، ثمّ حركة الاستعمار العالميّة التي جعلت من القضاء على اللّغة العربيّة ومحاربة الدّين الإسلامي أهمّ أهدافها حتّى يتسنّى لها السّيطرة على ثروات الشّعوب ومقدراتها الاقتصاديّة والسّياسيّة!..
كانت الضّربات قويّة وعنيفة وموجعة ومتتالية كادت أن تنال من اللّغة العربيّة لولا القرآن الكريم وتراثها الأدبي والعلمي والثّقافي الزّاخر والمتنوع ...
« لا يمكن أن تتقدّم لغة وأمّتها متأخّرة. فتقدّم اللّغة العربيّة وتطوّرها مرهون بتقدّم الأمّة العربيّة نفسها وتطورها. ونحن اليوم في العالم العربي، نحيا في حضارة لم نشارك في صنعها منذ ثمانية قرون، إنّ استعمالنا للّغة العربيّة أو عدم الاستعمال لا يخرجنا من هذا الاغتراب والاستلاب الذي نحن فيه، إنّنا نعيش في محيط أجنبي عن لغتنا وتصوّرنا للكون والإنسان»(4).
ولعميد الأدب العربي طه حسين رأي في التّحديات التي تواجه اللّغة العربيّة أذ ليست التّكنولوجيا أو العلوم التي تخضع لسيطرة اللّغات الانجليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة، وإنّما في تحديد موقفنا نحن من اللّغة العربيّة بين التّفريط والإفراط، بين الاحتقار وتضخم الأنا (الجمعي للعرب) ، إذ كتب قائلا:«وكذلك تضيع اللّغة العربيّة، وتضيع الوحدة العربيّة أيضا ـ، ويضيع التّراث العربي كلّه بين المسرفين في المحافظة والمسرفين في التّجديد، والنّاس جميعا يقولون إنّ خير الأمور أوسطها ـ لكنّ أكثر ما يُقال ـ وأقلّ ما يُقال»(5).
تبقى اللّغة العربيّة الفصحى منطلقا لأيّة نهضة مرجوة في العالم العربي وأساسها، مع اعتماد ذكيّ وعملي على المفيد من التّراث العالمي المتنوّع، والحسن والجيد من التّراث العربي والإسلامي..
« وتكون اللّغة العربيّة في هذه الحالة بمثابة الملكة المتوّجة على العرش الوطني، وتظلّ اللّهجات واللّغات المحلّية المختلفة بمثابة الأميرات اللاّتي تساعدن الملكة في بعض الأمور دون أن تحللن محلّها بأيّ حال من الأحوال»(6)..
« فلولا اللّغة التي تتّصل بواسطتها أفكار الأجيال بعضها يبعض لضاعت أفكار الأجيال منذ الخليقة وتجدّدت الحياة البدائية للجماعات جيلا بعد جيل، وهنا نلمس علاقة اللّغة والتّاريخ والثّقافة»(7).
واللّغة العربيّة هي التي جدّدتْ الثّقافة العربيّة جيلا بعد جيل، وهي التي دوّنت تاريخ البلاد العربيّة والأسر الحاكمة منذ أيام العرب قبل الإسلام والعهد النّبوي الى أواخر العهد العثماني وتكوين الدّول الحديثة، ولا تزال اللّغة العربيّة الحامل لأمال العرب وطموحاتهم في الوحدة والتّطور والرّقي والتّخلّص من الانحطاط!.. وأداة من أدوات النّهوض والتّموقع في هذا العصر.
 « ومن المؤكد أنّه لم يحدث لأمّة في التّاريخ أن أبدعت واخترعت وشيدّت حضارة راقية ، بغير لغتها الوطنيّة وفي مناخ غير مناخ ثقافتها الأصيلة»(8).
الهوامش
(1) جبران خليل جبران ، البدائع والطرائف ،منشورات الأنيس ، الجزائر ، ط 2018،ص56
(2) المرجع نفسه ،ص56
(3) أنور الجندي ، عالمية الإسلام، دار المعارف ، القاهرة ، ط 1977،ص106
(4) عبدا لحميد بن هدوقة ، بان الصبح ،المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ،ط2 1984،ص 136
(5) طه حسين ، من أدبنا المعاصر ، دار تلا تقليت ،بجاية ،ط 2016 ،ص 52 
(6) أحمد بن نعمان ، الهوية الوطنية ، الحقائق والمغالطات ، دار الأمة ، الجزائر ،ط1996 ،ص12
(7) المرجع نفسه ،ص17
(8) المرجع نفسه ،ص135