نقاط على الحروف
| بقلم |
![]() |
| الباشا بوعصيدة |
| الأسرة التّونسيّة مرحلة التّشخيص (2-2) |
3 - الإنشاء
بعد تناول طبيعة العلاقات داخل الأسرة التّونسيّة وجملة الأدوار التي يفترض أن تحقّقها هذه المؤسّسة، نمر لتناول مرحلة الإنشاء وهي مرحلة تنطلق ما قبل الزّواج لتتوّج بعقد القران. وقد تعمدنا تأخير تناول هذه المرحلة لأنّ المفترض في الإنشاء أن يكون بهدف وعن دراية وعلم. قمنا بتناول جملة الأدوار المنوطة بعهدة العائلة ثمّ مررنا لتناول هذه المرحلة المفصليّة والمحدّدة في نجاح أو فشل الأسرة.
1.3 - مرحلة ما قبل الخطوبة
بدءًا، يفترض أن يكون هناك تعارف بين القرينين قبل الزّواج، وهي مرحلة تحضيريّة للزّواج حتّى يحدّد كلّ من الطّرفين إن كان مستعدًّا لإنشاء أسرة مع الطّرف الثّاني أو لا. لكنّ السّؤال المطروح قبل ذلك هو: كيف يختار الشّاب والشّابة شريكه؟ وماهي مقاييس الإختيار؟
في هذه المرحلة التي تسبق الخطوبة وليس فيها أي ارتباط بين الطّرفين غير أنّهما في فضاء مشترك من قبيل الدّراسة، أو العمل، أو العائلة الموسّعة، أو الحيّ، أو عبر مواقع التّواصل الاجتماعي وغيرها من الفضاءات المشتركة. وأحيانًا أخرى يقع التّعرّف بصفة غير مباشرة، بمعنى أنّ هناك وسيطًا يثق المتقدّم للخطبة فيه ومن خلاله في الطّرف المقابل.
هناك جزء من التّونسيين يعتبرون أن اختيار الشّريك المستقبلي يكون أفضل من خلال وسيط ثقة، ويعتبرون أنّ معرفة العائلة ومنشأ الطّرفين هو ضامن لحسن الاختيار، ثمّ يكون التّعارف المباشر في مرحلة الخطبة. وهناك جزء آخر من التّونسيين يعتبرون أنّ معرفة الشّخص في فضاء مشترك بصفة مباشرة أمر ضروريّ قبل الخطوبة.
وتعترض التّوجهان في الحقيقة جملة من الصّعوبات. فالعلاقات بين العائلات والصّداقات الحقيقيّة قلّت نظرًا لكثرة مشاغل الحياة والتّفكّك المجتمعي. أمّا مشكلة التّوجّه الثّاني فتتمثّل في العلاقات العابرة وغير الجدّيّة التي طغت على المشهد.
2.3 - مرحلة الخطوبة
نظريّا جُعلت مرحلة الخطوبة مقدّمة ضروريّة للزّواج، إذ المقصود منها تحقيق التّعارف قصد بناء تصوّرات مستقبليّة لبناء حياة زوجيّة سليمة يذهب بها الخطيبان إلى عشّ الزّوجيّة مطمئنّين على مستقبل أسرتهما النّاشئة، أو إيقاف التّجربة مبكّرا قصد تخفيف الكلفة المعنويّة والمادّية التي عادة ما تنجرّ عن الزّيجات الفاشلة التي تُختم بالطّلاق.
واقعيّا شابت هذه المرحلة الكثير من العوامل التي انحرفت بها عن دورها الأصلي، ومن أهمّ هذه العوامل انزياح مفهوم الخطوبة عن أصله، إذ تحوّلت إلى فترة زمنيّة قد تطول أو تقصر، يحاول فيها كلّ طرف في الخطبة إقناع الطّرف الآخر بصلاحه للزّواج، فطغى على المرحلة عدم العفويّة والتّكلّف السّلوكي والمادّي الذي يٌعمي عن حقيقة سلوك كلّ واحد منهما ويخفي رغباته وطلباته الحقيقيّة من الزّواج، كلّ ذلك تحت ضغوط مجتمعيّة ترى فسخ الخطوبة أمرا معيبا في حقّ طالبه، ويتّهم بنقص الجدّية وسوء السّلوك، ممّا يعسّر عليه إعادة الكرة.
كذلك من بين أهم الضّغوطات التي تؤثّر في حرّية الخيار والتي يفترض أن تكون مطلقة في هذا السّياق، وهي التّكاليف... يمثّل الجانب المادّي في عاداتنا مؤشّرا للمواصلة، فكلّما كان الإنفاق المادّي أوفر، كلّما مثّل ذلك عنصر ضغط على خيار التّرك، ذلك أنّه يتدخّل في حال التّردّد ويكون له تأثير مهم.
هذه المناخات تجعل من الخطوبة امتحانا عسيرا ينفّر من الانطلاق في بناء أسرة أو يخفي توتّرا ينطلق أحيانا منذ ليلة الزّفاف.
3.3 - مرحلة الزّفاف
تشهد هذه المرحلة ضغطاً مجتمعيّاً كبيراً، حيث ترفع تكاليف الزّواج بشكل كبير. فبرغم اختلاف العادات بين الجهات في مختلف ربوع تونس إلاّ أنّ تكاليف الزّفاف تبقى باهظة على الطّرفين في كلّ الحالات. فلو قارنّا معدّلات تكاليف ليلة الزّفاف بمعدّلات مداخيل الشّباب لأدركنا الصّعوبة المادّية للزّواج. هذه المصاريف لا يستفيد منها كلا العروسين، ولكنّ الأبوين من جهة والمجتمع من جهة أخرى يمارسان ضغطا على العريسين وذلك في إطار التّنافس والتّباهي.
في ظلّ عدم وضوح الأهداف عند كلّا الطّرفين، وفي ظلّ صعوبة الاختيار، وفي ظلّ الضّغوطات المادّية، وفي ظلّ الصعوبات التي تعترض العائلة التّونسيّة نورد أرقاماً عن العزوف.
في السّنوات الأخيرة أصبحت الأرقام تتسارع نحو الأسوإِ والتي تبيّن أنّ الرّغبة في الزّواج تتناقص، وهو ما يعني أنّ مؤسّسة الأسرة لم تعد جذّابة.
4 - التّفكيك
1.4 - التّفكيك في أرقام
لا يمكن تناول مبحث الأسرة التّونسيّة من حيث التّشخيص دون المرور على مرحلة الطّلاق. ولعلّ هذا المبحث قانوني وحقوقي واجتماعي بامتياز، ففي حال الهدم كما هو في حال البناء، للزّوجة حقوق وواجبات، وللزّوج حقوق وواجبات.
لن نسلط الضّوء على كلّ التّفاصيل القانونيّة، ولكنّنا سنقدّم نقدًا مقتضبًا للواقع التّونسي انطلاقًا ممّا توصلنا إليه من معطيات.
بدءًا، يكون الطّلاق في تونس لضرر أو إنشائيًّا أو بالتّراضي، ونسب هذه الحالات على التّوالي هي: 41.65 %، 48.37 %، و9.98 %.
* الطّلاق بالتّراضي: عادةً ما يكون الأسرع، حيث يمكن أن يتمّ في غضون بضعة أشهر إذا كان هناك اتفاق كامل بين الطّرفين.
* الطّلاق للضّرر: قد يستغرق وقتًا أطول، حيث يتطلّب إثبات الضّرر وتقديم الأدلّة، ممّا يمكن أن يستغرق أكثر من سنة.
* الطلاق الإنشائي: يمكن أن يكون معقّدًا ويستغرق وقتًا أطول، خاصّة إذا كانت هناك نزاعات حول الحضانة أو الممتلكات، وقد يستغرق من سنة إلى ثلاث سنوات.
وهذا يعني أنّ عمليّة الطّلاق في تونس عمومًا عمليّة معقّدة وطويلة الأجل.
أما فيما يخصّ التّكلفة المادّية، فإنّها تنقسم إلى صنفين. الصّنف الأوّل يتعلّق بتغريم من طلّق الطّلاق الإنشائي أو تغريم الطّرف المقابل في حالة الطّلاق لضرر مثبت، ويمكن أن تصل هذه الغرامة إلى مئات الآلاف من الدّنانير، ويمكن أن تقسم إلى جراية شهريّة.
أمّا القسم الثّاني فهو النّفقة على الأبناء، وهو قسم يتعلّق بالرّجال حصراً دون النّساء، ويتراوح ما بين 150 د و600 د للابن الواحد، بحسب القدرة المادّية للرّجل. وهذا يعني أنّ التّكلفة المادّية للطّلاق في تونس هي تكلفة كبيرة نسبيًا مقارنة بمعدّلات الدّخل الفردي.
بالرّغم من السّياسة الممنهجة لتعسير عمليّة الطّلاق من قبل المشرّع التّونسي، إلاّ أنّ نسب الطّلاق في تونس في ارتفاع متواصل، خاصّة في السّنوات الأخيرة. فمنذ سنة 2022، ارتفعت حالات الطّلاق إلى ما يزيد عن 35 ألف حالة، في حين كان معدّلها في السّنوات ما بين 2000 و2020 لا يتجاوز 14ألف حالة.
هذه الأرقام نتاج منطقي لكلّ ما سلف من تشخيص للمنظومة الأسريّة في تونس، وتعتبر أحد عوامل العزوف التي لم نتطرق لها في العنصر السّابق.
2.4 - التّفكيك والإخلالات القانونيّة والاجتماعيّة
لطالما رفع صنّاع هذه المنظومة الأسريّة شعار المساواة بين المرأة والرّجل، لكنّنا نجد أنّ هذا الشّعار لا يتطابق مع الواقع والقانون فيما يخصّ مرحلة الهدم. ونسرد بعض التّناقضات القانونيّة مع هذا المبدأ.
أولاً، يعتبر القانون التّونسي أنّ النّفقة على الأبناء وعلى الطّليقة واجب من واجبات المطلّق دون المطلّقة، حتّى وإن كانت المطلّقة تشتغل ولها مورد رزق يفوق دخل المطلّق.
ثانياً، يعتبر القانون التّونسي أنّ الحضانة حقّ من حقوق المطلّقة دون المطلّق، وهذا يمثّل تناقضًا من جهتين: فهو تناقض مع مبدأ المساواة من جهة، وتناقض مع مبدأ أنّ النّفقة الأصل فيها أن تكون مقترنة بالحضانة. وهذا من الأسباب الرّئيسيّة في تهرّب جزء من الآباء المطلّقين من واجب النّفقة.
ثالثاً، يعتبر حقّ الزّيارة لمن لم يسعفه القانون في حقّ الحضانة حقاً صوريّاً، حيث لا يوجد حدّ أدنى لدوريّات الزّيارة ولا لمددها. كما أنّ كيفيّتها غير مضبوطة، فهل هي في منزل من يتمتّع بحقّ الحضانة أم في منزل الطّرف المقابل؟ ولفظ «الزّيارة» يعني أنّها في منزل من يتمتّع بالحضانة، وهو ما يجعله أمراً غير معقول وصعب المنال وحقّاً صوريّاً في الحقيقة.
رابعاً، في حالة الطّلاق الإنشائي، يعتبر المتضرّر هو الطّرف المقابل بطريقة آليّة، وهذا استسهال من المشرّع. ليس بالضّرورة أن يكون من طلب الطّلاق هو الطّرف الظّالم في القضيّة، خاصّة وأنّ الطّلاق الإنشائي هو الأكثر شيوعاً في تونس وهو الأكثر تكلفة.
هذا الخلل القانوني له تأثير اجتماعي عكسي، حيث إنّ القانون من حيث حاول دعم المرأة المطلّقة من جهة الحقوق جعل منها متّهمة اجتماعيّا بصفة شبه آليّة.
فاجتماعيّا، في أغلب الحالات، تُجرَّم المطلّقة ولا يمكنها الزّواج مرّة ثانية بسهولة، خاصّةً إذا كانت هي المكلّفة بالحضانة. لكن في المقابل، لا يُعيب الطّلاق الرّجل، ويمكنه الزّواج مرّة ثانية دون اعتراضات اجتماعيّة تُذكر..
وبهدف التّخفيض من نسب الطّلاق حاول المشرّع تعسير هذه العمليّة من النّاحية المادّية ومن ناحية الإجراءات القانونيّة، ولكنّه بذلك لم يجعله حقًا طبيعيًّا لكلا الطّرفين في الخروج من الشّراكة. ومع ذلك، ورثت هذه المنظومة معركة ثقافيّة بين الرّجل والمرأة، ممّا أدّى في كثير من الأحيان إلى تفكّك للأسر وتضرّر الأفراد والمجتمع بأسره على حدّ سواء.
3.4 - الإشكالات القانونيّة والتّداعيات
جمعنا في هذه الفقرة بعض نصوص من مجلة الأحوال الشّخصيّة لنبرز أنّ المجلة تستحقّ تنقيحا عميقا ليس في هذه النّصوص فحسب بل في أكثر منها. إنّ ماورد في هذه الورقة ليس إلّا أمثلة محدودة.
الطّلاق لا يتمّ إلاّ من خلال المحكمة، وفقًا لما ينصّ عليه الفصل 30 من مجلة الأحوال الشّخصيّة، ولا يُعتبر الطّلاق ساريًا إلّا بعد صدور حكم نهائي في هذا الشّأن.
وقد حدّد الفصل 31 من مجلة الأحوال الشّخصية أنواع الطّلاق، والتي تنقسم إلى ثلاثة:
1.الطّلاق بالتّراضي
يتمّ هذا النّوع من الطّلاق بالاتفاق بين الزّوجين، ولا يُعتمد هذا الاتفاق إلّا بعد تأكيده أمام القاضي. وعادةً ما يتناول التّراضي مسألة إنهاء الرّابطة الزّوجيّة وكلّ ما يتعلّق بدعوى الطّلاق، مثل نفقة الأبناء، حضانتهم، سكنهم، وغيرها من الأمور المرتبطة بالطّلاق. كما أنّ الطّلاق بالتّراضي لا يُلغي الجلسات الصّلحيّة المقرّرة قانونًا.
2. الطّلاق للضّرر:
يحدث هذا النّوع عندما يتعرّض أحد الزّوجين للضّرر من الآخر، ممّا يُعتبر إخلالًا بالواجبات الزّوجيّة التي تتطلّب عدم إلحاق الأذى بالزّوج. يمكن أن يكون الضّرر مادّيًّا أو معنويًّا، وتقوم المحكمة بتقديره بناءً على اجتهادها والقرائن والأدلة المتاحة في كلّ حالة.
3. الطّلاق بناءً على رغبة أحد الزّوجين:
في هذا النّوع، لم يميّز المشرّع بين الزّوجين في حقّ طلب الطّلاق عند استحالة الحياة الزّوجيّة، حيث يتمتّع كلّ من الرّجل والمرأة بنفس الحقّ. ما يميّز هذا النّوع من الطّلاق هو أنّه يتيح لطالب الطّلاق عدم الحاجة إلى تبرير طلبه، ولا يحقّ للزّوج الآخر الاعتراض عليه.
لذا، يتعيّن على طالب الطّلاق توضيح نوع الطّلاق في عريضة الدّعوى، ويمكنه تعديل نوع الطّلاق لاحقًا سواء خلال الجلسات الصّلحيّة أو الحكميّة.
وفي جميع الأحوال، وفقًا للفصل 32 من مجلة الأحوال الشّخصيّة، لا يجوز للقاضي إصدار حكم بالطّلاق، مهما كان السّبب القانوني، إلاّ بعد إجراء محاولات صلحيّة إلزاميّة بين الزّوجين.
4. النّفقة
نصّ الفصل 46 من مجلة الأحوال الشّخصيّة على أنّ النّفقة تستمر للأبناء حتّى بلوغهم سنّ الرّشد أو حتّى انتهاء مراحل تعليمهم، بشرط ألاّ يتجاوز عمرهم الخامسة والعشرين. كما أنّ البنت تبقى مستحقّة للنّفقة إذا لم يكن لديها مصدر دخل أو إذا لم تكن نفقتها واجبة على زوجها.
بالإضافة إلى ذلك، يستمر الإنفاق على الأبناء ذوي الإعاقة الذين لا يستطيعون الكسب، بغضّ النّظر عن أعمارهم. وبذلك، فإنّ سنّ الاستحقاق للنّفقة هي كما يلي:
* بالنّسبة للأبناء: بشكل عام حتّى سن 18، وإذا كان الابن يواصل تعليمه، فإنّ النّفقة تستمر حتّى سن 25.
* بالنّسبة للبنات: لا يوجد سنّ محدّد في القانون، بل تستمر استحقاقات البنت للنّفقة حتّى يتوفّر لها مصدر دخل ثابت، أو تتزوّج ويتمّ الدّخول بها، ممّا يجعل نفقتها واجبة على زوجها (وفقًا للفصل 38 من مجلة الأحوال الشّخصيّة).
* بالنّسبة للأبناء والبنات ذوي الإعاقة، تستمر النّفقة حتّى يصبحوا قادرين على الكسب الشّخصي أو حتّى تجب نفقة البنت على زوجها.
5. الحضانة
الأصل في حضانة الأطفال هو حقّ الأبوين طالما أنّ العلاقة الزّوجيّة قائمة بينهما، وهو ما نصّ عليه التّشريع التّونسي في الفصل 57 من مجلة الأحوال الشّخصيّة (الذي تمّ تنقيحه بالقانون عدد 49 لسنة 1966 المؤرخ في 3 جوان 1966). ومع ذلك، تظهر الإشكالات عند انفصال هذه العلاقة.
عرّف القانون التّونسي الحضانة بأنّها مسؤوليّة حفظ الطّفل وتربيته، وحدّد بعض الشّروط الأساسيّة العامّة لمنح الحضانة. وقد أكّد الفصل 58 من مجلة الأحوال الشّخصيّة (الذي تمّ تنقيحه بالقانون عدد 7 لسنة 1981 المؤرخ في 18 فيفري 1981) على ضرورة أن يكون الشّخص المستحقّ للحضانة مكلّفًا وأمينًا، وقادرًا على رعاية المحضون، وخاليًا من الأمراض المعدية.
بالإضافة إلى ذلك، إذا كان المستحقّ للحضانة ذكراً، يجب أن يكون لديه من النّساء من يمكنه حضانة المحضون، وأن يكون محرماً بالنّسبة للأنثى. أمّا إذا كانت المستحقّة للحضانة أنثى، فيجب أن تكون غير متزوّجة، إلّا إذا رأى القاضي خلاف ذلك لمصلحة المحضون، أو إذا كان الزّوج محرماً للمحضون أو وليّاً له، أو إذا سكت المستحقّ للحضانة لمدّة سنة بعد علمه بالدّخول ولم يطالب بحقّه، أو إذا كانت مرضعة للمحضون، أو كانت أمّاً ووليّة له في الوقت نفسه.
وضع المشرّع شروطًا إضافيّة في الفصل 59، حيث نصّ على أنّه إذا كانت الحاضنة من غير دين والد المحضون، فلا تصحّ حضانتها، إلاّ إذا لم يكن المحضون قد أتمّ الخامسة من عمره، وألاّ يُخشى عليه أن يتأقلم مع غير دين والده. كما أنّ أحكام هذا الفصل لا تنطبق على الأمّ إذا كانت هي الحاضنة، حيث لا يُشترط أن تتوافق الأمّ في الدّين مع والد المحضون، نظرًا لأنّها الأحقّ بالحضانة، حتّى وإن كانت على دين مختلف عن دين الأب، ما لم يتبيّن أنّ هناك خطرًا على المحضون في حال حضانتها. أمّا إذا كانت الحضانة لشخص آخر غير الأمّ، فيجب الالتزام بمقتضيات الفصل 59 من مجلة الأحوال الشّخصيّة.
4.4 - التعليق:
إنّ النّاظر في فصول مجلة الأحوال الشّخصيّة المذكورة أعلاه يتجلّى له دون ريب أنّ الخلفيّة الثّقافيّة لكاتبي هذه المجلّة متأثّرة أيّما تأثّر بنصوص الفقه الإسلامي السّائد في نهاية الخمسينات من القرن العشرين فترة كتابة المجلّة من خلال الفحوى واللّفظ، إلى جانب ذلك تبرز محاولة للتّحديث وخاصّة من خلال شعار توفير مكاسب للمرأة والتّضييق على دور الرّجل في الأسرة على أساس تخفيف مفهوم القوامة السّائد في ذلك الوقت الذي تحوّلت فيها القوامة إلى شبه ملكيّة الرّجل للمرأة، فبرز ردّ الفعل جليّا في تضييق سبل الطّلاق وإعطاء الأولويّة في الحضانة للمرأة، وإثقال كاهل الرّجل المطلق بالنّفقة على الأبناء والغرامات للزّوجة.
من خلال هذه الملاحظات نستنتج أن ادعاء كاتبي المجلّة دعم المساواة بين الرّجل والمرأة أسقط المجلّة في جملة من التّناقضات من مثل «تنفق ولا تحضن»، فسقطت في عدم التّوازن بين الحقوق والواجبات، وهذا مخلّ بمنطق العدالة العقلاني كما أنّه لا سند له من نصوص الفقه الإسلامي.
وعليه أصبح من الضّروري إعادة النّظر في فصول المجلة بعين مطلعة جيّدا على الفقه الإسلامي بكلّ أبعاده ومقاصده، وعين على الواقع الاجتماعي المتحرّك نحو مستقبل مختلف مدفوع بالتّطورات التّقنية والمادّية الحديثة، والتّخلّص من بعض هِنات المجلّة التي انتجت واقعا اجتماعيّا نحسب أنّه نفر من الحياة الزّوجيّة ومدّد في سنّ العزوبة بحثا عن فتح أفاق قانونيّة تجسّد أسرة متوازنة يخفّ فيها التّجاذب بين الزّوجين وييسّر القانون تماسكها. |




