مرايا
| بقلم |
![]() |
| د.عزالدين عناية |
| نحن والفكر النقديّ |
لا تربط الفكرُ النّقدي بالكائن البشري حاجة عابرة، وإنّما هو عنصر أصيل من عناصر التّفكير السويّ لديه. فلا ينحصر دور هذا الفكر في التّنديد بما قد يتهدّد الرّصيد القِيَمي والجمالي من تآكلٍ، أو بما قد يعتري حياة البشر من زيف جرّاء تغوّل الأيديولوجيا والدّيماغوجيا، وإنّما تأتي الحاجة إلى الحضور المستدام للفكر النّقدي لأجل تعزيز رصيد النّاس المعرفي، والتوقّي من مخاطر فقدان الكينونة، وهو ما قد يحدث جراء الإيقاع بالنّاس من حيث لا يعلمون.
يتعزّز ذلك الحضور للنّقد بغرض دفع النّاس صوب المسلك القويم في تقييم الأشياء، وانتهاج سبيل الرّشاد في تبنّي الخيارات الحرّة. وبالتّالي يبدو مفهوم الفكر النّقدي، من هذا الجانب، مغريا، وأداة فعّالة بحوزة المرء لفرز الغثّ من السّمين حين تختلط الثّنايا، وتختلّ المقاييس. كون العمليّة النّقدية تقف على نقيض الخيارات السّلبيّة، وتؤسّس لوجود متحرّر من شتّى أوجه الاغتراب. لذا تلوح الفعلة النّقديّة، بصرف النّظر عن دوافعها ونتائجها، مغامَرةً واعية وليست مقامَرة يائسة، تهدف لاستعادة الأصالة، وتأسيس الوجود الحقّ، والقطع مع السّلبيّة.
ومع هذه الحمولة الإيجابيّة التي ينطوي عليها الفكر النّقدي، يظلّ في كثير من الأحيان مبهَمًا، تغشاه ضبابيّة يعوزها التّفصيل والتّوضيح، وتفتقر إلى البيان والتّبيين. ولو شئنا شرح تجلّيات الفكر النّقدي في المعيش اليومي، وتقفّي آثاره المباشرة، لقلنا هو القدرة التي تتيح للمرء العيش في العالم وليس خارجه، والمشي سويّا على قدميه وليس مكبّا على وجهه. إذ يشكّل الفعل النّقدي المتأتي من الوعي النّقدي نحتًا للكيان، وإغناءً للذّات قبل أن يكون تتبُّعا لعورات الآخرين وترصُّدًا لسقطاتهم أو تشهيرا بزلّاتهم. وبالتّالي الفكر النّقدي هو إدراكٌ واعٍ قائم على التّحليل والتّقييم لأيّ طرْح وأيّ عرْض، بغرض تبيّن حظوظ التّلاؤم مع الواقعيّة. والأمر في هذا الجانب، يتعلّق بآلة قياس تَقِي ضدّ الخديعة وسوء الفهم لذواتنا ولنظرائنا في العالم.
لكن ثمّة أسئلة جوهريّة على صلة بالموضوع على غرار علامَ يقوم الفكر النّقدي؟ وما هي مقوّماته؟ وهل هو آلة متعدّدة الأوجه تناسب كل الوقائع والحالات بما يعني القدرة التي بوسعها التّعامل والتّكيف مع كلّ الظروف والأحوال؟
بادئ ذي بدء، نشير إلى أنّ اكتساب هذه المَلَكة يتضافر مع جملة من القدرات ينبغي بلوغها، على غرار التّجرّد في الحكم والنّباهة النّقيض للاستحمار. ومن ثَمَّ فإنّ الفكر النّقدي هو أهليّة يجري تطويرها على مراحل، وليس معطى مورَّثا أو مكتَسبًا في الحين، كما أنّه ليس معتقدا أو خيارا يتبنّاه المرء ويركن إليه بدون مراجَعة أو إعادة نظر، كما قد يتصوّر البعض خطأ، وإنّما هو سياق معرفي تصنعه عوامل تاريخيّة متداخلة وأوضاع اجتماعيّة حاضنة.
كان الفكر النّقدي في مفهومه القديم مجرّد مجافاة للسّائد المجتمعي والاعتقاد الجمعي، من قِبل أفراد أَبَوْا الانخراط في الحشد ومجاراة المألوف. ويأتي الإغريقي «كسينوفان دي كولوفان» (ق 6 ق. م) من الرّواد في سلسلة العقول النّقديّة التي وقفت ضدّ تجسيم الذّات الإلهيّة. وقد عبّر عن ذلك في قوله الشّهير: «يتصوّر النّاس الآلهة متولّدة كإيّاهم، وتمتلك ألسنة، وتصدر عنها أصوات، وتميّزها أبدان على شاكلتهم... تَمثَّلوا آلهتهم على هيئتهم، الزّنجي يراها فطساء الأنوف والأشقر يراها شقراء الشّعر وزرقاء العيون... حتّى الخيول والثّيران لو قُدّر لها أن تعرف الرّسم لرسمت الآلهة في صور مماثلة لها، ولكانت لنا صور إلهيّة مضاهية لكلّ الأصناف الحيوانيّة». ولكن بعيدا عن الطّابع السّاخر لذلك الفكر النّقدي مع «كسينوفان»، فقد كان الرّجل على قناعة راسخة بوحدانيّة الألوهيّة، بوصفها محلّ الكمالات كافّة.
تلك العمليّة النّقدية لم تغب في تاريخنا القديم عنّا، وقد ورد صداها عبر جملة من المواقف في التّراث العربي القديم. ولكن تلك العمليّة النّقديّة ما كانت تتمّ في تصوّر الجاهليّ ضمن إطار نسقيٍّ جدليٍّ، وإنّما في ظلّ نفور عفويّ لا وعي معرفيّ. ولم يتطوّر الأمرُ إلى صياغة رؤى وجوديّةٍ سياقيّـة قائمـة على أسـس مغايـِرةٍ. نجد ذلك في ما أورده الكلبي في «كتاب الأصنــام» أنّ رجلا من كنانة قَدِم إلى صنم سعد تبرّكًا وتقرّبًا، فما راعه إلاّ أن نفرت إبله عند رؤية تلطّخ الصّنمِ بالدّماء، فما كان منه إلّا أن رمى ربّه بحجر، وقال: «لا بارك اللّه فيك إلهًا أَنفرْتَ عليّ إِبِلي» وأنْشدَ:
أَتيْنا إلى سعد لِيجمَع شملنــــا *** فشتّتنا سعد فلا نحن من سعـد
وهل سعد إلّا صخرة بتنوفــــة *** من الأرض لا يدعى لِغيّ ولا رشد
وبالمثل موقف ذلك الرّجل الذي لفي الثّعلبان قد تبوّل على رأس صنمه، فصدح قائلا:
أربّ يبول الثّعلبان برأســــه *** لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالـب
فلو كان ربّا كان يمنع نفسـه *** فلا خير في ربّ نأتْه المطالـــب
وبالتّالي ما بلغنا من لوامع الوعي النّقدي من الحقبة الجاهليّة، سواء مع مبغضي الوثنيّة أو مع أتباع الحنيفيّة، قد دار حول رفض بعض الطّقوس انطلاقا من تخمينات ذاتيّة، ولم يتحوّل الأمر إلى تقليد رؤيويّ يطبع التّصوّرات الجماعيّة. ومن ثَمَّ فالوعي النّقدي ما كان مطلبا جماعيّا، لِما يطبع حياة الحشد من ركون للسّائد. ولو نظرنا إلى مستهلّ الحقبة الحديثة لرأينا أن الإنسانويّة قد مثّلت فكرا ناقدا للسّائد الكَنَسي، ولكنّ الإنسانويّة التي أزهرت مع «توماس مور»، و«إرازموس دي روتردام»، و«خوان لويس فيفاس»، و«جون كوليت» لم تعمّر طويلا لترثها رؤى أكثر نضجا.
وفي تاريخنا الحديث نعرف أن «كانط» في ثلاثيته، «نقد العقل الخالص»، و«نقد العقل العملي»، و«نقد ملكة الحكم»، قد أدرج النّقد شرطا ضمن سياق صوابيّة الفعل، بوصف النّقد أحد دعامات فلسفة التّنوير؛ غير أنّ النّقد مع تطوّر القراءة الماركسيّة للرّأسماليّة، ونقد البنى الاجتماعيّة، والقوى المتحكّمة بالأوضاع الاجتماعيّة، اتخذ طابعا أيديولوجيّا، وهو ما تطوّر لاحقا بشكل موسع مع «جورج لوكاش»، و«أنطونيو غرامشي».
فالفكر النّقدي قد تتهدّده من داخله أعراض الانحراف التي تظهر في التّأدلج والتّحزّب والتّمذهب. مع هذا، فالخطّ النّقدي، بصرف النّظر عن حمولته الأيديولوجيّة أحيانا، يظلّ مسعى للكشف عن فحوى ما هو سائد وبيان ما يعتريه من نقص. وبشكل عام، وضمن فهمٍ سياقي للفكر النّقدي، فهو عمليّة ذهنيّة تطورية تجري داخل صيرورة تاريخيّة وليس معطى ثابتا.
وفي عصرنا الحالي المشبّع بالتفرّع، تنوّعت حقول النّقد: النّقد الأدبي، والنّقد الفنّي، والنّقد السّينمائي وغيرها، وكأنّ هذه الحقول الرّخوة بحاجة إلى صرامة لا يتكفّل بها سوى العقل النّاقد، وذلك لفرز ما هو محض وخالص مما هو مزوَّر وشبيه ودخيل. ومن ضمن تلك الفروع النّقديّة نشير إلى النّقد السّياسي أيضا. فإن يكن الهدف الرّئيس للنّقد السّياسي التّطلّع إلى إيجاد مواطنين مسؤولين لا رعايا خاضعين، وإشاعة ثقافة المسؤوليّة لا ثقافة الأداء، فإنّ العمليّة في جوهرها هي ممارسة مستقلّة وراقية للقدرات العقليّة.
ولكن ينبغي أن نعي أنّ صعود تلك المراقي النّقدية لا ينبع من فراغ، بل يتأتى عبر سياق بحث، كما يقول «جون ديوي» في كتاب «كيف نفكر». لسبب واضح، أنّ الفكر هو بحث وحفر، وإحاطة واستقصاء، أو باختصار هو تساؤل، والفكر النّقدي يعلّمنا كيف نكون عقلاء في زمن تدحرجت فيه حشود إلى ما دون سنّ الرّشد. |




