تحت المجهر
| بقلم |
![]() |
| د.عبدالسلام الحمدي |
| كيف يمكن أن تكون المقاربة الحضاريّة الزّيتونيّة مثمرة؟ |
1. أيّ مفهوم لاختصاص الحضارة الإسلاميّة؟
ينطوي التّساؤل القادح لهذا العمل على تسليم ضمنيّ بوجود مرجع عينيّ للعنصر الإحاليّ «المقاربة الحضاريّة الزّيتونيّة»، ويستمدّ ذلك التّسليم وجاهته من اعتقاد وفرضيّة، فأمّا الاعتقاد فأنّ تلك المقاربة لا بدّ أن تكون موجودة لسببين على الحدّ الأدنى، أحدهما أنّ الدّرس الحضاريّ اختصاص تهيمن عليه وجهة نظر يتراءى تأثيرها فكريّا وعمليّا، وأساسها مبدأ التّشكيك في كلّ المسلّمات التّراثيّة، وثانيهما ضرورة وجود مقاربة في صلب جامعة الزّيتونة تتفاعل مع المنتَج المعرفيّ المعياريّ من أجل الإثراء والتّطوير. وأمّا الفرضيّة فوجود ملامح ما ينطبق عليه ذلك الضّرب من الإحالة، وأظهرها للعيان تناول بحوث الزّيتونيّين، بخلفيّة إيمانيّة، لمسائل حضاريّة من المشاريع الإصلاحيّة والتّجارب الدّينيّة والقضايا الفكريّة ... فهذه المواضيع وتلك الخلفيّة عنصران من أساسيّات معنى المركّب النّعتيّ «مقاربة حضاريّة زيتونيّة».
إذن، توجد لبنة يمكن البناء عليها، ولكنّ هذه اللّبنة تشوبها مشكلات جمّة ناجمة عن ملابسات استحداث اختصاص الحضارة الإسلاميّة والشّبهات المقترنة به حتّى اللّحظة، وأشدّ ما يعيق محاولات الارتقاء بالدّرس الحضاريّ في الحقل الجامعيّ الزّيتونيّ، من تلك المشكلات، التّوجّس خيفةَ انزلاقه إلى مقاربة غير إيمانيّة، وليس هذا الهاجس ناشئا من فراغ، وإنّما هو أثَر لمركّب من عامل ذاتيّ وآخر موضوعيّ، ذلك أنّه على قدر ما جانبت سبيلَ الرّشادِ سياسةُ الدّولة لأمر جامعة الزّيتونة منذ إنشائها أواخر عام سبعة وثمانين وتسعمائة وألف (1987)(1)، أسهم ضيّقو الأفق المعرفيّ من الفاعلين الزّيتونيّين في تعطيل كلّ مسعى إصلاحيّ.
يرجع إحداث تلك اللّبنة، على ما يبدو من الوثائق الرّسميّة، إلى قرار وزاريّ صدر سنة خمس وتسعين وتسعمائة وألف (1995) لضبط نظام الدّراسات والامتحانات في المعهد الأعلى للحضارة الإسلاميّة(2)، إذ نصّ على تشعيب المرحلة الثّانية من الدّراسة في مادّة العلوم الإسلاميّة إلى ثلاث شُعَبٍ إحداها اختصاص الحضارة الإسلاميّة(3). وقد أُرفِقَ بقرار آخر من نوعه يخصّ المعهد الأعلى لأصول الدّين(4)، ولا تشعيب في هذا المُرفَق، لكنّه يدرج في الوحدات التّعليميّة عناوين ذات دلالة حضاريّة، من قبيل: تاريخ الفلسفة القديمة، تاريخ الإسلام، تاريخ الفلسفة الوسيطة، علم الاجتماع الدّينيّ، الفكر الإسلاميّ الحديث، العلوم والفنون، التّفسير المعاصر والفكر الإسلاميّ المعاصر ...(5)
وكانت وزارة التّربية والتّعليم العالي والبحث العلميّ قد أدرجت، في قرار صادر عنها عام تسعين وتسعمائة وألف (1990) ضبطا لقائمة الأقسام بمؤسّسات التّعليم العالي والبحث العلميّ(6)، «قسمَ الثّقافة الإسلاميّة» ضمن تشعيب داخل المعهد الأعلى للحضارة الإسلاميّة(7)، ويرى الأستاذ إلياس قويسم، المدرِّس بهذا المعهد حاليّا وأحد الّذين واكبوا في مرحلة الطّلب تفعيل ذلك القرار(8)، أنّه يمكن اعتبار القسم المذكور «النّواة الأولى لقسم الحضارة الإسلاميّة»(9)، رغم أنّ الموادّ المميّزة للاختصاص الموصول بتلك النّواة هي العلوم الشّرعيّة لا المسائل الحضاريّة(10).
وفي خطوة أخرى على سبيل تعزيز هذا الاختصاص، أُنشِئَ بقرار وزاريّ عام اثنين وألفين (2002)(11) «قسم الحضارة» في المعهد الأعلى لأصول الدّين(12)، وينجلي عدم تخصيص المضاف، في تسميته، بالنّعت «الإسلاميّة» عن القصد إلى أن تستغرق الدّراسات داخله ما لا يشمله اهتمام نظيره الّذي ثبّته القرار نفسه ضمن قائمة أقسام المعهد المجاور(13)، وهو «قسم الحضارة الإسلاميّة» الّذي يُفترَض أن تدور برامج التّكوين فيه، أساسا، على منجَز المسلمين الحضاريّ بأبعاده الكلّيّة والجزئيّة وقضاياه المتقادمة والمستجدّة.
يتعذّر استبيان العوامل الكامنة وراء كلّ تلك القرارات الوزاريّة ما لم يستقص النّظرُ السّياقَ الظّرفيّ الّذي ألقى بظلاله على البلاد التّونسيّة خلال تسعينات القرن المنقضي والعشريّة الأولى من الألفيّة الثّالثة، إذ يتّضح في ضوء المعطيات السّياقيّة أنّ مسمّى «اختصاص الحضارة الإسلاميّة» تشكّل بحكم توازنات فرضتها مآلات صراعٍ حسمته السّلطة السّياسيّة لصالح القوى العلمانيّة على حساب خصمها ذي الخلفيّة الدّينيّة، فالظّاهر أنّ إدراج ذلك الاختصاص في شُعَبِ جامعة الزّيتونة لم ينبع من إرادة خرّيجي التّعليم الزّيتونيّ التّقليديّ.
من العوامل السّياقيّة الّتي مازال صدى انعكاساتها يتردّد في مواقف الزّيتونيّين حتّى اليوم عمل السّلطة السّياسيّة على فرض منوال فكريّ داخل جامعة الزّيتونة يجافي تقاليد مدرسيّة ألِفَها المدرّسون المختصّون بالعلوم الشّرعيّة هناك، وهو ما يظهر في المنصوص عليه بالقرار الوزاريّ الضّابط لنظام الدّراسات والامتحانات من عناوين الوحدات التّعليميّة الموكولة إلى اختصاص الحضارة الإسلاميّة، إذ تبدو صيغها التّركيبيّة(14)مجرّدة من الاحتكام إلى المنهجيّة المعياريّة الإيمانيّة في التّطرّق إلى المسائل، وتتراءى كأنّها إحالات على عناصر تعليميّة في جامعة غربيّة لا صلة لمرجعيّتها بالإسلام.
وتسفر العناوين، أيضا، عن تغييب العلوم الشّرعيّة في منظومة الوحدات التّعليميّة المبرمجة لاختصاص الحضارة الإسلاميّة، فلا وجود لوحدة تعليميّة مخصّصة لواحد من تلك العلوم، وهو ما يُشعِر النّاظرَ فيها بأنّه حيال نسخةٍ طبقَ نظام الدّراسات الحضاريّة داخل أقسام العربيّة من كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وذلك من أثر تحكيم السّلطة السّياسيّة لأساتذة هذه الكلّيّات، ولاسيّما المنتسبين إلى هاتيك الأقسام، في هندسة البرامج التّعليميّة بمؤسّسات جامعة الزّيتونة، حتّى يشكّلوا العقل الزّيتونيّ على مرادهم.
لقد خلّف هذا المسلك في ضبط اختصاص الحضارة الإسلاميّة بجامعة الزّيتونة انطباعا سلبيّا عن الدّرس الحضاريّ لمّا يفارق الزّيتونيّين التّقليديّين، ذلك أنّهم يعدّونه مدخلا إلى التّشكيك في كلّ «معلوم من الدّين بالضّرورة»، ولهذا لا يغادرون موقف الاستنفار إزاء المدرّسين المشتغلين به، وهؤلاء من خرّيجي كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، فلا غرو أن تختلف معالجتهم للمسائل الفكريّة عن التّقليد المدرسيّ الضّارب في تاريخ التّعليم الدّينيّ، لكنّ اختلافها عنه ما فتئ يغذّي القطيعة النّفسيّة بين المنتدَبين للتّدريس بمؤسّسات الجامعة من الفريقين.
ليس انتداب خرّيجي كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة للتّدريس بصفتهم أساتذة في اختصاص الحضارة الإسلاميّة من تقاليد جامعة الزّيتونة، وإنّما هو ملاذ لجأت إليه هذه الجامعة منذ السّنة الجامعيّة (2015-2016)، إذ اقتضته الضّرورة بحكم انعدام متخصّصين في الدّرس الحضاريّ من الزّيتونيّين، ويعود ذلك في تقديرنا إلى تضافر أسباب ظرفيّة من ملابسات إنشاء الاختصاص وعوامل عميقة تتّصل برواسب ذهنيّة موروثة عن الخصائص الثّقافيّة للتّعليم الدّينيّ التّقليديّ.
أمّا الأسباب الظّرفيّة فقد عرّجنا على أخطرها في ما سبق من كلامنا، وأمّا العوامل العميقة فأقواها تأثيرا استقرار الدّرس الحضاريّ في متخيَّل المدرّسين الزّيتونيّين كضرب من التّرف الفكريّ، إذ ليس من الأساسيّات في تصوّرهم لوظيفة جامعة الزّيتونة، على اعتبار أنّ محور المنظومة التّعليميّة بتلك الجامعة هو العلوم الشّرعيّة الّتي يدرّسونها، وهم لا يرون غضاضة في أن تُسنَد إلى أيٍّ منهم مهمّةُ إنجاز ذلك الدّرس دون تقيّد بمنهج يميّزه عن تخصّصاتهم، وهذا ممّا يفسّر قول أحدهم عند افتتاحه جلسة مناقشة ملفّ تأهيل في اختصاص الحضارة الإسلاميّة، متحدّثا عن أعضاء لجنة المناقشة، موجّها خطابه، ضمنيّا، إلى شخصنا وقد لفت نظره اشتغالُنا بوضع أسس نظريّة وإجرائيّة للمقاربة الحضاريّة(15):
«فلان متخصّص في أصول الدّين، وفلانة متخصّصة في علوم القرآن، وفلان متخصّص في التّاريخ، وفلان متخصّص في علوم الحديث، فاللّجنة تشتمل على متخصّصين في مختلف أبعاد الحضارة الإسلاميّة».
يكشف هذا القيل عن تمثّل سطحيّ لاختصاص الحضارة الإسلاميّة يجرّده من مقتضيات نظريّة وإجرائيّة لا يستقيم أيّ اختصاص أكاديميّ دون توفّرها فيه، إذ لا يعدو ذلك الاختصاص في منظور الأغلب الأعمّ من مشايخ الزّيتونة كونه ملتقى للمنتسبين إلى سائر الاختصاصات، فليس مُحوِجًا، على ما يتراءى لهم، إلى مقاربة محدّدة بإطار من أسس نظريّة وضوابط منهجيّة تعبّر عن خصوصيّة الدّرس الحضاريّ، وإنّما الاشتغال بذا النّوع من الدّرس متاح لكلّ جامعيّ مهما تكن مكتسباته المعرفيّة وقدراته المنهجيّة، ولا يتطلّب إنجازه تكوينا على شرط معيَّن.
أدّت الانعطافة الّتي شهدتها تونس مطلع سنة إحدى عشرة وألفين إلى تنفُّذِ حمَلة هذا التّصوّر لاختصاص الحضارة الإسلاميّة في مؤسّسات جامعة الزّيتونة، فتيسّر لهم التّضييق على كلّ ذي نفَس نقديّ بأحدّ سلاح من وسائل الاغتيال الرّمزيّ، وهو الوصم، ذلك أنّهم كرّسوا المقاربة الوصفيّة في الدّرس الحضاريّ بدعوى الامتثال إلى السّنّة المعرفيّة الزّيتونيّة على اعتبار أنّها أوفى المسالك لتعاليم الدّين(16)، ورسّخوا التّسليم بأنّ أيّ عدول عن تلك السّنّة استهداف لثوابت الإسلام ونسْج على منوال المغرضين في إثارة الشّبهات المضلّة، حتّى أمسى المدرّس على غير نهجهم معرّضا لأن يُرمَى بشائبة «لوثة الآداب».
وهكذا ظلّ اختصاص الحضارة الإسلاميّة، حتّى الآن، شأنا متنازَعا على مفهومه بين فريقين من المدرّسين بجامعة الزّيتونة، أحدهما خرّيجو هذه الجامعة من ذوي الخلفيّة المعياريّة المحكِّمة للمنطق الفقهيّ(17)في تقويم الدّرس الحضاريّ، وثانيهما المتخرّجون من كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وهؤلاء يغلب عليهم المنزع النّقديّ في معالجة القضايا المعرفيّة والمنهجيّة(18). بيد أنّ التّقليد الزّيتونيّ الثّابت على المقاربة الوصفيّة، عموما، مازال يضرب أطنابه في بحوث الماجستير ورسائل الدّكتوراه من أعمال طلبة ذلك الاختصاص.
2. بِمَ تتّسم البحوث الحضاريّة المنجَزة في جامعة الزّيتونة؟
تستمدّ المقاربة الوصفيّة في جامعة الزّيتونة وجاهتها من هيمنة التّقليد المعرفيّ الزّيتونيّ بخلفيّته المتحفّزة على الدّوام لمقاومة كلّ انزياح نظريّ أو إجرائيّ عن مسلّماتها وسننها ومعاييرها، وبفعل عوامل إيديولوجيّة أو دوافع منفعيّة ركن لذلك التّقليد بعض المدرّسين في تلك الجامعة من خرّيجي كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، ومن طريف مواقف أولئك أنّه حين شجر الخلاف في شأن تسمية لائحة المصادر والمراجع بين القائلين بأنّها قائمة والمصرّين على أنّها فهرس، كان رأي أحدهم أنّ إدراجها في الفهارس أولى لأنّه «عُرْفٌ زيتونيّ» وجب التزامه.
يستند التّقليد المعرفيّ الزّيتونيّ إلى مبدأ تنزيه العلماء، من الأصوليّين والفقهاء والمحدّثين وسائر المشتغلين بعلوم الدّين، في خياراتهم المنهجيّة ومذاهبهم الفكريّة، فالمرتهن لذلك التّقليد على اعتقاد لا يداخله ريب أنّ مؤلَّفاتهم، في تفسير القرآن وعلم الحديث واستنباط الأحكام وغير هذه الحقول من المعارف الدّينيّة، كانت بمنأى عن تأثيرات أحوالهم الاجتماعيّة والسّياقات الظّرفيّة الّتي عايشوها، وينبني اعتقاده هذا على أنّ مضامين تلك المؤلّفات محصّنة من مفاعيل نوازع البشريّة وإكراهات الاجتماع في ذوات مصنّفيها بحكم صرامة الضّوابط العلميّة الّتي احتكموا إليها.
هذه المسلّمة، الّتي تكاد تجعل أعلام علوم الدّين بمثابة الرّموز المقدّسة، ممّا يفسّر إحدى شوائب المقاربة الوصفيّة في الدّرس الزّيتونيّ، وهي النّزعة التّمجيديّة في تناول منجَزاتهم النّظريّة والعمليّة، وقد استفحلت حتّى أضحى اختيار المسائل الدّراسيّة محكوما، ضمنيّا، بشرط أن تكون منهجيّة معالجتها منسجمة مع موقف الانحياز إلى ما وقر في الأذهان من صورة مثاليّة لتاريخ الذّات المسلمة وثقافتها، وهو ما لم تسلم منه بحوث طلبة الماجستير والدّكتوراه في اختصاص الحضارة الإسلاميّة، إذ يطغى عليها الاهتمام بالمدوّنات الّتي يوافق محتواها الاتّجاه الفكريّ التّقليديّ السّائد في جامعة الزّيتونة.
ومازالت على المحكّ مساعي المدرّسين المتعلّقة هممهم بتطوير الدّرس الزّيتونيّ عموما والحضاريّ منه خصوصا، والواقع أنّ هذا الهمّ يتقاسمه، على حدّ سواء، متخرّجون في جامعة الزّيتونة ووافدون إليها من جامعات أخرى، لكنّ هؤلاء وأولئك أشتات في جهودهم الإصلاحيّة، ولا يصدرون عن رؤية مشتركة لمسالك الإصلاح، وليس أساتذة قسم الحضارة الإسلاميّة تحديدا متّفقين في تمثّل الاختصاص الّذي يُعنُون به، بل يراه كلٌّ منهم على مقتضى تخصّصه الأصليّ والتّكوين الّذي تلقّاه في مساره الدّراسيّ الجامعيّ.
وقد انعكس اختلاف مشارب المدرّسين المجموعين تحت اسم ذلك القسم على شبكة الوحدات التّعليميّة لاختصاص الحضارة الإسلاميّة في مستوييْ الإجازة والماجستير كليهما، إذ ما برحوا يشكّلون تلك الوحدات، في إطار الحملات الّتي تُنظَّم لتأهيل البرامج، على أساس من المحاصصة يراعي تخصّصاتهم الأصليّة ولا يستند إلى معايير موضوعيّة متّصلة بملامح الخرّيج المطلوبة، ولكوننا أبرز الفاعلين في خيارات القسم بصفتنا رئيسا له مدّة تقارب ستّة أعوام (15 ديسمبر 2017 – 12 أكتوبر 2023)، لا يسعنا التّنصّل من مسؤوليّتنا على الانجرار إلى هذا المنزلَق.
إذن، أدّى تضافر عوامل عديدة إلى طغيان المقاربة الوصفيّة على البحوث الحضاريّة في جامعة الزّيتونة حتّى زمن تحرير هذا المقال، ويمكن إجمال سمات تلك المقاربة في أربعة عناوين سبق أن تطرّقنا إلى أحدها، وهو النّزعة التّمجيديّة، أمّا الثّلاثة الأخرى فهي: امتثال المنطق المعياريّ وانتفاء الحسّ النّقديّ وغياب الأشكلة. وقد لا يخفى ما في مدلولات هذه العناوين من تداخل إلى حدّ الالتباس، وإنّما نتوخّى التّمييز بينها، هنا، لضرورة منهجيّة يستوجبها التّفصيل في استجلاء ما يعيق عن الإثمار من سنن التّقليد المعرفيّ الزّيتونيّ.
كثُر ما يُختَارُ موضوع البحث الجامعيّ في اختصاص الحضارة الإسلاميّة بدفع من موقف عقائديّ أو تخندق إيديولوجيّ، وبتأثير من هذا التّخندق أو ذاك الموقف تُصطفى مدوّنة تستجيب لمعايير ذاتيّة وتؤدّي منهجيّة دراستها إلى نتائج محدّدة سلفا، فاصطفاء المدوّنة واختيار الموضوع لا يَنتُجان، في الأغلب الأعمّ من منجِزي البحوث الحضاريّة، عن استشعار إشكالات معرفيّة تتطلّب معالجة بمنهج علميّ وتأمّلات متأنّية، بل يتمّان عموما تحت إكراهات من رواسب ذاكرة المؤسّسة الزّيتونيّة ومتخيَّلها في تفاعلها مع ذاتها وآخَرها.
ولذلك ينطلق البحث الحضاريّ في جامعة الزّيتونة، غالبا، من موقف تمجيد للمدوّنة الّتي يشتغل بها ولمنتِجها أو موقف إدانة إزاءهما، ولا يتأسّس على فرضيّة شارعة إلى تفكير يقوده منطق تفهّميّ يبتغي الاستكشاف لا إطلاق الأحكام المسبقة، فقد يختار الباحث مدارا لرسالته البحثيّة مدوّنة ينسجم محتواها مع خلفيّته العقائديّة أو الإيديولوجيّة كي ينوّه بفضل صاحبها في «خدمة الإسلام والمسلمين»، أمّا إذا ارتأى الاهتمام بمنجَز فكريّ من عمل امرئ يباين في آرائه الأفكار السّائدة على الصّعيد الزّيتونيّ فلأجل أن يبرز تعارض تلك الآراء وثوابت الدّين.
ليس الإشكال في المسعى ذاته إلى إثبات تعارض كهذا أو التّنويه بطرح فكريّ ما، وإنّما المشكلة أنّ هذه الثّنائيّة استوت موجّها نسقيّا يُسَيِّجُ اختصاص الحضارة الإسلاميّة، حتّى باتت كالسّنّة الّتي لا يستقيم الدّرس الحضاريّ الزّيتونيّ إلاّ بها بل تُعتبَر مخالفتها شُبهَة، وهو ما يسوّغ تجريمَ التّفكير خارج إطارها وتشويهَ محاولات التّطرّق إلى المسائل من زوايا نظر استكشافيّة، ومن شأن ذلك أن أدّى إلى قولبة الاختصاص بشكل صارف لأنظار الباحثين في مجاله عن القضايا الفكريّة الحارقة ومآزق التّديّن المعاصر خطابا وممارسة.
هكذا تشكّلت المعايير المحكَّمة، بوسائل من آليّات الإكراه الاجتماعيّ، في البحوث الحضاريّة الزّيتونيّة، وهي تنافي الشّروط الأكاديميّة الّتي يُفترَض أن تُؤخَذ بالحسبان في اختصاص الحضارة الإسلاميّة من أجل أن تكون منتَجاته المعرفيّة مثمرة ونافعة على سبيل تحيين المفاهيم والتّصوّرات مواكَبة لتطوّرات الفكر الإنسانيّ. وسيظلّ التّفكير المتحرّر من تلك المعايير متعذّرا في هذا الاختصاص مادام الباحثون المشتغلون به رهائن لتقاليد منهجيّة عفا عليها الزّمن وما عادت تسفر عن غير الأفكار البالية والاستنتاجات المكرورة.
ومن التّقاليد المنهجيّة الّتي تنيخ بكلكلها على اختصاص الحضارة الإسلاميّة وتمنعه من الإثمار بنية ثلاثيّة الأضلاع تسود البحوث الحضاريّة الزّيتونيّة، ولاسيّما المعنونة بالهيئة التّركيبيّة العطفيّة الآتية: [إحالة علَميّة + متعلّق بها](19)، فأمّا الضّلع الأوّل من تلك الثّلاثيّة فتعريف منتِج المدوّنة مجالِ النّظر دون توظيفٍ في خدمة الموضوع المطروق، وأمّا الضّلع الثّاني فتسليط الضّوء على عصر إنتاجها بلا تخصيص يساعد في فهم القضيّة المطروحة، وأمّا الضّلع الثّالث فعرض مضامينها بأسلوب سرديّ تعوزه أدوات التّحليل والتّفكيك ولا يبتغي سوى إطلاق الأحكام المعياريّة.
تتكرّر هذه البنية في البحوث الحضاريّة الزّيتونيّة بشكل يبدي أضلاعها الثّلاثة جزرا منفصلة لا يجمعها ناظم من الرّوابط الوظيفيّة، فعادة ما يُفرَد كلٌّ منها بفصل لا مفعول له في فصل آخر، وذلك على المنوال الآتي: الفصل الأوّل: تعريف الشّخصيّة محور البحث، الفصل الثّاني: لمحة عن عصر الشّخصيّة، الفصل الثّالث: الخوض في متعلّقات الشّخصيّة (فكر، دور ...). ومن أثر هذا المنوال اجترار المعطيات دون فائدة معرفيّة، إذ يُعرَّف العلَم الواحد، مثلا، على نحو لا يتغيّر مع تعاقب ما يتعلّق به من رسائل الماجستير والدّكتوراه رغم اختلاف عناوينها وتباين محاور اهتمامها.
وذلك ممّا يعكس افتقار البحوث في اختصاص الحضارة الإسلاميّة إلى الخلفيّة النّقديّة الّتي يَفقِد الدّرس الجامعيّ بغيابها معناه وجدواه ووجاهته المعرفيّة ومشروعيّته العلميّة، وليس النّقد في مفهومه الأكاديميّ إصدار أحكام على الأفكار والأفعال والمواقف بمنطق الصّواب والخطأ أو الحقّ والباطل أو الهدى والضّلالة، وإنّما هو تحليل الأبعاد السّياقيّة لكلّ علامة حضاريّة(20) من الأقوال والأحداث والأحوال، أي الكشف عن موجّهاتها الموضوعيّة والذّاتيّة من الأطر الثّقافيّة والسّنن الاجتماعيّة والعوامل الظّرفيّة والمقاصد العمليّة.
ومن مفاعيل انعدام الخلفيّة النّقديّة والوعي الأكاديميّ أن انتفت أشكلة المسائل في البحوث الحضاريّة الزّيتونيّة، فقد استمرأ الباحثون المنتسبون إلى اختصاص الحضارة الإسلاميّة تجنّب القضايا الإشكاليّة المحرجة، وإذا ما تجشّم أحدهم عناء تناول قضيّة من هذا القبيل سلك منحى تقريريّا كما لو أنّها محسومة سلفا ولا تتطلّب سوى بيان الجهود الّتي بذلها من سبقوه إلى طرقها في الاستدلال على صحّة موقفه الموروث عنهم وردّ حجج المخالفين، إذن، لا يزيد على أن يضمّ صوته إلى أصوات شركائه في المنطلقات الاعتقاديّة أو الإيديولوجيّة.
3. ما هي سبل استثمار المقاربة الحضاريّة الزّيتونيّة؟
تفتقد مقاربة بما سبق بيانه من السّمات إلى الشروط المنهجيّة الضّروريّة لإنتاج المعرفة، بل تنطوي على عوائق تحول دون تحقيق النّجاعة العلميّة المرجوّة في الدّرس الجامعيّ، ولذلك ظلّت البحوث الحضاريّة الزّيتونيّة تدور في فلك طاحونة الشّيء المعتاد، ولا تحقّق الإضافة المعرفيّة المنتظرة من أيّ عمل أكاديميّ، وستستمرّ على هذه الحال ما لم يبادر المعنيّون باختصاص الحضارة الإسلاميّة إلى معالجة أسباب القصور عن تحريك السّواكن والانخراط في الحركيّة الفكريّة الّتي تشهدها الجامعات المواكبة لتطوّر المناهج والمعارف.
يقتضي التحاق جامعة الزّيتونة بركب تلك الجامعات، في تقديرنا، تأهيل اختصاص الحضارة الإسلاميّة على أرضيّة متينة من التّصوّرات الخلاّقة، ويتجسّد ذلك بخطوات تأسيسيّة، أخطرها تحديد موضوع الدّرس الحضاريّ الزّيتونيّ وضبط ما يناسبه من المناهج والمنهجيّات، وقد سارعنا إلى صياغة مقترح في هذه الثّلاثيّة نشرناه ليتفاعل معه أصحاب الشّأن بما يقوّمه ويثريه ويطوّره(21). ونعطف عليه، هنا، باقتراح ثلاثة إجراءات نراها شروطا لا بدّ منها لإدراك المنشود، هي: منهجة الإيمان وإغناء المكتسبات المعرفيّة وتطوير القدرات المنهجيّة.
.1.3. منهجة الإيمان
من الأسباب العميقة لقصور البحوث الحضاريّة الزّيتونيّة في مستوى الإنتاجيّة المعرفيّة إشكاليّة جامعة الزّيتونة ذاتها، فقد وقر في أذهان المنتسبين إلى هذه الجامعة كونها امتدادا للجامع الأعظم الّذي تأسّس عام تسعة وسبعين وفق التّقويم الهجريّ بأمر من حسّان بن النّعمان (ت 86هـ/705م)، وساد الاعتقاد في أوساطهم أنّ وظيفتها استمرار لما نهض به ذلك الجامع على مدى القرون المنقضية من تدريس علوم الدّين، وهو ما يعني لدنهم أنّ الدّرس فيها لا بدّ أن يخضع للضّوابط المنهجيّة الّتي يفرضها الإيمان.
لمّا يتقبّل الزّيتونيّون حقيقة أنّ مفهوم «الجامعة» غير دلالة العنصر الإحاليّ «الجامع»، فشقّت عليهم استساغة ما ينطوي عليه ذلك المفهوم من مبادئ، ولاسيّما مبدأ الفصل بين الذّات والموضوع في البحث والدّرس، إذ ليس من النّوافل، في رأيهم، انجلاء العمل البحثيّ، بمضامينه ومفاهيمه وصيغه التّعبيريّة وأدواته المنهجيّة، عن إيمان منجِزه، بل ينظرون بعين الرّيب إلى أيّ نسيج لغويّ من البحوث الجامعيّة لا تظهر فيه العلامات الدّالّة على الخلفيّة الإيمانيّة، ولا يطمئنّون لكلّ مدرّس يخلو خطابه من البدء بالبسملة والتّصلية عند ذكر النّبيّ والتّرضّي عن الصّحابة(22).
ولا حلّ لهذه المفارقة إلاّ إن رضي العقل الزّيتونيّ بتحويل الإيمان من موقف ذاتيّ متملّكٍ شخصَ الباحث إلى معطى موضوعيّ في نسيجه اللّغويّ، وهو ما يُعبَّر عنه بـ «الإيمان المنهجيّ»، نعني الانطلاق في البحث من مجرّد فرضيّة إيمانيّة، وإنّه لَخِيار مشروع معرفيّا، وليس من وجاهةٍ لقول بعض المشتغلين بالدّرس الحضاريّ داخل الجامعات الأخرى إنّ جدواه تنعدم إذا بُنِيَ على أساس غير الشّكّ في المسلّمات الدّينيّة، فهذا القيل لا يختلف في جوهره عن الموقف المناهض لكلّ تفكير متحرّر من قيْد المعتقدات السّائدة.
لعلّ الفصل بين ذات الباحث وموضوع البحث، بصيغ تعبيريّة تحيل المعتقَد الذّاتيّ فرضيّة موضوعيّة، يناسب طبيعة جامعة الزّيتونة المزدوجة من حيث كونها مؤسّسة تختصّ بتدريس العلوم الشّرعيّة وتنسحب عليها النّواميس الأكاديميّة في آن، فبذلك يكون الدّرس الحضاريّ الزّيتونيّ وفيّا لخلفيّتها الإيمانيّة على شرط من أسس مفهوم «العلم» في الحقل الجامعيّ، وهكذا تستمرّ الجامعة في أداء وظيفتها الاجتماعيّة على اعتبار أنّ من المهامّ الموكولة إليها تأطير المجتمع دينيّا بواسطة خرّيجيها، مع تفعيل دورها المعرفيّ عبر اختصاص الحضارة الإسلاميّة أساسا.
بهذا الإجراء المنهجيّ تُجرَّد المقاربة الحضاريّة الزّيتونيّة من الطّابع الوجدانيّ الّذي يُفقِدها الصّفة العلميّة لتعارضه ومقتضيات الصّرامة المطلوبة في العمل الأكاديميّ، وتُغادِر مربّع الجدل، الصّريح أو الضّمنيّ، مع الأطروحات الوضعيّة إلى أفق البناء المعرفيّ المؤسَّس على قاعدة صلبة من المعطيات الموضوعيّة، وتكون منجَزاتها قابلة للقراءة خارج دائرة التّلقّي التّقليديّة، فتشعّ جامعة الزّيتونة على نطاق أوسع من حدود تلك الدّائرة، وتسهم في تخصيب المعرفة الإنسانيّة بما تنتج من بنات الأفكار والمعاني الأبكار.
.2.3. إغناء المكتسبات المعرفيّة
يُحوِج البحث في الحضارة الإسلاميّة إلى عُدّة معرفيّة تتعلّق بخصائصها العامّة ومفاصلها التّاريخيّة الكبرى وإشكالاتها البنيويّة، فلا يتيسّر للباحث اكتناه مسألة في هذا الاختصاص إذا لم يكن على إلمام بما أنتجت تلك الحضارة من البنى الاعتقاديّة والأنساق النّظريّة والمذاهب الدّينيّة والتّشكيلات الاجتماعيّة ...، وليس يسعه أن يستوعب أبعاد مباحثه إن لم يحط علما بما شهد المسلمون في تاريخهم الطّويل من الوقائع السّياسيّة الفارقة والمنعرجات الفكريّة الفاصلة، ولا يمكنه أن يقدّم الإضافة المرجوّة ما لم يع القضايا الحضاريّة الّتي فعلت فعلها في الاجتماع الإسلاميّ ماضيا والفاعلة حاضرا.
لكنّ ذلك كلّه لا يكفي، على أهمّيّته، لاستثمار المقاربة الحضاريّة الزّيتونيّة، إذ لا يعدو كونه من الضّرورات العامّة الّتي يحتاجها الباحث في اختصاص الحضارة الإسلاميّة مهما يكن مشروعه البحثيّ، أمّا المسألة الدّقيقة من المسائل المندرجة في هذا الاختصاص فلا بدّ أن يدرك المقدم على إثارتها أخصّ التّفصيلات السّياقيّة المتّصلة بها اتّصالا مباشرا أو غير مباشر، بدءا من خصائص السّياق الظّرفيّ المكتنف لإنتاج المدوّنة الّتي يسائلها وملابساته الحدثيّة المحتمَل تأثيرها في نسيجها اللّغويّ بمستوييه التّركيبيّ والدّلاليّ.
يثمر الدّرس الحضاريّ الزّيتونيّ في حال استناده إلى فرضيّة أنّ أيّ منجَز قوليّ أو فعليّ مفعولٌ من مفاعيل تفاعلات العوامل الثّقافيّة الاجتماعيّة والمؤثّرات الظّرفيّة الحدثيّة، فإنّ تلك التّفاعلات تعتمل في القائل أو الفاعل بما تنجلي عنه آثاره من الأقوال والأفعال، ولهذا ليس الباحث في حلّ من أمر النّفاذ إلى أعماق الذّات الجمعيّة وتعيّناتها الفرديّة عبر وصل أنسجتها اللّغويّة وممارساتها العمليّة بظروفها التّاريخيّة، وهو ما يستوجب مكتسبات متنوّعة من المعارف، إذ لا غنى فيه عن الفتوحات المعرفيّة اللّسانيّة، مثلا، والسّوسيولوجيّة والانتروبولوجيّة وغيرها.
ليس من الكماليّات استئناس المقاربة الحضاريّة الزّيتونيّة بمنجَزات العلوم اللّسانيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة، بل يحتّم اختصاص الحضارة الإسلاميّة على الباحث المنتسب إليه التّسلّح بتلك المنجَزات، لأنّ ذلك الاختصاص قرين زاوية نظر شاملة لأوجه موضوعه كافّة، فلا ينحصر مداره في وجه منها، إذن، لا مناص من أن ينفتح، في أساسه التّكوينيّ، على مداخل مختلفة، أمّا في المستوى الإجرائيّ فتفرض وجهةُ كلّ بحثٍ وغايتُه ما يناسبهما من المدخل اللّسانيّ والمدخل التّاريخيّ والمدخل السّوسيولوجيّ والمدخل الانتروبولوجيّ ...
قد لا نبالغ بالقول إنّ اختصاص الحضارة الإسلاميّة هو أشدّ الاختصاصات الجامعيّة الزّيتونيّة حاجة إلى الموسوعيّة في التّكوين، إذ بقدر ما يراكم الممتطي صهوته من المكتسبات في العلوم اللّسانيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة تتعاظم القيمة المضافة معرفيّا على صعيد تجاربه البحثيّة، ولذلك لا يقيم أوَده الاكتفاءُ بالضّلوع في العلوم الدّينيّة، رغم أنّ هذه رافده الأساسيّ وميسم الإجازة العلميّة الّتي يتفرّع عنها المسار المفضي إلى التّخصّص في الدّرس الحضاريّ، فهي قوام خلفيّة هذا الدّرس، لا محالة، وركنها الثّابت.
.3.3. تطوير القدرات المنهجيّة
من فوائد انفتاح الدّرس الحضاريّ الزّيتونيّ على مكتسبات العلوم اللّسانيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة انتعاشُه المنهجيّ، إذ يمكن أن يتزوّد المختصّ به من آليّاتها النّاجعة وأدواتها النّافعة لتطوير قدراته في الاستكشاف والتّحليل والاستقراء والاستنتاج، لكنْ يَحسُن أن يتقيّد توظيف هذا الزّاد في ذلك الضّرب من الدّرس بشرط فارق، وهو ألاّ تُستغرَق الغايةُ فيه، لأنّ استغراقها يؤدّي إلى فقدان اختصاص الحضارة الإسلاميّة سَمْتَه الّذي يُفترَض أن تجسّده مقاربة دالّة عليه بخصوصيّتها النّابعة من تمايزها عن سائر المقاربات الجامعيّة.
ولما أنّ مجال البحث في اختصاص الحضارة الإسلاميّة هو أنسجة العلامات اللّغويّة، على الأغلب الأعمّ، يستوي المدخل اللّسانيّ أعلَق المداخل بالمقاربة الحضاريّة، لكن لا يمكن تفعيله إلاّ إذا اتّخذت هذه المقاربة خطّ سير معاكس للمعتاد من منهجيّتها ذات المنحى السّرديّ الوصفيّ الّذي يقوم على تكديسِ المعلومات عن السّياق الميتالغويّ للنّسيج العلاميّ محور الاهتمام، ثمّ صرْفِ النّظر إلى محتوى النّسيج نفسه، دون وصل وظيفيّ بين هذا المحتوى وتلك المعلومات يُكسِب مبنى المُنجَز البحثيّ معقوليّة ومشروعيّة علميّة.
تنطلق المقاربة الحضاريّة الزّيتونيّة، في ما ننشد، من مؤشّرات داخل النّسيج العلاميّ اللّغويّ لتتطرّق اعتمادا عليها إلى سياقه الميتالغويّ بمختلف أبعاده الثّقافيّة الاجتماعيّة والظّرفية الحدثيّة، وبذلك ينفتح الباب الشّارع إلى استبيان العلاقات الدّقيقة بين مركّب العلامات، في جزئيّاته فضلا عن كلّيّاته، وملابساته من العوامل السّياقيّة. وتتوقّف هذه العمليّة على تمكّن الباحث من أدوات الحفر في النّصوص وتملّكه لوسائل اختراق الحجب التّركيبيّة، وتُكتَسَب هاتان القدرتان بالدّربة والمران، وتتطوّران مع مراكمة التّجارب البحثيّة.
وليست بالنّافلة إفادة المنتسب إلى اختصاص الحضارة الإسلاميّة، على سبيل اكتسابه تينك القدرتين، من مناهج تحليل الخطاب وآليّات المقاربة التّداوليّة، فإنّ في هذه المقاربة وتلك المناهج أنجع الوسائل إلى استنطاق الأنسجة العلاميّة اللّغويّة بما تنطوي عليه من الرّهانات الفكريّة والاجتماعيّة، وما هاتيك الوسائل إلاّ أدوات تصلح للاستعمال في البناء كما يمكن تطويعها لغرض الهدم، فلا حائل دون توظيفها في الدّرس الحضاريّ الزّيتونيّ لولا أنّ حاجزا نفسيّا نشأ لدى الغيورين على هويّة جامعة الزّيتونة من توهّمٍ ناجمٍ عن سوءِ استخدامٍ.
أمّا سوء الاستخدام فالانحراف بمناهج تحليل الخطاب، وغيرها من المقاربات الوافدة، إلى الاستدلال على أحكام مقرّرة سلفا وفق مواقف إيديولوجيّة يعتبرها الزّيتونيّون معادية لتعاليم الدّين ويتّخذونها وصما لخرّيجيّ كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة عموما. وأمّا التّوهّم فَعَدُّ استمراء تلك المناهج والمقاربات مُضِرّا بمناعة المسلمين الفكريّة، لِمَا أنّه يؤدّي إلى اختلال عقيدتهم واستيلاء الشّبهات عليهم وشكّهم في المسلّمات الدّينيّة الّتي انعقد حولها الإجماع، وعلى هذا الظّنِّ السّوادُ الأعظم من المتخصّصين في العلوم الشّرعيّة.
خاتمة
يتعذّر استثمار المقاربة الحضاريّة في جامعة الزّيتونة مادام الزّيتونيّون على ذلك التّوهّم الّذي يمنع من التّلقيّ البنّاء للمناهج غير التّقليديّة ويُقعِد عن تطوير القدرات المنهجيّة، فهو العقبة الكأداء الّتي تتعيّن إزاحتها تمهيدا لإرساء تلك المقاربة على قواعد ناجعة من آليّات البحث الجامعيّ. وعلى المتطلّعين إلى هذه الغاية من الباحثين في الحضارة الإسلاميّة أن يقدّموا في دروسهم النّظريّة وبياناتهم التّطبيقيّة وأعمالهم البحثيّة ما ينجلي عن قابليّة أيّ منهج، مهما تكن خلفيّته، للتّكييف على مقتضى الموضوعيّة العلميّة بمفهومها الإجرائيّ التّقنيّ.
ربّما كان لذوي النّزعة الإصلاحيّة من المشتغلين بالدّرس الحضاريّ دور سالب لدواعي المقبوليّة في اختصاص الحضارة الإسلاميّة لدى الزّيتونيّ التّقليديّ، ذلك أنّ بعضهم مازال يُظهِر من النّزق الفكريّ ما يُذكِي، في أذهان ضيّقي الأفق المعرفيّ، دوافع الإعراض عن كلّ منهج مستحدَث، فيزداد تصلّبا موقفُ المناهضين لتفعيل المناهج المعاصرة في جامعة الزّيتونة، وتتّسع الشّقّة بين الفريقين، ولا تُفِيدُ تلك الجامعة من تنوّع المشارب داخلها ما يُغْنِي منتَجها العلميّ ويسمو بها إلى أرقى المستويات المعرفيّة ويعزّز إشعاعها في مجتمع المعرفة الأكاديميّة.
إنّ تأهيل اختصاص الحضارة الإسلاميّة والمقاربة الحضاريّة الزّيتونيّة لاستيعاب آخر الابتكارات المنهجيّة المثمرة في مجال البحث العلميّ ليس بالمهمّة الّتي يمكن أن يحتكرها فريق دون آخر من الفاعلين داخل جامعة الزّيتونة، وإنّما تُنجَز تلك المهمّة بتضافر جهود هؤلاء جميعا على اختلاف مكتسباتهم المعرفيّة وتوجّهاتهم الفكريّة، وما ذلك بعزيز، فبمدّهم جسور التّواصل البنّاء والتّفاعل الخلاّق تُزَالُ الحواجز النّفسيّة النّاجمة عن أخطاءَ لكلٍّ منهم نصيب فيها، وتتلاقح الأفكار حتّى يتهيّأ مناخ العمل المشترك المبنيّ على الثّقة المتبادلة، وهو ما من أجله أقدمنا على محاولتنا هذه الّتي نرجو أن تكون مدعاة لحوار عميق وصريح ومُجْدٍ.
الهوامش
(1) قانون عدد 83 لسنة 1987 مؤرّخ في 31 ديسمبر 1987 يتعلّق بقانون الماليّة لسنة 1988، الفصل 96، الرّائد الرّسميّ للجمهوريّة التّونسيّة، ع91، 29-31 ديسمبر 1987، ص1636.
(2) قرار من وزير التّعليم العالي مؤرّخ في 3 نوفمبر 1995 يتعلّق بضبط نظام الدّراسات والامتحانات المطبّق بالمعهد الأعلى للحضارة الإسلاميّة للتّحصيل على الشّهادتين الوطنيّتين للمرحلة الأولى والأستاذيّة في العلوم الإسلاميّة، الرّائد الرّسميّ للجمهوريّة التّونسيّة، ع92، 24 جمادى الثّانية 1416 – 17 نوفمبر 1995، صص2254-2258.
(3) م.ن، ص2257.
(4) قرار من وزير التّعليم العالي مؤرّخ في 3 نوفمبر 1995 يتعلّق بضبط نظام الدّراسات والامتحانات المطبّق بالمعهد الأعلى لأصول الدّين للتّحصيل على الشّهادتين الوطنيّتين للمرحلة الأولى والأستاذيّة في العلوم الشّرعيّة والتّفكير الإسلاميّ، الرّائد الرّسميّ للجمهوريّة التّونسيّة، ع92، 24 جمادى الثّانية 1416 – 17 نوفمبر 1995، صص2258-2261.
(5) م.ن، صص2259-2260.
(6) قرار من وزير التّربية والتّعليم العالي والبحث العلميّ مؤرّخ في 3 فيفري 1990 يتعلّق بضبط قائمة الأقسام ووحدات البحث بمؤسّسات التّعليم العالي والبحث العلميّ، الرّائد الرّسميّ للجمهوريّة التّونسيّة، ع13، 20 رجب 1410 – 16 فيفري 1990، صص234-236.
(7) م.ن، ص234.
(8) في إجابته عن أسئلة وجّهناها إلى زملائنا بالمعهد عبر الواتساب، أخبرنا بأنّ السّنة الجامعيّة 1991-1992 كانت منطلَق تجربته طالبا بالمعهد العالي للحضارة الإسلاميّة (مراسلة عبر الواتساب في: 08-05-2024).
(9) إلياس قويسم، م.ن.
(10) تتمثّل الموادّ المميّزة لاختصاص الثّقافة الإسلاميّة، بحسب شهادة الأستاذ إلياس قويسم، في: «علوم القرآن وعلوم التّفسير وعلوم الحديث والسّيرة والعقيدة وعلم الكلام والفقه وأصوله» (م.ن).
(11) قرار من وزير التّعليم العالي مؤرّخ في 12 مارس 2002 يتعلّق بضبط قائمة الأقسام ووحدات البحث بمؤسّسات التّعليم العالي والبحث، الرّائد الرّسميّ للجمهوريّة التّونسيّة، ع23، 19 مارس 2002، صص766-771.
(12) م.ن، ص767.
(13) م.ن، ص.ن.
(14) عناوين الوحدات التّعليميّة الإجباريّة للسّنة الأولى من المرحلة الثّانية – اختصاص الحضارة الإسلاميّة في القرار الوزاريّ المشار إليه أعلاه: مذاهب التّفسير في العصر الحديث والمعاصر، حضارة العرب قبل الإسلام، حضارة الإسلام في العالم، دراسات في الأديان المقارنة، لغة عربيّة (1995، م.س، ص2257). أمّا عناوين الوحدات الإجباريّة للسّنة الثّانية فهي الآتي ذكرها: المؤسّسات في الإسلام، مباحث في التّفكير الاقتصاديّ في الإسلام، الفكر الإسلاميّ الحديث والمعاصر، تاريخ العلوم والفنون في الحضارة الإسلاميّة، لغة (2) (م.ن، ص.ن).
(15) لا نسوق عبارته بحرفها الّذي جرى على لسانه لأنّنا لا نتذكّر مفرداتها بدقّة، وإنّما نصوغ كلامه بلساننا مع حرصنا على الأمانة في نقل المعنى الّذي عبّر عنه.
(16) عند التحاقنا بجامعة الزّيتونة للتّدريس في المعهد العالي للحضارة الإسلاميّة وقفنا على مفارقة أثارت استغرابنا، وهي إفراد المدرّسين من خرّيجي كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في قسم الحضارة الإسلاميّة دون أن تُسنَد إلى المختصّين منهم بالدّرس الحضاريّ مهمّة تدريس مسائله، إذ أوكلت هذه المهمّة إلى زملائهم المختصّين بالعلوم الدّينيّة، ولاسيّما أساتذة العقيدة وأصول الدّين.
(17) نعني بـ»المنطق الفقهيّ» النّزوع إلى إصدار الأحكام المعياريّة في دراسة الظّواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة استنادا إلى مثال مرجعيّ تقاس عليه الأفكار والأفعال والأحوال.
(18) الواقع أنّ المنتدَبين لتدريس المسائل الحضاريّة بجامعة الزّيتونة من خرّيجي كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة ليسوا على نهج واحد في تناول تلك المسائل رغم تقاطع مواقفهم النّقديّة إزاء المقاربة الزّيتونيّة التّقليديّة، وإنّما يتوخّى كلّ منهم المقاربة الّتي اكتسبها من اختصاصه الأصليّ، إذ يتوسّل المتخرّجون من أقسام العربيّة، في الدّرس، بالمقاربات اللّغويّة اللّسانيّة غالبا، ويعتمد المجازون في اختصاصات مادّة التّاريخ المقاربات التّاريخيّة، وينتهج ذوو التّكوين الفلسفيّ المقاربات الفلسفيّة ... ولئن كان هذا التّنوّع عامل إثراء لاختصاص الحضارة الإسلاميّة فإنّ غياب مقاربة إطاريّة تُصهَر في بوتقتها هاتيك المقاربات المختلفة يُبقِي ذلك الاختصاصَ بلا ملمح يميّزه.
(19) مثلا: «الشّيخ الصّوفيّ أحمد صدّيق ودوره في بناء دولة إندونيسيا المعاصرة» ...
(20) يُنظَر: الحمدي، عبد السّلام، «سؤال المنهج والمنهجيّة في الدّرس الحضاريّ الزّيتونيّ»، ضمن: الدّرس الحضاريّ: الإشكالات والآفاق، أعمال ندوة قسم الحضارة الإسلاميّة بالمعهد العالي للحضارة الإسلاميّة يوميْ 24 و25 نوفمبر 2021، جمعها وراجعها وأعدّها للنّشر عبد السّلام الحمدي، مجمّع الأطرش، تونس، 2022، صص240-241.
(21) يُنظَر: عبد السّلام الحمدي، م.ن، صص229-252.
(22) لا تفوتنا الإشارة إلى ما في سلوك المدرّسين بجامعة الزّيتونة وكلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، على حدّ سواء، من تزمّت يكشفه إكراه «الآدابيّين» طلبتَهم على تجنّب البسملة والتّصلية والتّرضّي، وإلزام الزّيتونيّين تلامذتهم بهذا كلّه.
|




