بهدوء

بقلم
د.ناجي حجلاوي
حادثة الإفك من القصّة التّراثيّة إلى التّأويل الاستشراقي(6) «الإفك في الإفك»
 ترسّخ في الذّهن انطلاقا ممّا أوردته كتُب السّيرة والأحاديث، أنّ عائشة هي الشّخصيّة المحوريّة المتّهمة، حتّى أصبحت عمليّة المراجعة والتّثبّت في تفاصيل الحادثة من قبيل التّشكيك في الدّين أو أحد جوانبه. والحال أنّ النّاظر في إسناد أوّل رواية تعرّضت لهذه الحادثة يجدها قد وردت على لسان ابن إسحاق (ت151ه) في السّيرة الّتي وضعها للنّبي ﷺَ وعنه نقل ابن هشام (ت213ه). وعليه اعتمد اعتمادا كليّا وإنْ هذّب أحيانا وشذّب بعض المعلومات. وبعد هذيْن الكاتبيْن للسّيرة النّبوية أملى محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه) كتابه الّذي سيُوسم لاحقا بالجامع الصّحيح. وفيه أورد الحادثة بطريقة غير أمينة إذ تجاهل إرجاع الخبر إلى الرّاوي الأوّل ابن إسحاق على خلاف ابن هشام وابن جرير الطّبري. وأمّا المؤرّخ إبن سعد في طبقاته، فقد أعرض عن ذكر هذا الخبر. ولم يعتبر ما سُمّي بغزوة بني المصطلق غزوة من الأساس، إذ لم يذكرها البتّة ثني استعراضه لجملة الغزوات. وما ذلك إلاّ لعدم وثوقه بصحّة وروده أصلا. وذلك دأب المؤرّخين المحقّقين.
وإذا كان إعراض إبن سعد عن هذا الخبر، مُوحيا ببطلانه، فانظر إلى ما يقوله صراحة في تحقيقه  لترجمة سعيد بن المسيّب، وما يجره ذلك من زيف الحديث المرويّ عنه: أنّ عمرا رجع في مسألة الرّجم الواردة في الآية المنسوخة رسما وحكما «والشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة». وفي هذه الرّواية يقطع ابن سعد أنّ سعيدا بن المسيّب لم يرو ولا يستطيع أن يروي عن عمر شيئا لأنّه كان ابن عاميْن لما قُتل عمر بن الخطاب(1). وهو يعلّق على ذلك صراحة بقوله: «ولم أر أهل العلم يصححّونه لك وإنْ كانوا قد روَوه»(2).
   ولمّا كان ابن إسحاق هوّ أوّل من وضع هذا الحديث وأورده، فإنّه هوّ الأولى بالمراجعة والدّرس والنّقد، حتّى إذا استبان زيف روايته انهارت كلّ الرّوايات المُستندة عليه. يذكر ابن إسحاق أنّه سمع هذا الخبر المتعلّق بحادثة الإفك عن محمّد بن شهاب الزّهري في حين أنّ التّاريخ يُفنّد ذلك من الأساس. وإذا كان ابن إسحاق ابن المدينة وهو من مواليد 85 ه فإنّ محمّد بن شهاب الزّهري، على رأي اللّيْث ، قد غادر المدينة سنة اثنتيْن وثمانين ليقدم على عبد الملك بن مروان، وليستقرّ في دمشق مؤدّبا لأبناء الخلفاء الأمويّين، وظلّ هناك بقيّة حياته ولم يثبت رجوعه إلى المدينة. والدّليل على ذلك أنّ عبد الملك قد خيّره صراحة بقوله: «أين تحبّ أن يكون ديوانك مع أمير المؤمنين ها هنا أم في بلدك؟» فقال: «يا أمير المؤمنين أنا معك». ولما خرج، قال له قبيصة: «إنّ أمير المؤمنين أمر أن تُثبت في صحابته، وأن يجري عليك رزق الصّحابة، وأن يرفع فريضتك إلى أرفع منها، فالزم باب أمير المؤمنين». 
وقد قال ابن شهاب الزّهري: «ومات عبد الملك فلزمتُ ابن الوليد، ثمّ سليمان، ثمّ عمر بن عبد العزيز، ثمّ يزيد، واستقضاني يزيد بن عبد الملك على قضائه، وسليمان بن حبيب المحاربي جميعا. ولزمتُ  هشام بن عبد الملك، وصيّرني مع أولاده، أعلمهم وأحجّ معهم». وقد قيل له: «لو أنّك سكنت المدينة، ورُحت إلى مسجد رسول اللّه ﷺَ، وقبره، يتعلّم النّاس منك»، قال: «إنه ليس ينبغي أن أفعل حتّى أزهد في الدّنيا، وأرغب في الآخرة»(3). 
وهذا الشّاهد دليل على بطلان القائلين بعودة ابن شهاب الزّهري إلى المدينة. ولا غروّ في ذلك، إذا أدركنا العلاقة المتوتّرة جدّا بيْن بني أميّة حكّام دمشق وأهل المدينة وآل النّبي بالذّات، نظرا لما جرى بينهم من حروب ومظالم وأشهرها موقعة الحرّة سنة 63 للهجرة،  وقد قال إثرها عبد الملك بن مروان لأهل المدينة: «واللّه لو يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلاّ ضربتُ عُنُقه»(4). وفي هذا المجال يندرج قول سفيان الثّوري: «لمّا استعمل الرّوّاة الكذب استعملنا التّاريخ»(5). 
والجدير بالذكر في هذا الصّدد، هو أنّ محمّد بن إسحاق كانت ولادته في 85ه، وكانت هجرة محمّد بن شهاب الزّهري إلى الشّام قبل ذلك بثلاث سنوات، فبأيّ وجه يصحّ أخذ ابن إسحاق الخبر عن الزّهري؟ وهو ذات الخلط الّذي أُرتُكب في شأن سعيد بن المسيّب مع عمر بن الخطاب. 
والخلط نفسه نُلفيه في رواية مالك بن أنس أخذا عن محمّد بن شهاب الزّهري وذلك باد، على سبيل المثال، في السّند التّالي: قال: «حدّثني يحي بن يحي اللّيْثي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب. وكذلك قال: حدّثني عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك»(6)، والحال أنّ مالك بن أنس من مواليد 93 ه والرّاوي المزعوم الأخذ عنه غادر المدينة قبل إحدى عشرة سنة. 
وفيما يتعلّق بمحتوى الخبر، فإنّ الجدير بالملاحظة، هوّ أنّ النّبي ﷺَ، كما سلفت الإشارة، ما عُرف عنه أنّه يصطحب زوجاته أو إحداهن في الحروب والغزوات لأنّه أمر مناف للنّصّ القرآني، ومن المستحيلات العقليّة أن يبلّغ رسول شيئا ويأتي بخلافه. وانظر إلى الآية التّالية الّتي تشير إلى غزوة بدر، قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾(الأنفال: 5). وذات الدّلالة الّتي تقضي بخروج النّبي ﷺَ دون أهله نجدها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(آل عمران: 121)، فالأهل إشارة إلى النّساء اللّواتي يتركهن خلفه في بيوتهن. 
وفي سورة الأحزاب أمر صريح بأن يلزم نساء النّبي بيوتهن:﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(الأحزاب: 33). ولمّا كانت الأحزاب قد جرت في سنة 5 للهجرة، فإنّ هذا الأمر الإلهي سابق لغزوة بني المصطلق بسنة كاملة. وقد أشارت رواية البخاري نفسها إلى أنّ عائشة قد صرحت أنّ صفوان بن المُعطل كان يعرفها قبل أن يُضرب الحجاب. فكيف يتعمّد النّبي مخالفة أمر اللّه الصّريح بضرورة لزوم نسائه بيوتهن. 
وانظر إلى سورة التّوبة في قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾(التوبة: 87)، في معرض فضحه تعالى للمخلّفين. والمهمّ في هذا الإطار، هو لفظ «الخوالف» المتعلّق بالنّساء، وقد كانت العادة الجارية عند العرب تتمثّل في أنّ الرّجال هم أصحاب الوغى. أمّا النّساء فلا علاقة لهن بالحروب. لذلك يرغب العربي أن يكون له ولْدان ذكور يحمون القبيلة، على خلاف الإناث اللّاتي يُغار عليهن فيتُمّ سبيهن.
وعلى هذه الشّاكلة، تتهاوى الرّواية الّتي أوردها ابن إسحق في كتابة السّيرة النّبوية من جهة السّند أوّلا ومن جهة المتن ثانيا. فما هو المعنى الجاري ً في سورة النّور؟ وهل هو عليق بزوجات النّبي من الأساس، أم هوّ أمر يهمّ طائفة كبيرة من المسلمين ومن المهاجرين والأنصار؟
الهوامش
(1)  انظر ابن سعد، الطبقات الكبرى، مج5، ترجمة سعيد بن المسيّب، م ن، ص119.
(2)  ابن سعد، الطبقات الكبرى، م ن، ص ن.
(3)  شمس الدّين الذّهبي، سير أعلام النبلاء، ج5، م ن،  ص ص338،328.
(4)  ابن كثير، البداية والنهاية، ج 12،  عالم الكتب، الرياض، سنة 2003، ص377.
(5)  أبو عمرو عثمان بن عبد الرّحمان بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النّصري الشّهرزوري الشّافعي المعروف بابن الصّلاح، علوم الحديث، تحقيق وشرح نور الدّين عتر، دار الفكر، دمشق، سورية، ط 3، سنة 1984، ص380.
(6) مالك بن أنس، الموطّأ، تحقيق محمّد عمارة، المكتب الجامعي الحديث، الأزاريطة، الإسكندرية، مصر، د ت، ص ص7،5.