في الصميم
| بقلم |
![]() |
| نجم الدّين غربال |
| مَلاَمِحْ نِظَامٍ مَالِي قَوِيٌّ ومُنْصِفْ (6) التّمويل بالوقف بين مُحفِّزَات ومُعيقات |
تمهيد
ينسحب ما أبرزناه في المقال السّابق من توظيف مصادر التّمويل بما فيها تلك المتأتّية من الزّكاة، على توظيف أموال الوقف، في العالم الإسلامي، حين تحدّثنا عن اقتصار توظيف الأموال المتأتيّة من المال العام والخاصّ والزّكاة، على المشاريع الكبرى ومشاريع القطاع المنظّم وإقصاء الفقراء والمهمّشين من الاستفادة منها، رغم ملكيّتهم لتلك الأموال، خاصّة تلك المُتَأَتِّية من الزّكاة ومن الوقف على حدّ سواء، ومن ثَمَّة لم يصل التّمويل المستوحى من التّصوّرات المستمدّة من القرآن الى أن يكون أداة من أدوات الرّحمة للعالمين التي اصطبغت بها رسالة الإسلام وبَيَّنَتْهَا الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء: 107)، وهذا كافٍ للحكم سلبا على تلك السّياسات الماليّة المستوحاة من قصور في التّصوّر، كما أنّ هذا يدفعنا إلى إعادة النّظر في تلك التّصورات، ومن ثمّة في تلك السّياسات الماليّة حتّى تُصبِحَ مُتَنَاغِمَة مع جوهر رسالة الإسلام، فهل من محاولات جادّة في هذا السّياق؟ هذا ما سنجيب عنه من خلال العنصر الأول من هذا المقال حين نطرح الإشكال الذي أفرزته تجربة التّمويل بخلفيّة إسلاميّة، ونسعى في بحثنا نحو الاهتداء الى كيفيّة حلّه؟
ومقابل ذلك الواقع الّذي أوصلنا الى ذلك الحكم ودفعنا الى إعادة النّظر في التّصورات والسّياسات السّائدة، يوجد واقع آخر يجعلنا مؤمنين بنفعيّة التّمويل بالوقف وبالحاجة اليه خاصّة أمام ندرة التّمويل سواء على مستوى موازنات الدّول أو على مستوى عيش النّاس ونوعيّة حياتهم، كما أنّ مُحفِّزات عديدة أخرى تدفع نحو اعتماد هذا النّوع من التّمويل كأحد أنماط التّمويل للنّظام المالي المنشود، والّذي نعمل على بلورته ضمن هذه السّلسة على أعمدة مجلة «الإصلاح الالكترونيّة»؟ ولكن مع هذه المُحفِّزات توجد عدّة مُعَوِّقَات تكبح مُحاولات التّصالح مع هذا النّوع المُميّز من التّمويل وتفعيله لإقامة نظام مالي قوِيّ ومنصف متعدّد الأدوار اقتصاديّا واجتماعيّا وبيئيّا حتّى يكون رافعة للتّنمية الشّاملة والمُستدامة، ممّا يجعلنا نتساءل عن طبيعة هاته المُعوِّقات والبحث عن سبل إزالتها؟
1 - اشكال التّمويل وكيفيّة حلّه
يُشكّل رأس المال العام ورأس المال الخاصّ واموال الزّكاة وأموال الوقف مصادر للتّمويل في العالم الإسلامي، إلاّ أنّ كلّ هذه المصادر يتمُّ استعمالها وتوظيفها في المشاريع الكبرى لصالح القطاع المنظّم الخاصّ والعام والشّركات الكبرى والمُتوسّطة، ومن ثمّة اقتصار استثمار مصادر التّمويل على غير الفقراء والمساكين والعاطلين عن العمل(1) الذين يُمثِّلُون غالبية السّكان، ممّا جعل تلك المصادر أداة رحمة فئويّة لا عالميّة وذلك في تعارض جليّ مع الرّسالة الإسلاميّة، رسالة الرّحمة للعالمين وفي مقدمتهم الفقراء والمساكين.
فبالرغم من أن أموال الزّكاة وأموال الوقف قد ثبتت، تاريخيّا ومن خلال بعض من تجارب الواقع المعاصر، فاعليتهما في مواجهة الفقر متعدّد الأبعاد، الاّ أن فئات عريضة من النّاس ظلّت محرومة بل قاعدتها ما فتِئَت تتّسع يوما بعد يوم، فلا مؤسّسات التّمويل المعروفة بالإسلامي تتوجّه الى تقديم خدمات إليها ولا مصادره يقع استثمارها لمواجهة الفقر في المجتمعات الاسلاميّة ولا منتجاتها أيضا، وذلك في تناقض صارخ مع غايات ذلك النّوع من التّمويل وفي مقدمتها الحيلولة دون أن يكون المال دولة بين الأغنياء من المسلمين وأنّ ذلك التّمويل عبر إنفاقه هو مفتاح للبركات عليهم والضّامن للحفاظ على كرامتهم.
وقد أفرز هذا الواقع إشكاليّات حقيقيّة كما ذهب الى ذلك أنس الحسناوي خاصّة إشكاليّة إغفال المقاصد الحقيقيّة للتّمويل، بخلفيّة إسلاميّة، والتي تتمحور حول نفع النّاس دون استثناء ومكوث ذلك النّفع، وهي مقاصد تجعل من حفظ كرامة الإنسان محورا لنشاط مؤسّسات التّمويل ومصادره ومنتجاته وذلك من خلال الالتزام بتشريك الإنسان وتصميم نظام مالي بالشّكل الذي يضمن حمايته من الفقر مُتعدّد الأبعاد ويقيه الاقصاء المالي والاقتصادي ويحول أيضا دونه ودون مظاهر التّهميش الثّقافي والاجتماعي (2).
ولحلّ هذه الإشكاليّات، سواء على مستوى جهات التّمويل ذي النّعت الإسلامي أو مصادره أو منتجاته، برزت مؤسّسات التّمكين الاقتصادي كما ظهر مفهوم التّمويل الإنمائي والوقف الإنمائي ووقف التّمكين، فما مفهوم هذه المصطلحات الّتي تُعتبر حديثة في أدبيّات المشتغلين ببلورة تصوّرات على مستوى التّمويل ذات مرجعيّة إسلاميّة؟
وضع أنس الحسناوي(3) تعريفين لكلّ من الوقف الإنمائي ووقف التّمكين نوردهما تباعا:
• الوقف الإنمائي هو حبس رأس مال الوقف في مشاريع اقتصاديّة واجتماعيّة تنمويّة عظيمة الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات الفقيرة وتسبيل الثّمرة في أغراض تنمويّة مثل التّعليم والصّحة والتّدريب، فهو إذا وقف يتميّز بأنّه يهدف إحداث التّنمية لدى المجتمعات ويعمل على عدالة توزيع الثّروة، كما يساعد في خلق ثروات إضافيّة للبلد، فضلا عن شموليّة وظيفته النّفعيّة للمحتاجين وهذا من شأنه أن يوجد إمكانيّة إجراء الوقف على أي شيء وضمان استمراريّة المنفعة والرّقي في تقديم الصّدقة.
• وقف التّمكين هو وقف إنمائي يستثمر أمواله في تمويل مشاريع ذاتيّة للفقراء ويموّلها لهم بأدوات تمويل إسلاميّة مسترجعة، ويتميّز بمقاصده من تحقيق التّنمية المحلّية ومحاربة الفقر بالتّمكين الاقتصادي للفئات الفقيرة، بحيث تصبح لها مكانة في السّوق ولها من القدرات والإمكانات ما يسمح لها بالاستمرار من خلال الاستثمار في مشاريع مُربحة ومُدِرّة للدّخل تُنجز مع الفقراء وبمجال استخدام ريعه في مشاريع اجتماعيّة أيضا مثل الأنشطة المدرّة للدّخل للفئات الأكثر فقرا أو تمويل مشاريع داعمة للفقراء أو التّعليم أو الصّحة.
واعتبر أنس الحسناوي أنّه بهذه الطّريقة ستستفيد الفئات المستهدفة من رأس مال الوقف وريعه على حدّ سواء، وهو بذلك يوفّر حجم تمويل للمستفيدين يوازي في سنة واحدة ما يوفّره الوقف العادي في أكثر من عشرين سنة ويوفّر رأس مال غير معطّل للاستثمار باستمرار، فهو صندوق دوّار يشتغل في الاستثمار، كما يستعمل الرّبح الناتج عن هذه العمليّة لتمويل فئات أكثر فقرا أو مشاريع داعمة للفقراء ليخلص في الأخير الى القول بأنّ«الوقف مع الفقير ولفائدة الفقير».
2 - مُحفِّزات لاعتماد تمويل الوقف
توجد محفّزات عديدة لاعتماد الوقف للحصول على التّمويل سواء للدّول أو للمجتمعات نذكر أهمها:
1-2 الحاجة الى التّمويل
«الحاجة أم الاختراع»مثل شعبي عربي شائع في اللّغة العربيّة معناه أنّ الحاجة والضّرورة هما الدّافع الرّئيسي للإبداع والاختراع، فعندما يواجه الإنسان مشكلة أو حاجة ملحّة، فإنّه يبحث عن حلول مبتكرة ويضطرّ إلى اختراع طرق جديدة لتلبية هذه الحاجة، ولا يخفى على أحد مشكلة ندرة التّمويل التي تواجهها دول ومجتمعات على حدّ سواء والتي من مظاهرها ما يلي:
* الحاجة الى التّمويل الاستراتيجي
التّمويل الاستراتيجي هو التّمويل الموجّه لإنشاء مؤسّسات ذات أثر اقتصادي واجتماعي وبيئي بعيد المدى؛ فهو تمويل يهدف الى تمكين الشّعوب من امتلاك القدرات التي تمكّن أفرادها من الانخراط في عمليّة امتلاك القوّة لها حفاظا على أمنها وسيادتها على ثرواتها وكرامة أبنائها.
وتعاني شعوب منطقتنا العربيّة من ندرة في التّمويل الاستراتيجي الموجّه لانشاء المؤسّسات الصّحيّة والتّعليميّة والبيئيّة المولّدة للقدرات لدى أفرادها. وأمام ندرة التّمويل عموما وتوظيف أغلبه نحو المشاريع آنيّة ومتوسطة الأثر تبرز الحاجة الى أموال الوقف للتّمويل الاستراتيجي.
* الحاجة الى خفض عجز ميزانيّة الدّولة
سجّل حجم ميزانيّـة الدّولـة في تونـس لسنة 2024م مـا قـدره 77868 م.د وتقـدّر الموارد الذّاتيـة بـ 49160 م.د، وتتوزّع بين مداخيل جبائيّة 44050 م.د (89.6 %) ومداخيل غير جبائيّة 4760 م.د، (9.7 %) وهبات 350 م.د( 0.7 %).
وبخصوص تقديرات النّفقات من المنتظر أن تبلغ نفقات الميزانيّة لكامل سنة 2024 ما قدره 59805 م.د، ورصد اعتمادات بعنوان نفقات التّأجير في حدود 23711 م.د، (2539 م.د بعنوان نفقات التّسيير، و11337 م.د لنفقات الدّعم، و5274 م.د لنفقات الاستثمار) أي %13.5 من النّاتج المحلّي الإجمالي.
فالفرق بين جملة مداخيل الميزانيّة 2024م التي تقدّر بـ 48290 م.د. بدون اعتبار الهبات والتّخصيص والمصادرة، وجملة النّفقات العامّة للميزانيّة لسنة 2024م التي تقدّر بـ 59805 م.د، يؤدّي إلى نتيجة جمليّة تتمثّل في عجز يساوي 11515 م.د.(بدون اعتبار الهبات والتّخصيص والمصادرة)، مع النّسبة من النّاتج المحلّي الإجمالي في حدود -6.6 %. وبإمكان منظومة الوقف أن تساهم في تخفيف عبء الموازنة العامّة للدّولة بتولّيها المسؤوليّة في تنفيذ جملة من النّفقات العامّة خاصّة في التّعليم والصّحة والخدمات الاجتماعيّة، وذلك كما توصّلت إليه الولايات المتّحدة الأمريكيّة بفضل دعمها للقطاع الوقفي والتّبرعي(4).
2-2 أهليّة التّمويل بالوقف
يستمد التّمويل بالوقف أهليته من خلال أصالته وحداثته في آن واحد، فالوقف بنفعه المستمر مع مرور الزّمن كالشّجرة ذات الأصل الثّابت وفرعها في السّماء تؤتي نفعها كلَّ حين بإذن ربّها.
* أصالة التّمويل بالوقف
عرفت تونس منظومة الوقف منذ الفتح الإسلامي، وشملت مختلف المجالات الدّينيّة والتّعليميّة والصّحيّة والاجتماعيّة، وتوسّعت لتشمل مجالات جديدة أخرى.
ففي العصر الحفصي، وخاصة في عهد أبي زكريا الحفصي، تمّ إنشاء العديد من مدارس العلوم عن طريق منظومة الوقف، مثل مدرسة القيروان المرموقة في العلوم الطّبيّة وعلم الفقه وأصوله، والتي استمرت تحت الحكم العثماني حتّى عام 1705م. وقد عرف ذلك العصر، من خلال منظومة الوقف، تعمير أراض وتشييد مبانٍ ومدارس ومؤسّسات رعاية صحيّة، ممّا جعلها قادرة على القيام بدور مستدام فضلا عن بناء الأسواق والفنادق. ولعلّ أفضل الأمثلة، ثمرة وقف «عزيزة عثمانة» وحفيدتها فاطمة، المتمثّلة في المدرسة الثّانوية الصّادقيّة بتونس العاصمة، والتي أعادت تشكيل التّعليم الزّيتوني.
وبداية من عام 1881م، عمل الاحتلال الفرنسي على استخدام أصول الوقف لخدمة مصالحه، وعرف زمنه سرقة الأراضي وممتلكات الوقف لتعطى للمستوطنين وحلفاء المستعمر المقرّبين. وبعد تدهور منظومة الوقف بسرقة أصولها وإضعاف إدارتها، أنشأ الاحتلال وزارة للوقف عام 1945، والتي تمّ إلغاؤها فيما بعد، وارتبطت بالوزارة الكبرى حتّى عام 1956م، وهكذا تدهورت منظومة الوقف حين غيّرت حكومة الاحتلال إدارة المؤسّسة لغير غرضها الحقيقي ووظّفتها لغرض وحيد هو خدمة مصالح المستوطنين وأزلامهم من التّونسيين.
* حداثة التّمويل بالوقف
تشير التّقديرات إلى أنّ مساهمة منظومة الوقف حديثا كانت كبيرة في مجال الاقتصاد، والتي تصل إلى 10 % من النّاتج المحلّي الإجمالي للعديد من الدّول(5). فمثلا، ساهمت منظومة الوقف في التّجربة الإيرانيّة، بنحو 20 % من النّاتج المحلي، أي أنّ منظومة الوقف تقع في المرتبة الثّانية بعد القطاع النّفطي، الذي يساهم بنحو 30 % (6).
وفي البلدان الغربيّة تحتلّ اليوم منظومة الوقف حيزا مهمّا من الثّروة القوميّة، وتقدّم خدمات اجتماعيّة كثيرة، ففي الولايات المتّحدة الأمريكيّة، يقدّم القطاع الخيري 56 % من مجموع الخدمـات الصّحيّـة و 26 % من مجموع خدمات التّعليم، و 12 % من مجموع الخدمات الاجتماعيّة(7) وفي سنة 1987م، ينفق القطاع الخيري، الوقفي والتّبرعي 8 % من مجموع النّفقات في التّعليم الأساسي والثّانوي وذلك على 11 % من مجموع الطّلبة وعلى 24 % من مجموع المدارس، ويعطي نتائج تفوق كثيرا التّعليم الحكومي الذي ينفق 92 % من مجموع النّفقات في التّعليم الأساسي والثّانوي وذلك على 89 % من مجموع الطّلبة وعلى 76 % من مجموع المدارس.
أما إذا انتقلنا إلى المستوى الجامعي والبحث العلمي، فإنّ الصّورة تختلف تماما، إذ يتفوّق التّعليم الذي يقدّمه القطاع الوقفي والتّبرعي على كلّ من القطاعين الحكومي والخاص، تفوّقا واضحا في الكفاءة ونسبة الإنجاز العلمي إلى عدد الطّلبة، فالقطاع الخيري أنفق 34 % من مجموع النّفقات على 20 % من مجموع الطّلبة الذين تحصّلوا على 51 % من مجموع شهادات الدّكتوراه في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
فهذه الإحصائيّات ليست إلاّ دلالة على تطبيق معاصر لمنظومة الوقف، حيث استطاع أن يتوصّل إليه الإنسان الغربي المعاصر بالبحث العقلي والتّجريبي وليس الأيديولوجي، كما هو موجود للأسف في أغلب البلدان الإسلاميّة على غرار تونس ممّا يدفع للتّخلّي عن الأيديولوجيّة والتّفكير بعقلانيّة وروح تنمويّة في إحياء منظومة الوقف والتّمتّع بمنافعها وخدماتها العامّة، ونفع النّاس وتحقيق الرّفاه الاجتماعي(8).
2-3 توفّر الضّمانات
من الضّمانات القويّة المُحفِّزة لاعتماد التّمويل بالأوقاف نذكر سيادة التّكنولوجيّة الرّقميّة ضمن الإدارة الحديثة، فالسّياق الحضاري للبشريّة اليوم المُوَلِّي وجهته نحو الإدارة الحديثة القائمة على الحوكمة والرّقمنة وما أفرزه عصرها الرّقمي من تقنيات البلوك تشين والعقود الذكيّة مناسب لإعادة الثّقة في الأوقاف كآليّة لمعالجة الفقر والبطالة وتخفيض الضّغط المالي والخدماتي على الدّولة.
فالتّطوّرات التّقنية الحديثة تمنح الأوقاف فرصا حقيقيّة للقيام بدورها الاجتماعي والاقتصادي خاصّة إذا تمّ حسن استعمال ابتكاراتها مثل تقنية سلسلة الثّقة، وتطبيقاتها الممتدّة لقطاع التّمويل وغيره، فهذه التّقنيات توفّر للأوقاف فرصة الاستفادة منها ومن تطبيقاتها، مع محاولة التّغلّب على التّحديات والمخاطر النّاشئة عن استعمالها بالشّراكة مع أهل الاختصاص. فمخرجات هذه التّقنية تتوافق مع مقاصد الشّريعة الإسلاميّة في مجال المال والأعمال كأداء العمل بإحسان وإتقان، وبفاعليّة وسرعة وشفافيّة، مع التّسهيل على النّاس في الإجراءات، بالإضافة الى تخفيض التّكاليف وتوفير الوقت وتحسين الإطار البيئي وعدم إلحاق الضّرر بالمحيط خاصّة مع ما تتميّز به من دقّة وأمان، وهذه المزايا كلّها أهداف إسلاميّة مطلوبة والأوقاف في أمس الحاجة اليها لإحيائها من جديد خاصّة بعد ما اعترى تجربتها التّاريخيّة في بعض ردهاتها من إخلالات وهنات.
3 - المُعيقات وسبل إزالتها
رغم تلك المحفّزات الدّافعة لاعتماد الوقف كمصدر إضافي للتّمويل ضمن النّظام المالي المنشود الاّ أنّ كثيرا من المُعيقات قد تحول دون الاستفادة القصوى من فرصة التّمويل بالوقف أو تكبح الاندفاع نحو اعتماده او تعرقل تقدم التعاطي معه ومن بين هذه المُعِيقات التي تنتظر جهودا لإزالتها نذكر:
- الوعي الأيديولوجي الرّافض للوقف
من أهمّ ما أنتجه الوعي الأيديولوجي المعادي لأيّ توجّه نحو التّصالح مع مُخرجات التّديّن الإسلامي والرّافض لآليّة التّمويل المعتمدة على الوقف سرديّة أن الأوقاف تهدّد مدنيّة الدّولة، سرديّة سرعان ما تتكشّفُ هشاشتها وعدم صوابها إذ أنّه لو هدّدت الأوقاف مدنيّة الدّول لهدّدت مدنيّة الدّول الغربيّة والشّرقيّة الكثيرة، على حدّ سواء والتي عرفت التّجارب الوقفيّة الكثيرة المتّفقة أو المختلفة مع التّجارب الوقفيّة الإسلاميّة.
وواقع تلك الدّول أكّد مُحافظتها على مدنيّتها وعدم تحوّلها إلى دول دينيّة أوعرقيّة بسبب وجود الأوقاف والأعمال الخيريّة فيها، والأمثلة عديدة كالولايات المتّحدة وإنجلترا ودول غربيّة كثيرة، ودول شرق آسيا كماليزيا، فهي تشهد أعمالا وقفيّة كثيرة وتدير آلاف المؤسّسات الوقفيّة، ومع ذلك ظلّت دولا مدنيّة.
- الشّبهات حول إدارة التّمويل بالوقف
بعد مرحلة الاحتلال الفرنسي عام 1956م أوقفت الحكومة التّونسيّة العمل بمنظومة الوقف العام، ثمّ في عام 1957م، تمّ إيقاف منظومة الوقف الخاصّة والأهليّة، دون أيّ محاولة لإعادة بنائها وإصلاحها، وقد استند هذا الايقاف، على أمر أصدره الحبيب بورقيبة، رئيس الوزراء آنذاك، مفاده إلغاء منظومة الوقف، وحلّ مؤسّسة الوقف، بعد أن قدّم النّواب حججا لاتخاذ هذا القرار، منها شبهات حول إدارة التّمويل بالوقف من بينها استخدام أموال الوقف في غير أغراضه دون العودة إلى الأحكام الدّاعمة للوقف. ومن ثمّة اعتبرت منظومة الوقف من أملاك الدّولة، وحدثت تصفية ضخمة لصالح المستحقّين والورثة، ومنذ ذلك الحين توقّف العمل بمنظومة الوقف تماما في تونس.
ولإزالة هذه المُعِيقات وغيرها لابدّ من بذل الجهد من خلال اتجاهات كثيرة نذكر أهمها:
- التّعاطي العلمي مع الوقف كمصدر تمويل نافع لخفض عجز ميزانيّة الدّولة ولتنمية المجتمع على حدّ سواء ولكلّ العالمين؛
- تحرير العقول من الشّبهات حول الوقف وإدارته وغاياته؛
- تحصين إدارة أموال الوقف واعتماد الإدارة الحديثة القائمة على الرّقمنة والمعرفة وإدارة المخاطر والحوكمة؛
- تحديد مجالات استخدام أموال الوقف ومجالات عدم استخدامها، ووضع معايير لضمان تحقّق غاياته وعدم الانحراف عنها.
حتّى نلتقي
بعد عرض أنماط التّمويل من تمويل جماعي والزّكاة والوقف، بقي ليكتمل تشييد النّظام المالي المنشود مؤسّساتيّا البحث عن هياكل وأسواق ومؤسّسات ماليّة قادرة على الاضطلاع بمسؤوليّة توفير التّمويل اللاّزم النّظيف المصدر والوجهة والمتمحور حول نفع الإنسان والحفاظ على كرامته وصلاح مجال حياته.
سنبحث في المقالات اللاّحقة، إن شاء اللّه، في فئة من هياكل وأسواق نراها ذات قيمة ليكتمل تشييد النظام المالي المنشود وهي على التّوالي: الجهاز المصرفي البنكي وصناديق الاستثمار وسوق المال، لنختم هذا البحث عن المؤسّسات وتحديدا مؤسّسات التّمويل الصّغير ومؤسّسات التّأمين ومؤسّسات الايجار المالي.
الهوامش
(1) أنظر انس الحسناوي «إشكاليّات التّمويل الاسلامي» 2018 ملتقى صفاقس الدولي للمالية الإسلامية 07/04/2018 تونس
(2) أنس الجسناوي «إشكاليّات تمويل مشاريع التمكين الاقتصادي» 2018 ملتقى صفاقس الدولي الخامس للمالية الاسلامية تونس 08/04/2018 Anasse.elhasnaoui@4usrna
(3) أنس الجسناوي «الوقف الإنمائي أحد مصادر تمويل مشاريع التمكين الاقتصادي» 2018 ملتقى صفاقس الدولي الخامس للمالية الاسلامية تونس 08/04/2018 Anasse.elhasnaoui@4usrna
(4) برهان الطريقي «اساسيات منهجية البحث العلمي في الاقتصاد الإسلامي: بين الاجتهاد المقاصدي والتحليل الاقتصادي» مؤسسة GLD الطبعة الأولى تونس 2025 ص 149
(5) Hisham Dafterdar (2020): “ Role of awqaf as an economic driver”, chap.4, p.13, in “Awqaf-led Islamic Social Finance, Innovative Solutions to Modern Applications”, Edited ByMohd Ma›Sum Billah
(6) تقرير حول مشروع ميزانية الدولة 2024م، وزارة الماليّة، الجمهوريّة التّونسيّة، لسنة أكتوبر 2023م، ص.4
(7) منذر قحف: «الوقف الإسلامي، تطوره، إدارته، تنميته»، دار الفكر، 2006م، ص.43
(8) برهان الطريقي «اساسيات منهجية البحث العلمي في الاقتصاد الإسلامي: بين الاجتهاد المقاصدي والتحليل الاقتصادي» مؤسسة GLD الطبعة الأولى تونس 2025 ص 151
|




