في العمق

بقلم
د.مصدق الجليدي
منهجيّة الإصلاح التّربوي بين العقلنة الكمّية و التَّفهُميّة الكيفيّة (2-2)
 نقد زعم العقلنة الكاملة 
والتّحكّم الدّقيق في مسار  الإصلاح التّربوي:
منذ أكثر من عشرين سنة طرح فيليب برّونو Philippe Perrenoud السّؤال القلق عن سرّ ضعف التّحكّم في التّغيير المنشود للمنظومة التّربويّة وعن لايقينيّته، كما لفت النّظر إلى وجود عدم تناسب معتبر بين الكلفة المادّية والبشريّة للإصلاحات التّربويّة من جهة وتأثيراتها المستديمة من جهة أخرى، وهو ما حدا به إلى طرح السّؤال الجذري: هل بإمكاننا (حقّا) إصلاح النّظام التّربوي؟ أي إصلاحه على النّحو الذي نفكّر به ونريده ونخطط له(1). وخلال محاولة إجابته على هذا السؤال لا يستبعد برونو وجود تأثيرات سلبية لبعض العوامل التي تبدو مادية، مثل ضعف البنية التحتية ونقص الإمكانات المادية والتموقع الجغرافي للمؤسسة التربوية والديمغرافيا، التي تمثل عوائق شبه مستقرة ويصعب تذليلها في وقت قصير، لكنه يدعونا إلى التفكير خاصة في عوامل أخرى غير مادية وغير مستقرة، تتعلق  بالفاعلين في المنظومة التربوية بداية من المسؤولين عن السياسات المعتمدة والخطط التنفيذية المطبقة وصولا إلى الفاعلين الميدانيين وكيفية تلقيهم للإصلاحات ومختلف طرق مقاومتهم لها، لا عن سوء نية بالضرورة، ولكن قد تكون تلك المقاومة ناتجة عن انعدام  دلالة تلك الإصلاحات لديهم، خاصة إذا لم يُشرَّكوا فيها، أو لكونهم يحملون تصورات وقناعات مختلفة للإصلاح غير تلك التي يراد فرضها عليهم. 
ونقف هنا على مسألة موازين القوى وتصارع مشاريع ورؤى وصراعات خفيّة أو معلنة. وأتذكّر بهذه المناسبة شهادة أدلى بها أحد المتفقّدين العامّين للتّربية بالتّعليم الثّانوي (في التّربية المدنيّة)، يذكر فيها أنّه وزملاءه لم يتحمّسوا لإنجاح إصلاح 2002 في تونس، فقط بسبب معارضتهم للنّظام السّياسي القائم ولأسباب نقابيّة، رغم أنّه كان من بين الذين شاركوا بنشاط في صياغة ملامح ذلك الإصلاح. وفي تاريخ قريب، بعد الثّورة، لم تقدر وزارة التّربية على تمرير ما يسمّى بمشروع القانون المتعلّق بالمبادئ الأساسيّة للمنظومة التّربويّة، الذي صاغته لجنة الإصلاح التّربوي (الحمامات، 22 نوفمبر، 2016) للمصادقة عليه بمجلس نوّاب الشّعب، بسبب المعارضة القويّة للمجتمع المدني (الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التّربويّة، وشقّ في الاتحاد العام التّونسي للشّغل، وبعض الأحزاب البرلمانيّة). وأسباب الاعتراض على ذلك الإصلاح تختلف من طرف إلى آخر. 
كانت أسباب الائتلاف المدني من نوعين: سوسيولوجيّة وعلميّة: أي الاعتراض على الإقصاء وعدم التّشريك (المجتمع المدني- الخبراء الوطنيّون) في مقابل إطلاق اليد للهيمنة الخارجيّة على مسار الإصلاح، والاعتراض على منهجيّة الإصلاح المعتمدة. وكلّ هذا مفصّل في أدبيّات الائتلاف ولا يتّسع المجال هنا حتّى لتلخيصه. 
لكن حتّى في صورة إعداد الإصلاح التّربوي من طرف أفضل خبراء التّربية واستراتيجييها فإنّ نجاح هذا الإصلاح بالكامل أو بقدر معتبر يبقى أمرا غير مضمون وذلك بسبب أنّه «ككلّ السّياسات العموميّة يعدّ الإصلاح التّربوي منظومة بشريّة معقّدة وبالتّالي ذو عقلانيّة (فعليّة) محدودة، ولا يمكن أن يكون محلّ توافق كامل في مستوى غاياته ولا أن يكون موضوع أفضل تنسيق لاستراتيجيّاته. إنّه ببساطة منظومة عمل جماعي حيث لا أحد يتحكّم فيها بالكامل، وإنّما يكون تطوّرها نتاجا لتصادم منظومات قيم عديدة ولمواجهات بين أنواع مختلفة من منطق الفعل حتّى في أعتى الأنظمة السّياسيّة شموليّة»(2). 
ويتعقّد الأمر أكثر كلّما تمّ تجنّب الوقوع في مآزق أو مطبّات ستّة ذكرها فيليب برونو في نصّ آخر سنة 2004 (3)، وهي الآتية:
1. سوء تقدير قوّة الخصوم وبخسها.
2. عدم تشريك الفاعلين في قيادة الإصلاح.
3. عدم التّروّي وإنّما التّقدّم والتّقييم بسرعة (أي الحكم بسرعة على نجاح الإصلاح بفعل الحماس الزّائد أو بفعل حسابات ضيقة). 
4. سوء تقدير نفوذ مختلف حلقات تنفيذ الإصلاح من القيادة السّياسيّة العليا إلى سلطات الإشراف الجهوي والمحلّي. 
5. جهل حقيقة عمل المدرّسين (إمكانات الفعل ولعبة التصورات وحالات المقاومة).
6. المبالغة في تقدير كفاءات المختصّين المهنيّة والعلميّة، (لا بحكم ضعف التكوين ضرورة وإنّما) بحكم عدم التّقدّم الكافي لمستوى العلوم والخبرة في هذا المجال فائق التّعقيد.  
وأضيف مِطبّا سابعا، وهو النّفاق الفنّي، أي تزوير نتائج الاستشارات أو التقييمات تزلّفا لصاحب القرار السّياسي ولمن يملك المكافآت الماليّة. وهذا الأمر يحدث بالفعل وكنت شاهدا بالصّدفة على بعض حالاته لدى تعميم المقاربة بالكفايات التي هي مقاربة لها إيجابيّات كبيرة ولكنّها ليست بالضّرورة المقاربة الأكمل والأمثل، كما أنّ استيعابها وتنزيلها من طرف المكوّنين والمدرّسين ليسا دائما على أفضل حال.  وحتّى بعد الثّورة أحسب أنّه قد حدثت حالات من هذا القبيل مع المشرف الفنّي على الإصلاح بالمركز الدّولي للدّراسات البيداغوجيّة CIEP، الذي هو مركز رسميّ تابع لوزارة التّربية الفرنسيّة. 
وما ينتهي إليه بِرّونُو Perrenoud هو التّأكيد على إيلاء أهمّية أكبر لمسألة تمهين عمل المدرّس عوض الانخراط في ما سمّاه نوبة إصلاحات محمومة تطارد أهدافا صعبة التّحقيق، ويعتبر أنّ نقص وتيرة الإصلاحات، أي انخفاض الحاجة إليها، يمكن أن يكون مؤشّرا قويّا على ارتفاع مستوى تمهين المدرّسين(4). 
وبالعودة على بعض المطبّات بالتّعليق الشّارح والمثري، أذكّر في ما يخصّ المطبّ الأول الذي يتعلّق بسوء تقدير قوّة الخصوم، أنّ خير الدّين باشا التّونسي المؤمن بالرّوح العلميّة مثله مثل الجنرال حسين، والذي كان سياسيّا محنّكا وليس فقط مثقّفا يرغب في الإصلاح، عمل على تجنّب الوقوع في ذلك المطبّ بالامتناع عن فرض تصوّره للإصلاح التّربوي على المتزمّتين من شيوخ الزّيتونة، فتركهم ينعمون بما يخالونه نظاما تعليميّا أصيلا، وانصرف إلى تأسيس المعهد الصّادقي سنة 1875، هذا المعهد الذي كان نموذجا مبكّرا لما نسمّيه الحداثة التّربويّة الأصيلة، وما شذّ عن مقاطعة الصّادقيّة من شيوخ الزّيتونة إلاّ قليل من بينهم ومن أبرزهم شيخُ الشّيخِ المصلح الطّاهر ابن عاشور الشّيخُ رائد الإصلاح الدّيني سالم بوحاجب (1828 - 1925م)(5)، فكُتِب بذلك نجاحٌ منقطعُ النّظير لهذه المؤسّسة التّعليميّة الرّائدة التي درس فيها الزّعيم بورقيبة وقال عنها أنّها «جمعت بين التّعليم الزّيتوني والتّعليم العصري» وخرّجت نخبة من الذين «يفكّرون تفكيرا عصريّا ويتعلّمون تعليما إسلاميّا ويعرفون من أين تؤكل الكتف وكيف يجابهون الخصم»(6). 
أيّ منهجيّة للإصلاح التّربوي المنشود؟ 
في تقديري أنّ أسلم خيار معرفي ومنهجي إجرائي في الإصلاح التّربوي هو الخيار الذي:
أولا-  يأخذ العبرة من الماضي والحاضر بالتّشخيص العلمي لكلّ منهما ولا ينطلق نحو المستقبل وهو فاقد لكلّ بوصلة ولكلّ حكمة مترسّبة من التّجارب السّابقة.
ثانيا- يضمن قدرا وافرا من تماسك البناء في مختلف أقسامه وجوانبه ومكوّناته المترابطة والمتفاعلة وفي مختلف مراحله من خلال تدبيريّن استباقيين:
1 - وضع فلسفة تربويّة وتحديد غايات للنّظام التّربوي ورسم ملامح الخرّيجين منه. فليس النّظام التّربوي الذي يصلح بالفرنسيّين أو الصّينيّين هو نفسه الذي يصلح ضرورة بالتّونسيّين العرب والأفارقة المسلمين. دون التّنكّر لوجود مشتركات إنسانيّة وكونيّة جامعة بين أفراد الجنس البشري وشعوبه وأممه. 
2 - اختيار نموذج إرشادي(برادايم) يناسب المرحلة التي تمرّ بها البلاد ككلّ : نموذج الجودة في التّربية، نموذج الحوكمة الرّشيدة (بما أنّنا مثلا في معركة شرسة مع الفساد)، نموذج استراتيجي...الخ. فلكلّ نموذج معاييره التي نقيس بها وبمؤشّراته مدى تحقّق القيم الرئيسيّة للنّموذج في النّظام التّربوي (قيمة الجودة، قيمة الإنصاف، قيمة الحوكمة...الخ.).
ثالثا- يكون نموذجه أو بالأحرى منهج تطبيق نموذجه مرنا يأخذ بعين الاعتبار التّغيرات السّريعة في العالم وفي المعارف والمهارات والكفايات وأشكال التّنظّم والتّنظيم والإدارة والتّواصل والتّمويل وتبادل المعارف والخبرات والأرصدة البشريّة والمادّية. ولذا يجب أن يكون للاستشراف مكانه المميّز في منهج الإصلاح وأن تكون لحاجات الشّباب والمجتمع المستقبليّة مكانها في فلسفة النّظام التّربوي وغاياته. وقد كتبت شخصيّا من بعد إدغار موران كتابا عن «تربية المستقبل» ومعارفه وقيمه ومهاراته وكفاياته الضّروريّة(7). لكن يجب ألا يغيب عن بالنا أنّ منهج الاستكشاف منهج معياري، بمعنى أنّه ينطلق من الماضي والحاضر إلى المستقبل وبالتّالي فهو يمثّل نوعا من الضّمانة لعدم التّيه في مستقبل متّسم بقدر كبير من اللاّيقينيّات، ولذا فمشروع لكلّ شعب وكلّ أمّة أن تجتهد في ضبط إيقاع زمنها الثّقافي والرّوحي ضبطا متّسما بالانفتاح والتّجدّد. 
في مقابل المنهج المعياري المعتمد في علوم المستقبل يوجد المنهج الوصفي، وهو منهج واقعي، ينطلق من المستقبل (المحتمل والمرجّح وقوعه) ليعود القهقرى إلى الحاضر حتّى يهيئه لاستقبال مريح للمستقبل في عنفوانه. وقد أُثر عن علي بن أبي طالب وقيل عن سقراط، قوله: «لا تُكرهوا أبناءكم على أخلاقكم، فقد خُلِقوا لزمان غير زمانكم». وفي الحقيقة الزّمان لا يستوعب فقط منظومة قيم ورؤية للعالم وموقع الإنسان فيه، بل كذلك تقنيات ومهارات وكفايات بديلة. مع الحذر كلّ الحذر من وقوع الإنسان في استيلاب واغتراب لصالح التّأثير المتزايد للتّقنية. فكما يمكن للتّقنية أن تسهم في تهذيب الأخلاق (الانتظار المنظّم للدّور استجابة لرقم تذكرة مسحوبة مثلا) فإنّه بإمكان الفنون إفساد الأخلاق ومعاني الإنسانيّة في الإنسان كذلك (انظر مثلا رسالة جان جاك روسو عن علاقة الآداب والفنون والعلوم بالأخلاق(8)). 
مرونة منهج الإصلاح التّربوي ليست مفروضة فقط من عامل الزّمن وسنّة التّطوّر بل كذلك من التّعقّد الفائق للواقع واستحالة التّحكّم الكامل فيه. هذا الواقع يشتمل على فاعلين اجتماعيين أفراد وعلى فاعلين مؤسّسيين. 
وقد بيّنت نظريّة النّظم (انظر مثلا كتاب: الفاعل والمنظومة L’acteur et le système لميشال كروزييه وارهارد فريدبارغ  (Michel Crozier et Erhard Friedbergا)) (9) .
أنّ للمنظومة (التّربويّة على سبيل المثال) ثلاثة مستويات تَمثُّل أو صور ذهنيّة:
1 - فهنالك صورة المنظومة عن نفسها وهي الصّورة النّموذجيّة النّظريّة المسبقة التي تبنيها عن نفسها، ونجدها مثلا في قانون الإصلاح التّربوي أو في كتابها الأبيض وفي منظومتها التّشريعيّة.
2 - صورة المنظومة لدى المنتسبين إليها والعاملين والفاعلين فيها، وهي صورة نفس- اجتماعية لا تتطابق ضرورة مع الصورة المثالية النموذجية التي تضعها المنظومة لنفسها في وثائق رسمية. بل يقع تحريفها ضرورة بحكم عوامل متنوعة، ثقافية ومعرفية ونفس- اجتماعية وغيرها..
3 - صورة المنظومة في الواقع: مثلا نجد في دفاتر وزارة التّربية أنّ لديها كذا ألف قاعة درس. ولكن نجد في الواقع أن مئات منها أو عشرات متداعية للسّقوط. أو أنّ لديها كذا ألف مدرّس مباشرين في الأقسام، ولكنّنا نجد في الواقع أنّ المئات منهم متغيّبين لأعذار بعضها شرعي وبعضها غير شرعي. أو أنّ مؤسّسات التّكوين فيها قد أمّنت تكوين كلّ المدرسين على مقاربة بيداغوجيّة جديدة وأنّهم الآن مؤهّلون لتطبيقها في أقسامهم، بينما الحقيقة قد تكون أنّ أغلبهم لم يستوعبها نظريّا وعمليّا بالشّكل المطلوب أو أنّ غالبيتهم مقاومون لها. وكما يقول المثل الشّعبي لدينا: «إليّ يحسب وحده يفضلّه».
التّباعد الحاصل لا محالة بنسبة أو بأخرى بين هذه الصّور الثّلاث عن المنظومة يخلق حالة لايقين تخفّف من التّحكّم الصّارم في سير المنظومة والتّنبؤ الدّقيق بمخرجاتها. ومن هنا تتحتّم المتابعة اللّصيقة والضّبط الدّقيق والمتواصل للموارد البشريّة وكفاياتها وللموارد المادّية وجهوزيتها والتّدخّل المتواصل للتّدارك والعلاج والإصلاح وربّما أيضا التّعديل في استراتيجيّات التّكوين والإقناع (بالتّشاركيّة مثلا) وفي وسائل العمل وأشكاله. 
خلاصة القول: أرى وجوب الجمع بين المقاربة الاستنباطيّة (من العام إلى الخاصّ، من النّموذج إلى الواقع) والمعياريّة (من الماضي والحاضر إلى المستقبل) من جهة، والاستقرائيّة (من الخاصّ إلى العام، من الواقع إلى بناء صورة مرنة متدرّجة للنّظام) والوصفيّة (التّحلّي بالحذر وتوقّع المستقبل والانطلاق منه لإعداد الحاضر وأبنائه اليافعين له ولمواجهة تحدّياته) من جهة ثانية. كما أنّ هذا الجمع بين المنهجين يفرض نفسه بحكم عدم وجاهة الاستغناء عن العقلنة والنّمذجة وعدم وجاهة تجاهل حرّية الفاعلين الاجتماعيّين وازدرائها. فليس كلّ نظام يقدّم نفسه بصورة معقلنة هو نظام صالح حقّا ولولا حرّية الفاعلين في تقبّله أو مقاومته لما انفتحت إمكانيّة الإصلاح أبدا.
ولذا لا أرى أي موجب لتصوّر وجود حالة قطيعة ومناقضة بين من يتبنّى منهج العقلنة الصّارمة والتّكميم والقيس من جهة، ومن يتبنّى منهج أقلّ التزاما بالتّكميم لصالح ما هو كيفي والاستيعاب المرن والمتواصل لما هو طارئ ومتحوّل وغير يقيني، بحكم عامل التّغيّر المتسارع في العالم وبحكم حرّية الفاعلين الاجتماعيّين، من جهة ثانية.  
خاتمة: 
يمكنني أخيرا استحضار نموذج الوضع الابستمولوجي لعلوم التّربية عموما ومقارنته بالوضع الابستمولوجي لهندسة الإصلاح التّربوي التي يمكن إلحاقها بعائلة علوم التّربية، للحكم على مدى قدرة هذه الهندسة على التّحكّم في أداء المنظومة التّربويّة وأداء الفاعلين فيها. فكلّ من علوم التّربية وهندسة الإصلاح التّربوي يروم عقلنة الفعل التّربوي وتخليصه من العفويّة السّاذجة والارتجال. 
لكن رغم أنّ الشّغل الشّاغل لعلوم التّربية هو الانتقال من مجرّد ممارسة إدارة مناطق الشّكّ، حيث يصعب التّكهّن بالطّوارئ، إلى المقاربة العلميّة الشّاملة للظّاهرة التّربويّة، بما يضمن أكبر قدر ممكن من الفهم المعمق لها، إلا أن غايتها ليست مد الفاعلين التربويين بوصفات جاهزة للفعل البيداغوجي، وإنما مدّهم فقط بفرضيات عمل وبتفسيرات للوقوف على مواطن الضعف والتردد والتناقض بين ما يعلن من نوايا ويرفع من شعارات من جهة وما نجده على الميدان من جهة أخرى(10).
 يمكن القول كذلك إنّ هندسة الإصلاح التّربوي رغم أنّ لها منزلة هندسة وما للهندسة من خصائص العقلنة والضّبط والدّقّة والتّكميم إلّا أنّها هندسة من نوع خاصّ، هندسة مطبّقة على أوضاع إنسانيّة مزدحمة بالإرادات المتعارضة والمشاعر المتنافرة والقناعات الشّخصيّة أو الفئويّة المتضاربة، لا على مواد طبيعيّة هامدة مسلوبة الإرادة والشّعور. ولذا فإنّ غاية ما تقدّمه هذه الهندسة هي نماذج فعل مؤسّسي وتربوي معقلن تُعتمد منطلقاتٍ وموجهاتٍ للعمل وفرضيّاتٍ له، وتكون ضمانات لعدم الوقوع في الارتجال والفوضى وفريسةً للنّزعات الذّاتيّة والفئويّة الضّيقة. 
ولعلّ تنظيم حوار مجتمعي واسع النّطاق يُشرّك مختلف الفاعلين في المنظومة التّربوية مع تركيز خاصّ على تمهين عمل المدرّس وتعميق ثقافته العلميّة التّربوية من شأنهما أن يقلّصا إلى أبعد حدّ ممكن من مقدار سوء الفهم وتباعد الرّؤى والتّصوّرات ويحفز أكثر على الانخراط في إنجاح الإصلاح التّربوي المنشود. أي الجمع بين العقلنة والمقاربة الظّاهرتيّة التي تضع «الحقيقة الموضوعيّة» بين قوسين فسحا للمجال لقصديّة الفاعلين في مناخ لا يمكن إلاّ أن يكون ديمقراطيّا وفي مؤسّسة لا يمكن أن تكون إلاّ محوكمة. 
الهوامش
 (1) Voir Philippe Perrenoud, Peut-on réformer le système scolaire ? Texte d’une intervention au colloque du GIRSEF, Université de Louvain- la- Neuve, 28 novembre 2003, publié en ligne sur 
 24_2003/https://www.unige.ch/fapse/SSE/teac hers/perrenoud/php_main/php_2003
(2) Idem, p. 2
  (3) Philippe Perrenoud (2004). « Six façons éprouvées de faire échouer une réforme scolaire », In Frenay, M. & Maroy, C. (dir.), L’école, six ans après le décret « missions ». Regards interdisciplinaires sur les politiques scolaires en communauté française de Belgique (pp. 317 -345). Louvain : Presses Universitaires de Louvain. 
(4)  Idem, p. 345. 
(5)  انظر المنجي السليماني، الفاعلون السياسيون وتحديث التعليم في تونس: 1956- 1994، سلسلة آفاق للدراسات والبحوث، دار آفاق- برسبكتيف بتونس، 2015، ص.ص. 18- 19. 
(6) من خطاب بورقيبة يوم 25 جويلية 1958 في اختتام السنة الدراسة (يوم العلم) نشر بجريدة العمل، الأربعاء 17 سبتمبر 1958، ص.3.  وانظر مصدق الجليدي، النظم التربوية في البلدان المغاربية، مجمع الأطرش للكتاب المختص، 2020، ص. 59.  
(7) مصدق الجليدي، تربية المستقبل في فلسفة التربية والإصلاح التربوي، الدار المتوسطية للنشر، تونس، 2014 
(8) جان جاك روسو، مقالات في العلوم والفنون، في الاقتصاد السياسي، في أصل اللغات، ترجمة ومراجعة جلال الدين سعيد- محمّد محجوب، معهد تونس للترجمة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ط2، بيروت، 2017. 
(9) Michel Crozier et Ehrard Friedberg, L’acteur et le système, 1977, rééd. Seuil, coll. « Points essais », 2007
(10) انظر مصدق الجليدي، في علوم التربية: مقاربات ابستمولوجية وسيكولوجية، تونس، 2002، ص. 13.
Et voir aussi, Bernard Charlot, Les sciences de l’éducation, un enjeu, un défi, Ed. ESF, Paris, 1995